ليس هناك ما يكفي من المياه لإطفاء حريق البوعزيزي. البوعزيزي يحترق كثيراً ألماً، لعلمه أنّ الطاغية التونسي لا يزال يقبع في قصر ضيافي منيف في مملكة القهر الوهّابيّة. يحترق البوعزيزي لكون الطاغية لم يُحاكَم على جرائمه المتراكمة، لأنّ الحكم السعودي يحمي الطغاة، في آسيا وأفريقيا.


هي ملاذ الطغاة الأخير (أين سيكون ملاذ آل سعود، ولو «بعد حين»؟) وكيف تنطفئ حروق البوعزيزي وهو يرى أنّ قادة البنية العسكريّة الاستخباريّة في تونس التي وطّدت دعائم النظام وأقامت العلاقات الرسميّة السريّة مع الـموساد (مثله مثل كل زعماء مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً أولاد زايد الذين يتنافسون مع أنطوان لحد في خدمة العدوان الإسرائيلي كي يحظى محمد بن زايد بلقاء مع حاكم الإمبراطوريّة الأميركيّة كلّما مرّ بواشنطن) وانخرطت في حملة «مكافحة الإرهاب» التي تحوّلت إلى مكافحة المعارضات العربيّة، ليست إلّا نتاجاً للتحالف السعودي الأميركي ــ الباكستاني في الحرب الأميركيّة ضد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان؟ كيف لا يحترق وسرقات العهد البائد لم تعد إلى أهلها؟ كيف لا يحترق والناس لا يزالون يُقتلون في الشوارع؟
نار حامية. البوعزيزي يحترق عندما يتطلّع صوب الانتفاضة في مصر ويرقب مسارها بقلق (مع شجاعة عمّال مصر الذين يدفعون بالانتفاضة قدماً نحو الثورة). لا شك في أنّه يقدّر العزم والإصرار الحديدي الذي طبع شعب مصر في ثورته على حكم مبارك وأعوانه (وثورة الشعب المصري هي ثورة كلّ الشعب، لا شبابه وحده. لنتوقّف عن أكذوبة «ثورة الفايسبوك» التي تستسيغ وسائل الإعلام الغربيّة إطلاقها، وخصوصاً أنّ نسبة مُستعملي «الفايسبوك» في مصر لم تتعدّ الربع، فيما لم يستعمل نحو 65% من الشعب المصري الإنترنت والإيميل إطلاقاً (وفق استطلاع «بيو» الأخير في مصر). البوعزيزي يعلم أنّ ثورة تونس هي الرائدة وأنّه هو ألهب وألهم وأيقظ الشعب العربي بكامله، وأنّ رفضه وغضبه وثورته وحريقه أقامت جيلاً كاملاً من سباته (بعدما كان قد ورث السبات والاستكانة والخنوع والطاعة واليأس والمسلسلات والحميّة الكرويّة من أجيال عربيّة سبقته). يعلم البوعزيزي أنّ الإصرار التونسي على المضيّ قدماً في الانتفاضة (لعلّها ترتقي نحو الثورة) يحفز الانتفاضات العربيّة الأخرى وقد يشعل ثورات نحن بأمسّ الحاجة إليها كي لا تبقى زاوية غير مشتعلة في العالم العربي. يشكّ البوعزيزي في قدرة الإسلام السعودي على قطف ثمار الانتفاضة من أهلها الحقيقيّين في تونس، وإن حاول العائد من لندن الظهور مظهر المُنقذ من الضلال العلماني. والبوعزيزي رأى كيف أنّ تلك الصورة للطاغية وهو يزوره في سريره في المستشفى مثّلت علامة فارقة في التاريخ العربي. انحنى له الطاغية المُتكبِّر وكاد أن يلثم قدميْه أمام الكاميرا. كان بن علي يظهر مذعوراً للمرّة الأولى أمام شعبه. علم من تلك اللحظة أنّ الشاب المُكبّل سريريّاً في حروقه قد قضى على نظامه. حاول بن علي في تلك الزيارة إنعاش نفسه. فشل فشلاً ذريعاً، وهرب إلى السعوديّة (أين سيهرب أمراء آل سعود عندما تصل الموسى الثوريّة إليهم هم قطّاع الرؤوس، عاجلاً أو آجلاً؟).
