وصل بشارة مدينة صور الساحلية وهو شاحب ومحموم في أيّار ١٩٤٨. التحق بزوجته وأولاده الذين كانوا قد هجروا عكّا قبله بقليل، إلى كنف عائلة زوجته الصوريّة. وصل بشارة من عكّا وهو شبه محتضر، بعدما سمّمت العصابات اليهوديّة قناة المياه التي تغذّي المدينة، فتفشّت إصابات التيفوئيد بين أهل المدينة والبريطانيين. جيء له بطبيب من صور، ما لبث أن زجره، و«دشّره» طبيب بيروت الموفد إلى الجنوب على عجل، بعدما تدهورت حالة بشارة على الأرجح. وقد سهرت عليه ممرّضة من جزّين تحقن جسده الواهن بالمضادّات بانتظام، مراقِبةً وضعه الصحّي، ومُرَاقَبَة هي الأخرى من مراهقي العائلة الذين هبطت بينهم فجأة صبيّة مشاركة إياهم السكن والمأكل، بينما كانت أخوات بشارة، وهو الذكر الوحيد والأحدث سنّاً بين سبع إناث، يتضرّعن إلى الله، ويعقدن النذور بزيارة مقام سيّدة مغدوشة وقطع بعض من المسافة التي تفصلهن عنه زحفاً على ركابهن، بحال تماثل شقيقهن إلى الشفاء من الوباء القاتل.


تعافى بشارة من التيفوئيد بعد ستة أشهر، وبقيت العائلة، في السنوات الأولى من نزوحها القصريّ، في صور، على أمل العودة إلى فلسطين قريباً، حيث محلّ بشارة لبيع الأحذية في ساحة عبّود في عكّا القديمة، والمنزل الواقع خارج السور في العمارات، وسينما الأهلي التي كان «يضمنها» مع شريك له، آنذاك. وكان ابنه البكر، وأخوه الذي يصغره بسنتين تقريباً، وهما على حافة المراهقة، يتسلّلان إلى السينما خلسةً بعد المدرسة ليشاهدا أحدث ما أنتجت السينما المصريّة، فيحفظا نتفاً من الحوارات، ويعيدا تمثيلها في الحارة.
في يوم من أيّام تشرين ١٩٥٨، وقد مرّ عقد على إقامة العائلة اللبنانيّة، وسبع سنوات على الانتقال إلى بيروت، خرج الشابّان المولعان بالأفلام، وقد أصبحا في أوائل العشرينيّات، من صالة السينما ليجدا ساحة البرج في حالة غليان. وسبب الغليان جثّة مدموغة بصليب، مرميّة قرب أحد المساجد، قيل إنّ عناصر من الكتائب قد رموها هناك بعد القتل والدمغ، ولم تمض حينها على ولاية الرئيس فؤاد شهاب إلّا أيّام، هو الذي رفع شعار «لا غالب و لا مغلوب»، لطيّ «أحداث ١٩٥٨». أوقف الشابان سيّارة أجرة على عجل للتوجّه ناحية المنزل في منطقة المزرعة. لم يمض على الانطلاق أكثر من دقائق معدودة حتّى ركن السائق سيّارته في أحد أزقّة الباشورة، متوّجهاً إلى أحد شبّان الحيّ بالقول: «جئت لكم باثنين مسيحيّين». خطف الشابّين قبضاي من الباشورة، في ردّ فعل أوليّ على القتل الطائفي وأفرج عنهما بعد بضع ساعات، إثر «اتصالات» و«مساعي تهدئة»، وما إلى هنالك من مصطلحات «سحب فتيل الفتنة الطائفيّة».
فبعد عقد على نكبتهما الفلسطينيّة، ابتلعت الطاحونة الطائفيّة الشابّين، فيما تبرّع قبضايات الباشورة بإقامة مراسيم المعموديّة اللبنانيّة. وتتالت «الحوادث»، وتشظّت العائلة، فأمسى الشتات الفلسطيني الأوّل شتاتاً مضاعفاً، بعدما فعلت الحروب اللبنانيّة فعلها. فتوزّع أبناء بشارة وأحفاده بين أميركا الشماليّة والخليج وأوروبا، ومناطق مختلفة من لبنان.
ها أنا الآن في برلين يا بشارة، أمشي على أرصفة المدينة المسكونة بتاريخها النازيّ. تلك الأرصفة المزروعة بمربعات نحاسيّة صغيرة، حُفرت عليها أسماء وتواريخ ولادات سكّان تلك المدينة وموتهم، ومعسكرات الاعتقال الجماعيّة التي اقتيدوا إليها. أمّا أنّا ـــــ كاتارينا، فتروي قصّة جدّها الذي خدم في الجيش الألماني، وقد سكنه وأرّقه هاجس الغفران: «هل من يغفر لي أفعالي في تلك الحياة والآخرة؟»، ردّد الجنديّ السابق والموسيقيّ قبل أن يفارق الحياة. وقد بعثت الحفيدة برسالة إلى جدّها، قرأتها له والدتها وهو على فراش الموت، تصفح له فيها عن ماضيه.
أمّا نحن، فقد تحوّل ضحايا البربريّة الحديثة إلى جلّادينا، وغسلت أوروبا عارها، ولا تزال، على أجسادنا وممتلكاتنا وحقولنا. لست أدري ما الذي حلّ بسينما الأهلي، وما إذا كان هنالك من حفيد مستوطن أوروبيّ يستمتع بأفلام تعرض باللغة العبرية على مقاعدها. أمّا متجرك في ساحة عبّود، فقد وصلت رسالة تقول إنّه تحوّل إلى محلّ سمانة، لكنّها تؤكدّ أيضاً أنّ عبارة «أحذية بشارة بردويل»، المنقوشة على حجارة الواجهة لا تزال في مكانها. لمُ يمح اسمك، ثلاثة وستّون عاماً بعد نكبتك ووصولك محموماً إلى شاطئ صور، فالغياب ليس صنو المحو. ونحن «الهنود الفلسطينيّين الحمر»، لسنا متّجهين يا بشارة إلى المتاحف، إنّنا ببساطة عائدون إلى بيوتنا.
* باحث في برنامج الشرق الأوسط في اوروبا ــ برلين