انطلقت من تونس شعلة بشرية أنارت طريق التغيير وأيقظت شعوباً عربية بقيت تغطّ في سبات عميق عقوداً طويلة، وكأنّها في غيبوبة لن تستفيق منها. شعلة غضب أسقطت صروحاً سياسية كانت في أذهان العديد من الناس رمزاً للمناعة والصمود، وعملت (هذه الشعلة) ولا تزال على ردم الهوّة بين الحاكم والمحكوم، وهي من أهمّ سمات أنظمة الحكم في العالم العربي.

خلعت الثورة الشعبية الحاكم في تونس، ثم الحاكم في مصر، وتستمر حالة المخاض في ليبيا واليمن لإطاحة الحكم فيها. كذلك يستمرّ الحراك الشعبي في دول عربية أخرى تعيش يقظة ورغبة في إصلاحات جذرية ومشاركة فعلية في حكم ذاتها، لكن دونها صعوبات جمة.
تمكنت الانتفاضة الشعبية من تحقيق مكاسب مهمة في تونس ومصر، وأصبح من المستبعد جداً أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه. لكـن الصورة لم تتضح بعد للحكم البديل، ولا لمدى النجاح في إحلال نظام سياسي يعكس الإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية في الإصلاح. ولا تزال القوى المناهضة للتغيير، في الداخل والخارج، تعمل جاهدة، في السر وفي العلن، لعرقلة التغيير أو السيطرة على مجراه.
التحرّك الشعبي في العديد من الدول العربية كان له أثر عميق في التطوّرات التي حصلت ولا تزال تتفاعل في الكثير من المجتمعات العربية. لكن ما جرى ويجري، على أهميته، لا يوضح أو يؤكد الأهداف التي ستتحقق وما ستستقر عليه الأوضاع من إصلاح يصبح جزءاً من الواقع ومن الثقافة السياسية السائدة.
لا شك في أنّ هناك معوّقات عدّة لبلوغ ما تتمناه الشعوب العربية الثائرة، بدءاً بردم الهوة بين الحاكم والمحكوم، وإقامة مؤسسات سياسية وقانونية توفّر الضمانات الضرورية للحريات العامة وحكم القانون والقضاء على الفساد، لكن سأكتفي بالإشارة إلى أهمّها.
ترسيخ الهويّات والانتماءات الفرعية وتفعيلها هما، برأيي، في طليعة المعوّقات. وأعني بذلك تقديم الهويّات والانتماءات الدينية، أو المذهبية، أو الطائفية، أو القبلية، في سلّم الولاء السياسي على الانتماء إلى وطن. فبذلـك، تتراجع أو تغيب عن الوجدان الاجتماعي والثقافة السياسية السائدة أهميّة الانتماء إلى وطن، والارتباط مع جميع أفراده بعقد اجتماعي يمثّل القاعدة الصلبة لضمان أمن المواطنين جميعاً ومصلحتهم.
الهويات الفرعية وسيلة ضامنة لتشظّي المجتمع وإضعاف الروابط بين أفراده. بكلام آخر، تنمية الهويات الفرعية وتفعيلها هما ضمان لفرز ثقافة سياسية مانعة لإنشاء مجتمع فيه الحد الأدنى من الوحدة الضرورية لتكوين دولة تجتمع فيها العناصر الأساسية لدولة مستقلة.
فالدولة، عوضاً عن أن تكون بقوانينها ومؤسساتها تعبيراً عن إرادة المجتمع في الحكم الذاتي وفي تفعيل طاقاته وتوظيف جهوده لما هو مصلحة مشتركة، تصبح وعاءً لتجاذب المصالح الفئوية وتصارع القوى الدينية أو الطائفية وسواها من الهويات التي يفترض أن تبقى ثانوية بالنسبة إلى الانتماء إلى وطن، ما يذهب بوحدة المجتمع ويقضي على ثقافة المواطنة ويضعف الدولة.