إنّها نيران البوعزيزي. يحترق البوعزيزي وقد رأى كيف أنّ إدارة أوباما حاولت كاذبة منافقة أن تزعم أنّها وقفت مع الشعب التونسي في ساعات (وعقود) الشدّة، وكيف أرسلت جيفري فيلتمان كي يضغط على الحكومة التونسيّة لتنسى مطالب الشعب التونسي، كي يضمن المصالح الإسرائيليّة والأميركيّة ـــــ تلك المصالح التي رتّبت عمليّات قتل قادة المقاومة الفلسطينيّة في تونس، والتجسّس عليهم كلّهم من الـموساد. (وجيفري فيلتمان هذا، حكواتي الـ«ويكيليكس» اللبناني، خدم نظام بن علي بحرص شديد عندما شغل منصباً دبلوماسياً في السفارة الأميركيّة في تونس، قبل أن يتعلّم مبادئ الصهيونيّة وأصولها على يد مارتن إنديك في سفارة أميركا في الكيان الصهيوني). انتظر أوباما خروج طائرة بن علي من الأجواء التونسيّة كي يطالب بتنحيته. لا تطالب أميركا طاغية بالتنحّي إلا بعد أن تتأكّد أنه قرّر من تلقائه أو من تلقاء غضب الناس عليه أن يتنحّى. تتمسّك أميركا بطغاتها حتى اللحظة الأخيرة. (مع أنّ آل سعود شكّوا بتمسّك أميركا بطغاتها، ممّا دفع بإسرائيل إلى مطالبة أميركا رسمياً بحماية عسكريّة أكيدة للحكم السعودي إذا ما تعرّض للخطر، وفق ما كتب الصحافي الأميركي تيد كوبل في «وول ستريت جورنال»، بعد مقابلة قادة حكومة العدوّ).
البوعزيزي يحترق لمرأى الولايات المتحدة تحزم أمرها وتقرّر أن تركب موجة الانتفاضات وأن تتصنّع المشاركة فيها. الدولة التي رعت وحمت، وترعى وتحمي، كلّ الطغاة العرب ـــــ من دون استثناء ـــــ تقرّر أن تخدع الشعب العربي: أو شبِّه لها أنّها تخدع الشعب العربي. لكن استغلال الانتفاضات العربيّة جار في كلّ مكان: صحف أمراء آل سعود الذين برعوا فقط في الثناء على عدل ثقافة قطع الرؤوس والتزمّت والتعصّب وتصدير الفتن المذهبيّة والطائفيّة على أنواعها، يعظون في الشأن الديموقراطي. وفؤاد السنيورة تلقّى دعوات من صهاينة واشنطن لإلقاء محاضرة في «ويلسن سنتر» عن الانتفاضات العربيّة. يحترق البوعزيزي في قراءة هذا النبأ: السنيورة هذا الذي أعان إسرائيل في عدوان تمّوز ولا تكاد تخلو وثيقة «ويكيليكس» من مديح قادة العدوّ له، وهو الذي أسبغ دكتوراه فخريّة على الأمير نايف بن عبد العزيز: وزير التعذيب وقطع الأطراف في مملكة القهر. السنيورة يحاضر عن الانتفاضات العربيّة؟ احترق يا البوعزيزي. احترق، فلحريقك إيلام خاص وعام.
