«من أنتم؟»، قال القذافي للمتظاهرين الليبيين قبل أن ينعتَهم بـ«الجرذان» ويُطلِق عليهم ميليشياتِه، فاتحاً على ليبيا، والمنطقة كلِّها، أبوابَ التدخل الأجنبي. لكن هل هو الوحيدُ الذي يفكّر بمنطق أب روماني مستبدّ، يملك حقّ الحياة والموت على «أبنائه»؟ لا، كلّ الحكام العرب يفكّرون بالمنطق ذاته، ومنهم الوزيرُ الأول التونسي، الباجي قايد السبسي. ألم نسمعه يردّ على تصريحات القاضي فرحات الراجحي حول عدم تغيّر نواة الحكم في تونس، واستعدادها للقيام بانقلاب عسكري للاحتفاظ بمواقعها، قائلاً: «عندما دخلتُ معتركَ السياسة في 1956 لم يكن هذا الرجل قد وُلد بعدُ»، أي بعبارة أخرى ما مؤدّاه: «من أنت، حتى تتحدث عن هذه الأمور؟». يؤمن «قائدُ ثورة الفاتح» بأنّه مُخرج ليبيا من العدم، وصانعُ دولتها الحديثة، وأنّه من هذا المنطلق «أحقّ بها» من كلّ الليبيين. ويؤمن قايد السبسي بأنّه أعرفُ من «السذّج» من أمثال الراجحي بما ينفع تونس والتونسيين، لا لشيء سوى أنّه كان أحدَ رفاق الحبيب بورقيبة، «أبي الدولة التونسية الحديثة»، وأنّه، منذ الاستقلال، تقلّب في مناصب رفيعة عديدة (مديرية الأمن ووزارة الدفاع ورئاسة البرلمان، الخ)، عكسَ هذا القاضي الخمسيني الذي لم يدم مرورُه شبه السريالي في وزارة الداخلية أكثر من شهرين (27 يناير/ كانون الثاني ــ 28 مارس/ آذار 2011). الفرقُ بين الحالتين أنّ انتفاضة الليبيين لم تعصف بعدُ بالاستبداد كانتفاضة التونسيين. الفرق بينهما أنّ الوزير الأول التونسي قال ما قاله عن الراجحي قرابة أربعة شهور بعد رحيل بن علي، ناسياً ربّما أنّ هذه الثورة (التي لم يشارك فيها، ولا ترقّب حدوثَها ولا حتى تمنّاه)، فجّرها شبابٌ لم يتقلّدوا أيّ مسؤولية في أيّ حكومة كانت، وأنّها أعادته إلى واجهة السياسة بعدما طواه النسيان ومكّنته من تسيير البلاد في ظرف أقلّ ما يوصف فيه بأنّه مصيري.

وإذا كان قايد السبسي يصول ويجول مهدّداً خصومه، ويتّهم اليسار بإثارة أعمال الشغب، ويطلق يدَ الشرطة على المتظاهرين، ويتيحُ للبوليس السياسي مداهمةَ بيوت الناشطين ومراقبةَ بعض مجموعات الفايسبوك، فما يمكّنه من ذلك تحديداً هو أن لا شيء تغيّر في دائرة الحكم («الحقيقي» لا الصوري) منذ هروب الرئيس التونسي السابق، بالرغم من حلّ التجمع الدستوري الديموقراطي، وتجميد أرصدته ومنع كثير من قيادييه من الترشّح للانتخابات. لا أدلّ على ذلك من أنّ سياسياً مثلَه يترأس اليومَ الحكومة الانتقالية، بعدما ترأس في أوائل التسعينيات برلمانَ بن علي (المنتخب ديموقراطياً كما يعلم الجميع) ومن أنّ رفيقه فؤاد المبزع، أحد أساطين الحزب الرسمي الأسبق، يترأّس الجمهوريةَ بأكملها. أيُعقل أن يقبل الاثنان بنقل السلطة ديموقراطياً إلى الشعب، وألا يحاولا التشبّث ولو بشيء منها، حفاظاً على مصالح بورجوازية سئمت بن علي وعصابتَه، لكنّها تريد «نظاماً جديداً» على مقاسها، لا يحيد عن وجهة الليبرالية و«الشراكة مع أوروبا»؟، نظاماً أغلبيةُ التونسيين فيه لاعب ثانوي (وبالأخص منهم سكان مناطق الداخل كسيدي بوزيد والقصرين). لا، بطبيعة الحال، حتّى إن المسؤولين المنتخبين ديموقراطياً، لا يفرّطون بسهولة بالكرسي، فما بالك ممن لم ينتخبهم أحد.
هل قال الراجحي سوى ذلك؟ هل قال شيئاً سوى أنّ السلطةَ لم تتبدل جوهرياً، وأنّ قيادةَ الجيش، ممثَّلة برئيس الأركان، الجنرال رشيد عمار، جزءٌ لا يتجزأ منها، عكس ما يعتقد بعض «غير السذج»؟ لم يقل غير ما يعتقدُه كثير من التونسيين، فأُقيمت عليه الدنيا ولم تُقعد. اتّهمه قايد السبسي بـ«الكذب» و«انعدام روح المسؤولية»، وأعلنت المؤسسةُ العسكرية عزمَها على ملاحقته أمام العدالة، وبدأت بالفعل إجراءاتُ رفع الحصانة القضائية عنه. ربّما كان الرجل «قليل التجربة»، لكن أليس لمن لم يُكتب له أن يكون وزيرَ دفاع بورقيبة أو وزيرَ داخليّته الحقُّ في التعبير عن آرائه في «تونس الجديدة»؟ يُعاب عليه أنّه لم يُقدّر «وضعَ البلد الحرج»، وأنّ كلامَه أدّى إلى حدوث اضطرابات فيها، لكن هل كان الأمنُ والاستقرار يعمّان ربوعَها قبل أن يتكلّم؟ تُعاب عليه «سذاجته»، لكنّ الحقيقةَ أنّه لا يشتغل بالسياسة كما يشتغل بها المحترفون ممّن يتلوّنون بتلوّن الأوضاع، فيستوزرون لبورقيبة، ويترأسون برلمان بن علي، ويقودون الحكومةَ التي تكونت بعد فراره.
ما لا يطيقُه قايد السبسي وغيرُه من رموز بورقيبة الذين قبلوا التعامل مع بن علي، ليس كلامَ الراجحي بل مجرّد إمكان أن يقال وهم في السلطة. ما لا يطيقونه هو بروز جيل جديد من السياسيين غير المحترفين، ممن تملأهم سذاجةُ الأمل في تغيير حقيقي، وأن يُؤذِنَ صعودُه بانتهاء دورهم كآباء قسريين للتونسيين، لا يزالون بعد الثورة يتكلمون كما لو كانوا أسيادَ البلاد الأبديين.

* صحافي جزائري