تجذّر الهويّات والانتماءات الفرعية في العالم العربي عموماً، هو معوّق أساسي لبلوغ الأهداف الأساسية التي رفعتها الانتفاضات الشعبية العربية. فالحقوق الفردية والحريات العامة وحكم القانون التي يطالب بها رواد الانتفاضات الشعبية، نمت جميعها مع الدولة القومية أو الدولة الحديثة، وأصبحت من عناصرها الأساسية. فهي حقوق ومؤسسات لم يعرفها الحكم القبلي أو الطائفي، ولا أنظمة الحكم الثيوقراطي. فالدولة الحديثة ومؤسساتها، والديموقراطية وأنظمة الحكم الحديث، تتنافى مع أنظمة الحكم ذات الأساس الديني أو الطائفي أو العشائري.
وما يفاقم دور هويّات وانتماءات الشرذمة الداخلية كمعوّق للإصلاح، هو كونها على انتشار وليست على انحسار، بالرغم من مضيّ عقود على تبنّي أطر الدولة الحديثة ودساتيرها، ولو في الشكل، في معظم الأقطار العربية. فالطائفية والعشائرية مثلاً، قائمتان في حالة كمون في جميع البلدان العربية تقريباً، لكن الطائفية، كنظام سياسي، كانت ولا تزال قائمة في لبنان فقط. بعد الاحتلال الأميركي لبلاد ما بين الرافدين، جرت إلى حد ما لبننة العراق، وأصبحت الطائفية فرضية سياسية في فهم بنية البلاد السياسية والاجتماعية. ومن خلال خوض الرأي العام العربي بكثافة في قضايا لبنان والعراق، تسوَّق الطائفية وثقافة تحويل الروابط البدائية إلى هويات سياسية عربياً، فتنتشر كالأمراض السارية.
والتجربة العراقية أشدّ خطراً على الوعي الطائفي السياسي العربي؛ لأنّ العراق كان دولة يهتدي نظامها بالقومية عقيدةً، ولأنّ حالة لبنان، على سلبياتها وإيجابياتها، كانت تُعَدّ استثنائية في الذهن العربي. وتنبع خطورة التجربة العراقية من كونها تمثّل وعياً سياسياً طائفياً يمتدّ مجتمعياً في العراق؛ إذ لم تكن الطائفية منتشرة كوعي سياسي، وينتشر عربياً من دولة كان نظامها يتبنى القومية العربية إيديولوجيا. وكما تظهر التجربة اللبنانية، إنّ التقسيم الطائفي للمجتمع علّة يصعب التخلص منها بعد الإصابة بها؛ فهي تنسج لغة لتوصيف الواقع السياسي مشوهة للواقع، يغيب معها الفرد، الموضوع الأساسي للحقوق والواجبات في المجتمع، ويصبح السلم الأهلي مسألة تعايش بين الطوائف، والمساواة محاصصة في ما بينها، ومرتعاً للفساد، وتوصف المساكنة بين الطوائف بأنّها ديموقراطية توافقية.
لكن التوافقية، وإن كانت تمثّل حماية من الاستبداد، ليست ديموقراطية قائمة على المواطنة؛ لأنّ الفرد هو الموضوع الأساسي لجميع الحقوق والواجبات في الوطن وفي المجتمع الديموقراطي، لا الطائفة أو العشيرة أو أية جماعة من أصحاب الهويات الفرعية. ولأنّ التوافقيّة تنصّب فوق المجتمع وفوق المواطنة جماعات هويات فرعية مسيّسة، تفقد المواطنة الفردية معناها، ويفقد التنافس الديموقراطي معناه، ويتحوّل من برامج تنافس شاملة لمجمل مصالح الوطن وأبنائه، إلى تنافس داخل كلّ طائفة أو مذهب على من يمثلها مقابل الطوائف أو المذاهب الأخرى في اقتسام المغانم الوطنية.
والنظام التوافقي، في ظل انتشار الثقافة الطائفية وولاء الفرد للطائفة أو العشيرة أولاً، يدفع بالفرد في أية انتخابات تمثيلية إلى أن يصوّت إلى جانب الطائفة أو العشيرة التي ينتمي إليها. فهذا لا يؤسس لنظام سياسي حزبي منفتح لجميع المواطنين، بل يحوّل الأكثرية إلى أكثرية طائفية أو مذهبية، ويحرم جماعات أخرى المشاركة في الحكم، فتشعر مع مرور الزمن بأنّها أقلية مضطهدة.