يحترق البوعزيزي عندما يسمع أنّ مجلس الطغاة الخليجي يُقرّر مستقبل الديموقراطيّة في اليمن. شيوخ الشخبوطيّة يقودون عمليّة التغيير الديموقراطي، بالنيابة عن أميركا وإسرائيل، خشية أن يحقق الشباب العربي طموحاته. ثورة اليمن تواجه خطر السرقة من أعتى طغاة العالم العربي. هؤلاء الذين تخضع حكوماتهم لمعايير حكم القرون الوسطى، الذين لا يزالون يقتنون العبيد والجواري، يريدون أن يمثّلوا الشعب العربي أمام الغرب المُستعمر، والغرب لا يجد أفضل منهم عرباً. هؤلاء تمرّسوا في الطاعة والخنوع وباتوا خبراء في خدمة المصالح الصهيونيّة. أولاد زايد بزّوا كلّ وكلاء إسرائيل في العالم العربي في فتح بلادهم أمام إرهاب الـموساد وتجسّسه. أولاد زايد نموذج للجيل العربي الجديد من طغاة العرب الذين تمرّد البوعزيزي عليهم. لم يكن البوعزيزي ليقبل بأن تنشأ سلالة «طرابلسيّة» في تونس. لا يريد مجلس الطغاة الخليجي أن يحصل الشعب اليمني الذي عانى عقوداً من التخريب على يد آل سعود على حريّته غير المنقوصة. يعلم آل سعود أنّ الشعب اليمني لا يقبل إلا بمحاسبة الطاغية علي عبد الله صالح الذي شنّ حروباً في الشمال والجنوب والوسط بالنيابة عن رعاته الخارجيّين، ويعلم الشعب اليمني أنّ الحكم الذي رعى البن لادنيّين الإرهابيّين، هو نفسه الذي تذرّع بالخطر البن لادني كي يستجدي دعماً أميركيّاً، مثلما فعل القذّافي من قبله ومن بعده. لكن الشباب اليمني بالمرصاد: يريد أن يفوّت الفرصة على الحكم السعودي الساعي لإنقاذ عائلة الطاغية.
يحترق البوعزيزي ويتفحّم وهو يرى الثورة المضادة. كيف يفقه أنّ محطة «الجزيرة» التي تبنّت انتفاضة الشعب التونسي، عادت وقرّرت أنّ هناك انتفاضات للتأييد وأخرى للقمع والتجاهل. العقد القطري ـــــ السعودي حدث بعد وفاة البوعزيزي. يحترق البوعزيزي لأنّ «الجزيرة» باتت صوت الثورة المضادة المدوّي. بات يتفحّم البوعزيزي وهو يرى تحوّل «الجزيرة» إلى بوق لقصف حلف الـ«ناتو»، كذلك هو لا يستسيغ التوافق السعودي ـــــ القطري الذي أطلق العنان لثورة مضادة شرّيرة. المحطة التي حملت قضيّة البوعزيزي وجعلته عنواناً أكيداً للانتفاضات العربيّة عادت وتحوّلت وجعلت من قصف حلف الـ«ناتو» عنواناً للتحرير العربي. هي المحطة التي استضافت رئيس هيئة الأركان المشتركة في القوات المسلّحة الأميركيّة من أجل أن ينوّرنا عن أسباب الانتفاضات العربيّة. يحترق البوعزيزي أكثر لأنّه لم يعد للانتفاضات العربيّة إعلامها. ليست هناك محطة صادحة بصوت اشتعال البوعزيزي، بعدما توطّد الحلف السعودي ـــــ القطري الجهنّمي (الذي يهدف إلى وأد الثورات العربيّة، أو إجهاضها أو تحويرها عن مسارها بالتعاون مع المُدبِّر الأميركي).
يحترق البوعزيزي لما يجري في ليبيا. هي غيّرت مسار الانتفاضات العربيّة. شيء ما حدث هناك. النظام العربي الطاغي قرّر أن يقلب معادلة الانتفاضات فيما كان الشعب الليبي يتوسّع في ثورته التي أوصلته إلى العاصمة نفسها. توقّفت الثورة في طرابلس الغرب منذ أطلّ حلف شمالي الأطلسي برأسه المُكلّل بمباركة جامعة الطغاة العرب. الزمن الثوري العربي تعثّر. انتفاضات شبابيّة ديناميكيّة وقعت في أيدي مجموعة من مرتزقة القذافي وأدواته وزبانيته. من أسوأ من وزير عدل الطاغيّة، مصطفى عبد الجليل؟ هكذا تحوّل عبد الجليل إلى داع ديموقراطي، وأبدل لباسه الليبي الفولكلوري بربطة عنق باريسيّة، وبات يندّد بإرهاب القذّافي الذي تجاهله عبر العقود. وواحد آخر في مجلس عبد الجليل تحوّل قبل سنوات إلى مستشار لسيف الإسلام القذّافي قبل أن يكتشف حب الديموقراطيّة: وحب قصف «الناتو» من حب الديموقراطيّة عند المجلس الانتقالي الليبي الذي ينهل من ديموقراطيّة مجلس الطغيان الخليجي. يحترق البوعزيزي ليرى أنّ الانتفاضات انحدرت إلى قصف جوّي من حلف الـ«ناتو»، وتعترف قيادة الـ«ناتو» بأنّها قصفت خطأً مواقع لثوّار ليبيا، فيما يصرّ مراسل «الجزيرة» في ليبيا على أنّ قصف الـ«ناتو» في ليبيا كان «مركّزاً» ومحدّداً، وأنّه تجنّب إلحاق الأذى بالمدنيّين. صدّق المزاعم لا ما تراه الأعين، في عصر القرار 1973. يحترق البوعزيزي لمحاولة أميركا تلزيم عمليّة تقزيم الانتفاضات العربيّة من أجل إطالة أمد الطغاة، كلّهم.
يحترق البوعزيزي لما جرى في البحرين: ليس لأنّه القمع الوحيد، بل لأنّه القمع الأقل تغطية في الإعلام. صمت ليبراليّو الوهّابية. صمتت أبواق النفاق السعودي كلّها، لا بل إنّها تنافست في تسويغ القمع البحريني ووصفه بنعوت الأمن والإصلاح. لم يلاحظ من يتشدّق بشعارات الحريّة والفرديّة الغزو السعودي للبحرين. أثبت الليبراليّون العرب الوهابيّون (ماذا تتوقّع من حركة يتزعّمها وينطق باسمها في الغرب، مروان المعشّر؟) حقيقة مواقفهم. هتفوا كلّهم للغزو السعودي، بعدما كتبوا عن السيادة فقط عندما تعلّق الأمر بحق السعوديّة في حماية النُظُم الحليفة لها. أكثر الدول العربيّة تزمّتاً وتعصّباً وانغلاقاً تغزو دولة أخرى لحماية القمع، ودعاة الليبراليّة المنتشرون في مضارب أمراء آل سعود لاذوا بالصمت، أو هتفوا بحياة الأمراء، أو لم يتورّعوا عن إسداء النصح للشعب العربي في معالم الديموقراطيّة، كما يفعل كتّاب صحيفة الأمير سلمان وأولاده. واحد فقط من كتّاب الأمراء كتب كلاماً مائعاً (في موقع «ناو (وإلى الأبد) حريري») عن البحرين، لكنّه عاجل باجترار خطاب السعوديّة عن مؤامرة إيرانيّة لا مثيل لها على الإطلاق في تاريخ العالم (أبواق آل سعود يرفضون أيّ حديث عن مؤامرة في العالم، إلا إذا كانت صادرة عن إيران أو سوريا فقط). يحترق البوعزيزي لنسيان شعب البحرين ولإقصائه عن العالم العربي، بأمر من دعاة الكراهية في أوساط وعّاظ الطغاة. يشتعل البوعزيزي بعدما نقلت مجلّة «الشراع» (الشديدة الاصفرار) كلاماً عن مسؤول خليجي «كبير» شدّد فيه على أنّ الصراع الوحيد في المنطقة العربيّة بالنسبة إلى مجلس التعاون هو صراع عربي ـــــ إيراني (كأنّ هؤلاء يمثّلون العروبة).