ولا تؤسس التوافقية لبناء دولة قوية متماسكة، على ما أثبت النموذج اللبناني، وكذلك التجربة العراقية. ففي لبنان، جاء اتفاق الطائف حلّاً توافقياً لخلاف سياسي وإنهاءً لحرب أهلية ذات أسس وأهداف طائفية. نفّذ هذا الاتفاق بمجمله، إلا ما تعلّق منه بإضعاف الطائفية لمصلحة إنشاء دولة متماسكة. فإلغاء الطائفية السياسية، وتطبيق تمثيل شعبي نسبي من طريق مجلسي تشريع يبقيان حبراً على ورق. كذلك بقي الاتفاق على قانون انتخاب يعتمد المحافظة دائرةً انتخابية، كما ينص عليه اتفاق الطائف، عصياً على المشترع اللبناني. ولا حاجة إلى الحديث عن مدى تماسك الدولة في لبنان؛ ففي هذا المجال حدّث ولا حرج.
أمّّا في العراق، فقد وضع المحتل الأجنبي أسس الطائفية السياسية، بعد تدمير الدولة، لضمان شل قدرة العراق الموحد على مقاومة الاحتلال. ذلك أنّ مجتمعاً لا تحضنه دولة متماسكة هو مجتمع ضعيف ولا ينتج ديموقراطية ولا مواطنة، بل يصبح مسرحاً للفوضى والاقتتال بين أبنائه.
وما يفاقم خطر تسييس الهويات والانتماءات الفرعية، هو فشل جميع الدول العربية في تكوين مجتمع موحد أو أمة مدنية على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية تمثّل ضماناً مدنياً ضد الاستبداد، بدل أن تمثّل العشيرة أو الطائفة هذا الضمان. كذلك، إنّ هذا الخطر يتفاقم مع انحسار الخطاب القومي العربي كحاجة إلى توحيد غالبية الشعب، وغياب تيار مستنير فاعل على الأرض، يطرح المشترك ويلحّ عليه، ويقاوم التجزئة الطائفية، ويطرح بدائل ديموقراطية، وينخرط في الحركات الثقافية والجماهيرية، ويكون ضمانة ضد هيمنة الثقافة الطائفية وانتماءات التجزئة الأخرى.
الفساد هو المعوق الثاني للإصلاح. فالفساد آفة عرفتها جميع المجتمعات والدول بدرجات متفاوتة عبر تاريخها، لأنّها لصيقة بالطبع البشري. لكن بعض المجتمعات أدركت مخاطر الفساد، فعملت على مكافحة هذه الآفة بجدية. لكن آفة الفساد نمت وترعرعت في معظم، إن لم يكن في جميع الدول العربية، وبخاصة مؤسسات الحكم فيها، من دون أن تلقى المقاومة الواجبة للحد من مخاطرها. لذلك، نرى أنّ مكافحة الفساد تتصدر مطالب جميع الانتفاضات الشعبية التي انطلقت في العديد من الدول العربية.
ويقضي الفساد، بالدرجة الأولى، على الثقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الشعب ومؤسسات الدولة. فعلى الصعيد السياسي، يقوّض الفسـاد شرعية الحكم ويدمّر الآليـات والأسس التي يقوم عليها الحكم الصالح. كذلك، يقضي في الانتخابات التمثيلية مثلاً على صحة التمثيل، وعلى القدرة على مساءلة النائب المنتخب. ويعطل الفساد في القضاء حكم القانون، وهو في الإدارة العامة يعطّل الخدمات المفترض أن تقدّمها حقّاً من حقوق المواطن، ويعرّض فاعلية هذه الخدمات للشبهة. يسلب الفساد، بصورة عامة، مؤسسات الدولة قدرتها على القيام بوظائفها. فالقوانين والإجراءات تهمل ويستخف بها، والموارد تسرق أو تهدر، والوظائف العامة تذهب للمحاسيب والأقارب الذين في الغالب يفتقرون إلى النزاهة والكفاءة.
ليس الفساد منتشراً في الدول العربية وحسب، بل هو متجذّر فيها ومحصّن. فالمجتمعات المتخلّفة في ثقافة حكم القانون ومساءلة الحكّام، وهي في غفلة عن مخاطر الفساد، ترى في استشراء الفساد أمراً طبيعيّاً، وقدراً لا يمكن ردّه، فيصبح جزءاً من الثقافة العامة. ألا يقال عن سارق المال العام، وممارس الإثراء غير المشروع «الشاطر ما يموت»؟ أولم يصبح شراء الذمم والأصوات في الانتخابات وتزوير إرادة الشعب في انتقاء ممثليه وحكامه ممارسة مألوفة؟ وتوظيف الأقارب والأنصار، وإن لم تتوافر فيهم الكفاءة أو النزاهة، أليس من الأمور الطبيعية؟
ما يفاقم خطورة تجذر الفساد وجعله من المعوّقات الأساسية للإصلاح في العالم العربي هو العلاقة الحميمة بين الفساد وهويات أو انتماءات التجزئة. فالعلاقة مثلاً بين الفساد والاصطفاف الطائفي هي علاقة متينة جداً. والنموذج اللبناني يعطي الدليل الحاسم على ذلك. فنحن نشاهد كيف أنّ الفساد يعزز تكريس الزعامات الطائفية والمذهبية، ويسهّل عملية الوصول إلى السلطة والبقاء فيها. وبدوره، يحمي الاصطفاف الطائفي والمذهبي الفساد والإثراء غير المشروع، حتى لو بلغ ذلك حـدّ تعطيل سلطة القانون في المساءلة عن اختلاس مبالغ هائلة من المال العام، أو في ملاحقة رعاة شهود الزور في قضية زعزعت، ولا تزال، الاستقرار الوطني.
ويزداد لدينا وضوحاً كون الفساد معوّقاً للتغيير الإصلاحي في الدول العربية، عندما ندرك أنّ وسيلة أساسية للسيطرة السياسية في المجتمعات التي تقوم على الاقتصاد الريعي، ويضعف فيها حكم القانون، وتغيب عنها ثقافة مساءلة الحاكم.
العامل الآخر الذي أودّ التطرق إليه بوصفه معوقاً للإصلاح هو الضغط الخارجي، بوجهيه الدولي والإقليمي. نعلم جيداً أنّ هناك أنظمة في دول عربية، يعمّ فيها الفساد، وتنتشر فيها ثقافات التجزئة، من طائفية ومذهبية وقبلية وسواها، ولا يعرف شعبها معنى الحريات العامة أو المشاركة في الحكم. كذلك ليس في تلك الدول مؤسسات تضمن أن يستمد الحاكم شرعية حكمه من إرادة شعبه، لكنّها تتمتع بقدرات مالية وإعلامية هائلة. فمن الطبيعي أن تقوم هذه الأنظمة بالمستطاع لإبعاد عملية التغيير عن حدودها، وعما تتمتع به من امتيازات.
ونعلم كذلك أنّ هناك دولاً صناعية كبرى لها مصالح اقتصادية وسياسية في استقرار العلاقة بينها وبين بعض الأنظمة العربية، بقطع النظر عن توافر الحقوق والحريات العامة، وعن مدى تمثيل هذه الأنظمة لمصلحة شعوبها وطموحاتها وأمانيها، وذلك بالرغم مما تدّعيه هذه الدول من مناصرة الديموقراطية واحترام الحريات الأساسية في أنظمة الحكم. بعض هذه الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ربطت مصالحها في الشرق الأوسط بمصالح إسرائيل وبخاصة لجهة إضعاف الدول التي يمكن أن تمثّل خطراً على سياسة التوسّع الإسرائيلي، بما في ذلك العمل على تعميق الهوة وتوسيعها بين الحاكم والمحكوم فيها. وقد رأينا ذلك بوضوح في مصر وتونس، وفي دول أخرى، ينظر إلى أنظمتها بأنّها لا تختلف في مشيئتها السياسية عن مشيئة الولايات المتحدة.
وبهدف إضعاف القدرات العربية وشلها، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها، بمساعدة عربية، واعية أو غير واعية، على تغييب العروبة وكلّ ما من شأنه أن يوقظ لدى العربي هويّة أو انتماءً موحّداًَ. فقد زال «العالم العربي» من القاموس السياسي الغربي، والعربي الرسمي كذلك، وحل محله «الشرق الأوسط» أو «شمال أفريقيا»، حسب موقع الحدث أو البلد المعني. وحين يخاطب الرئيس الأميركي شعوب المنطقة والعالم الإسلامي من القاهرة، أكبر عاصمة عربية، نلاحظ أنّ لفظة العرب أو العالم العربي لا ترد مرّة واحدة في خطابه. وعندما تشاء الولايات المتحدة خلع نظام عربي واستبداله بنظام يعكس التصوّر الأميركي للديموقراطية، كما فعلت في العراق، فهي تؤسس لترسيخ هويات التجزئة وانتماءات التشظي الداخلي.