يحترق البوعزيزي ضد الخطاب السائد في أوساط الطغاة العرب. يحترق لوصم المحتجّين والمعترضين والغاضبين بالإرهاب والارتزاق والخيانة. يحترق لروايات الإعلام السوري عن عصابات إجراميّة جوّالة، وعن قنّاصة منتشرين على سطوح الأبنية ليقتلوا قوات الأمن والمعارضة، على حدّ سواء. المحترق البوعزيزي يذكر أنّ نظام بن علي حاول أن يعزو كلّ حركات الاحتجاج والاعتراض في تونس إلى إرهاب القاعدة. هذا الخطاب يروق الراعي الأميركي. يحترق البوعزيزي وهو يرى أنصار المقاومة في لبنان يتغاضون عن القمع في سوريا، ويجدون الأعذار له. كيف يُصنَّف شعب بحاله في خانة الخيانة والإجرام؟ وإذا كانت المؤامرة ضد النظام في سوريا من صنع السلفيّة، فلماذا يُزج بالشيوعيّين والقوميّين العرب في السجّون؟ يحترق البوعزيزي ضد نظام يحاكم من «يضعف روح الأمّة»(؟!).
يحترق البوعزيزي لأنّ الشعب العماني والسعودي والإماراتي لم يجد معيناً في تحرّكاته واحتجاجاته. لم يتناد المثقفون العرب في الوطن والمنافي لكتابة بيانات وعرائض لنصرة شعب الخليج. لا، لا يستحق هؤلاء الحياة والحريّة. شيوخ النفط العربي وأمراؤه، باتوا ملّاك الثقافة في العالم العربي. شيوخ بالكاد يفكّون الحرف يُقرّرون عناصر الثقافة في العالم العربي، ويفرضون أذواقهم وغزائزهم على العامّة. وتريدون من البوعزيزي ألّا يحترق؟ لا، فليحترق البوعزيزي، لعلّ كلّ شيوخ النفط وأمرائه يحترقون هم، ويرحلون عنّا ويطلبون اللجوء السياسي في إسرائيل (إلى أن تتحرّر فلسطين،عندما يستطيع الشعب العربي أن ينهش الطغاة بأظفاره). فليحترق البوعزيزي كي يتوهّج الجوّ العربي، ويتذكّر كلّ فرد أنّ معاناة الفرد هي جماعيّة، وأنّ خلاص الفرد جماعي. ما عناه روبسبيير: «الشعب سام، أما الأفراد فهم ضعفاء». لكن روبسبيير لم يعلم بمعاناة البوعزيزي السامية. حروقه سامية، ندوبه سامية، ضماداته سامية، موته سام. البوعزيزي عنوان لمرحلة. سيقولون: هل حدث ذلك قبل البوعزيزي أم بعده؟ لعل التقويم العربي سيخضع لمعيار الحريق البوعزيزي. الرجل الذي أشعل العالم العربي بحرق نفسه أمام المارّة.
يشتعل البوعزيزي ويحترق: يرى كيف أنّ خطاباً واحداً للملك المغربي لقيّ أصداء إيجابيّة في كلّ عواصم الغرب التي رأت فيه ذروة الإصلاح. وتعاون الإعلام الغربي، وهو بالكاد يغطّي تظاهرات المغرب المستمرّة. فقط، إذا ما تضرّر غربي تبدي وسائل الإعلام الغربيّة اهتماماً. يشتعل البوعزيزي لتصريحات وزير الخارجيّة الفرنسي الذي يُشيد بالملك المغربي وإصلاحاته، كما تشيد الولايات المتحدة بإصلاحات مفترضة للحكومة السعوديّة الظالمة. لن تنطفئ نيران البوعزيزي ما دام الطغيان يسود ويلقى التأييد في كل عواصم الغرب، الذي لا يتورّع عن تصنّع التعاطف مع انتفاضات الشعب العربي (لا بل إنّه يسعى أخيراً إلى الثناء على دوره فيها، والترويج لفكرة قيادته له).
لن يهنأ البوعزيزي وعنوان العذاب العربي في فلسطين (يبقى شعبه أمانة في عنق كلّ عربي وعربيّة، كما أنّ خلاصه من خلاص العالم العربي كلّه) قائم. إسرائيل ـــــ يعلم كلّ عربي، باستثناء أبواق أمراء آل سعود في الصحافة العربيّة الذين يمدحون بأمر، ويشتمون بأمر، ويطأطئون الرأس من دون أمر أبداً ـــــ هي العدو الرئيسي للديموقراطيّة والتحرّر في العالم العربي. يصمت قادة العدوّ، ثم يطلعون بتصريحات لطمأنة النفس: يحاولون إخفاء ذعرهم الكبير. إنّه الهلع الصهيوني (ولنا عودة إليه قريباً). تريد إسرائيل تغطية خوفها عبر السكون، ثم إبداء العواطف الزائفة، وكأنّ نحيب قادة الصهيونيّة على مآل عائلة حسني مبارك لا يُسمع في كلّ أرجاء المعمورة. إنّ الطغيان العربي نظام متكافل ومتآزر مع إسرائيل: توضّحت الصورة أكثر بعد معرفتنا بممارسة حكومة نتنياهو ضعطاً شديداً على الإدارة الأميركيّة من أجل السماح لمبارك بارتكاب ما يريد من المجازر لإنقاذ نظامه، وكأنّ في قدرة أحد الوقوف بوجه ملايين مصر. لكن يحترق البوعزيزي إذا لم تُعِد الانتفاضات العربيّة فلسطين السليبة. إنّ قدرة الثورة المصريّة كبيرة في هذا الصدد: إذا كان مئات من أهالي جنوب لبنان قد قدّموا نموذجاً ناجحاً وباهراً للمقاومة في 2006، فإنّ تغيير عقيدة الجيش المصري وإبدال قياداته التي عيّنها مبارك كفيلان بإعادة الأمور إلى نصابها في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، كي يعود صراعاً عربيّاً ـــــ إسرائيليّاً، بعدما جعلته الأنظمة العربيّة كلها صراعاً يُستفرد فيه شعب فلسطين.
احترق يا البوعزيزي: احترق مع كلّ طلوع شمس. لا تمكّنهم من إطفاء نارك ولهيبك. تنطق باسم من عرفت ومن لم تلتق يوماً في طول العالم العربي وعرضه. احترق يا البوعزيزي في الليل والنهار، في الساحات وفي المنازل، في السرّ وفي العلن. احترق، لعل المزيد من الحروق والندوب واللهيب يشعل المنطقة بحالها. ألم يعطِ جورج حبش، في صيف حار عام 1970، الكلمة السريّة لوديع حدّاد كي يحرق المنطقة بحالها؟ احترق يا البوعزيزي وأحرقنا معك. دع نارك تلهب القريب والبعيد، الأخضر والأحمر والأصفر والأزرق. كلما احترق البوعزيزي وكلّما احترقنا معه، خرّبنا وهدّمنا في بنيان الطغيان العربي الثقيل. احترق يا البوعزيزي بالنيابة عن كلّ طفل في فلسطين الغالية، وعن ضحايا ثورة حلف الـ«ناتو» على الأرض العربيّة، احترق.
يحترق البوعزيزي في جسدي وفي جسد كلّ عربي. تحترق كلّ شعرة في جسمي مع حريق البوعزيزي: ومن لا يحترق مع البوعزيزي في العالم العربي؟ نار البوعزيزي تمتدّ إلى عمق الجلد وتذيب العظام، وتسبب غلياناً في الدم. كيف لا تحترق مع البوعزيزي وهو الذي كسر أوّل قيد في أيدينا؟ كيف لا تحترق وهو الذي ترك وراءه جثّة محترقة متفحّمة؟ تحترق أجساد البوعزيزي في كلّ بلد عربي، ولا تتوقّف عن الاحتراق لمجرّد مغادرة الطاغية السلطة. الاحتراق كان جزءاً من عمليّة الثورة التي اجتاحت العالم العربي، ولم تتوقّف بالرغم من الثورة المضادة الحاليّة. لكن نيران البوعزيزي يجب أن تقترب من القصور: لأنّ الثورة السياسيّة والاجتماعيّة لا تكتمل من دون حريق القصور أينما كانت.

ملاحظة: يعتذر الكاتب لغيابه عن القرّاء قبل أسبوعيْن لأسباب خارجة كليّاً عن إرادته

* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)