يؤدي الإعلام الغربي، ومعظم الإعلام العربي، الخاضع بمجمله لأنظمة عربية قريبة من الولايات المتحدة لم يعرف عنها تمرسها بالديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، يؤدي دوراً هاماً في تقويم الانتفاضات الشعبية العربية، وتوجيه مسيرة التغيير. يكفي على سبيل المثال أن نقارن تعامل وسائل الإعلام الغربية والعربية مع الانتفاضة في البحرين، مقارنة بتعاملها مع سواها من الانتفاضات الشعبية العربية، وسوريا على وجه التحديد. وبالنظر إلى أهمية الإعلام في تصوير الواقع والتأثير على الرأي العام، فضلاً عن الإمكانات المادية وتداخل المصالح بين قوى خارجية ومؤسسات وتنظيمات داخلية، لا بد من الأخذ بعين التقدير تأثير القوى الخارجية على مجرى التغيير الذي يمكن توقعه في الساحة السياسية العربية. الموضوع الأخير الذي أود تناوله هو تصوّر مدى نجاح قوى التغيير في ضوء المعوقات التي ذكرت. يحصل التغيير في حدود ما تتغلب قوى التغيير وأدواته على قوى الممانعة أو قوى الحفاظ على الوضع القائم وأدواتها. وينجح التغيير بقدر ما تتضح وتتوّحد أهدافه، والخطط الضامنة بلوغ هذه الأهداف لدى قوى التغيير. لا شك في أنّ الوقائع على الأرض تختلف كثيراً من دولة عربية إلى أخرى، ولا أدّعي معرفة دقيقة بالأوضاع من أجل تقويم شامل في كلّ قطر عربي يعيش انتفاضة شعبية تسعى إلى التغيير، ولا مجال لذلك في هذه العجالة.
لذلك، سأكتفي بملاحظات عامة، يمكن أن تنسحب على محاولات التغيير في معظم، إن لم يكن جميع، الدول العربية التي تخوض غمار التغيير.
الملاحظة الأولى هي غياب الأحزاب أو الحركات الإصلاحية الفاعلة التي تعتمد خطاباً سياسياً موحداً لشرائح المجتمع كافة، إن على الصعيد القومي أو على الصعيد المحلي، داخل الدولة الإقليمية. فالخطاب السياسي القومي تراجع في جميع الأقطار العربية، رغم الجهود الفردية لبعض الأطراف، ولا يمكن القول إنّه يمثّل مرجعية لسلوك الحاكم، أو محاسبته، في أي من الدول العربية، باستثناء ربما الوضع في سوريا حيث الحكم هو لحزب البعث. لكن هذا الحزب هو في طليعة أهداف انتفاضة التغيير في سوريا، ولا يمكن وصفه بأنّه مرجعية، أو عامل مؤثر في الانتفاضات الشعبية التي يعيشها العالم العربي.
مؤسف جداً أن يكون الخطاب القومي السياسي قد تراجع إلى تلك الدرجة في هذه المرحلة من التاريخ العربي. فالقومية العربية، قائمة في وجدان غالبية الناس، وثقافتهم ومخيلتهم كانتماء عربي، كما تظهر الدراسات الميدانية في هذا الشأن (استطلاع ودراسة ميدانية لجامعة ميريلاند في أيلول 2002). والتخلي عن القومية العربية هو تخلّ عن طاقة وحدوية علمانية بامتياز، وعن حاجة ووسيلة عملية لتوحيد غالبية الشعب، حتى في الدولة القطرية، لكي لا ينهار إلى طوائف ومذاهب، وغيرها من انتماءات التمزق الداخلي.
هذا على الصعيد القومي. أما على الصعيد الإقليمي، فقد ضمنت الأنظمة الحاكمة غياب أحزاب أو تنظيمات منافسة ذات خطاب سياسي يمكن أن يضم جميع شرائح المجتمع. فالانتفاضات الشعبية التي قامت في تونس ومصر، وسواها من الدول العربية، لم تفجرها أحزاب منظمة لها أهداف ومطالب إصلاحية معروفة ولها انتشار شعبي وتنظيمي جرى تفعيله. بل ظهرت في تلك الانتفاضات، بصورة عفوية، «قيادات شابة» لم يعرف لها تاريخ في النشاط السياسي، أو ارتباط بأحزاب منظمة وفاعلة على الأرض.
وبالرغم من السلوك الحضاري الرائع للانتفاضات الشعبية، والكفاءة القيادية التي أظهرها هؤلاء الشباب، وخاصة في مصر، في تنظيم الجماهير، وعرض المطالب، والمثابرة في العمل التنظيمي للتجمّع والتظاهرات الشعبية، يبقى النجاح في التغلب على القوى الداخلية والخارجية التي تقاوم تغييراًَ يهدّد مصالحها وامتيازاتها، في حدود التمنّي ومحفوفاًَ بالكثير من المخاطر.
من المتوقع أن تتضافر قوى مقاومة التغيير وتفعّل كل ما لديها من وسائل وأسلحة للسيطرة على مجرى الأحداث، بعيداً عما يهدد مصالحها. فالقوى الخارجية ستسعى إلى ضمان مصلحتها في استقرار الأمر الواقع في دول الخليج، وبخاصة مصادر النفط والغاز، مهما بلغت الحاجة للحدّ من الحكم القمعي، واحترام حقوق الإنسان، والحريات العامة في تلك الدول، ومهما استشرى الفساد وكان عائقاً دون بناء المؤسسات العامة الحافظة للحقوق والحريات. والقوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من المتوقع ألّا تألو جهداً في منع أي تغيير قد يعرّض المصالح الإسرائيلية للخطر.
لذلك من المرجّح مثلاً أن تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها، دولياً وإقليمياً، وفي الداخل المصري خصوصاً، على مقاومة كلّ تغيير من شأنه أن ينال من المصلحة الإسرائيلية واحتوائه، وبخاصة اتفاقية «كامب ديفيد» للسلام، بينما تعمل في سوريا، ما استطاعت، لتغيير نظام هو عنوان الموقف الرسمي العربي في مقاومة إسرائيل.
فالثورة المضادة لمناهضة التغيير قائمة على قدم وساق، وتبدو بوجهها العربي بقيادة خليجية وقد ظهرت بوادرها. فالتدخل العسكري الخليجي في البحرين، لوأد الانتفاضة الإصلاحية هو أحد هذه البوادر، والاصطفاف المذهبي على الصعيد العربي والإقليمي، مدعوماًَ بإيقاظ هويات وانتماءات التجزئة، وإثارة الهواجس والمخاوف المذهبية والطائفية والعرقية، هو كذلك من مظاهر الثورة المضادة، كما الاستنساب والتشويه الإعلامي في تغطية الأحداث.
لكن مهما كان من أمر القوى المناهضة للإصلاح في العالم العربي ومدى نجاحها في عرقلة التغيير، فإنّ اليقظة الشعبية والدماء التي سالت في الشوارع العربية بغية رفع الظلم والحد من الفساد وردم الهوة بين الحاكم والمحكوم، كفيلة بألا تعود عقارب الساعة إلى الوراء. فحاجز الخوف قد انهار، ولا بد للحاكم من أن يكون أكثر انفتاحاًَ واستجابة لمطالب شعبه. لكن الاستنتاج بأنّنا نتيجة ما يجري نعيش حالة ولادة دولة مواطنة عصرية، يسودها حكم القانون وتضمن مؤسساتها الحقوق والحريات العامة ومشاركة شعبية تامة في الحكم، هو تمنٍّ فيه الكثير من التفاؤل، وخصوصاً مع نمو وتجذر الهويات الفرعية وانتماءات التجزئة في جميع الدول العربية تقريباً، وغياب التنظيم المؤسسي لدى قوى التغيير، مقابل الحوافز والإمكانات المادية والإعلامية الهائلة لدى قوى مقاومة الإصلاح دولياً وإقليمياًَ، وداخل الدول المعنية بالإصلاح السياسي.

* أستاذ في القانون في جامعة جورجتاون، واشنطن