انطلقت الحملة الجوية التركية في سوريا والعراق تحت ادّعاء أن أنقرة تستهدف، في آن واحد، «داعش» و»حزب العمال الكردستاني ــ بي كي كي». إلا أن مجريات القصف، حين ندقّق في تفاصيله، تروي قصة مختلفة. بحسب موقع «المونيتور»، فإن الغارات الاستهلالية التركية، بين 24 و26 تموز، قد توزّعت على النحو الآتي: طلعةٌ يتيمة ضد هدفٍ لـ»داعش» قرب الحدود التركية (لا نعرف إن كانت قد أدّت إلى خسائر)، مقابل إرسال أسرابٍ تضمّ 75 مقاتلة تركية قصفت، على ثلاث موجات، مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق بأكثر من 300 قنبلة ذكية، موجهة ضد 400 هدف.


هذا النمط مستمرٌّ حتى إشعار آخر، إذ أُعلن، يوم الخميس، أن تشكيلاً من ثلاثين قاذفة تركية قد ضرب مواقع حزب العمال في العراق. كذلك فإن الاعتقالات الجماعية للمتهمين بـ»الارهاب» داخل تركيا قد طالت، حتى اليوم، 137 متهماً بالعمل مع «داعش» مقابل أكثر من 847 تركياً اعتقلوا لارتباطات مزعومة بـ»حزب العمال».
من الواضح إذاً أن الحرب التركية هي، أساساً، ضد الأكراد وليست ضد «داعش» (الذي لم يطلق ردّ فعل رسمياً ضد أنقرة، ولا أعلن الحرب عليها). وهي لم تنطلق بسبب تمدّد تنظيم «الدولة»، بل خوفاً من أن ترث «وحدات حماية الشعب» في سوريا مناطق نفوذه ــ خاصة في ريف حلب الشمالي الشرقي ــ وتصل «كانتون» كوباني بـ»كانتون» عفرين، مهددة بإنشاء منطقة «إدارة ذاتية» كردية على طول الحدود التركية.
مرّت علاقة تركيا مع مواطنيها الأكراد بعدة أطوار، ودارت دورة كاملة حتى رجع الطرفان ــ الحكومة التركية والحركة القومية الكردية ــ الى حالة الحرب المفتوحة. حتى التسعينيات، كانت الايديولوجيا الجمهورية تقوم على فكرة الإلحاق القسري للأكراد بالأمة التركية، بوصفهم «أتراك الجبل» الذين أنستهم البداوة، ومرور الزمن، أصلهم الطوراني. ومع محاولات تركيا الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، انتقلت الحكومة الى نموذج الاعتراف بالأقليات و»الاحتفاء» بها، سعياً الى دمجها في النسيج الوطني بدلاً من قتالها. وصعدت، وقتها، نظرية تفيد بأن حزب العمال يخاف من إعطاء الاكراد حقوقهم الثقافية؛ فهم، إن وجدوا أنفسهم مواطنين يتمتعون بالمساواة في تركيا، لن يعود لديهم حافز لدعم الحركة الراديكالية الكردية ونزعاتها الاستقلالية.
أمّا اليوم، فإنّ القيادة التركية تعود الى خيار الحرب، بعد أن صار الأكراد ــ الذين كانوا، في مرحلة سابقة، يخشون الاعلان عن هويتهم ــ يسلبون الحزب الحاكم أغلبيته البرلمانية في الانتخابات. وبدلاً من أن تذوي الحركة الكردية المسلّحة، صار حزب العمال (وإن باسمٍ آخر) يؤسّس لمنطقة نفوذ عسكري تجاور الجنوب التركي (وهو، بالتأكيد، كابوسٌ لم يكن في حسبان أنقرة حين دعمت إشعال الحرب في سوريا).
المشكلة هي أنّ الخطّة التركية لتصدير الحرب على حزب العمال الى الخارج، واستثمارها داخلياً في السياسة، ستنفّذ بأيدٍ عربية. تقول التقارير إن أنقرة تطمح إلى إحلال مجموعات إسلامية سورية قريبة لها (كـ»أحرار الشام» وغيرها) في المناطق التي تخليها «داعش»، بحيث تصير هذه المجموعات ــ وبدعمٍ تركي ــ حاجزاً مسلحاً بين الكانتونات الكردية. السؤال هنا: إن كانت التجربة التركية قد عجزت عن إنتاج صيغة تعايشٍ مع الأكراد، وعادت لتعاملهم بالنار، عبر سلاح جوّها ومرتزقتها في دول الجوار، فهل في مصلحتنا، كعرب، أن نشارك في هذا النهج وأن ندفع ثمنه؟
الحرب في سوريا قد فتحت الباب على توتّرات عرقية وطائفية متزايدة، وكلّ فئة تنظر الى الأخرى على أنها تهديد أو منافس أو مزاحم. هنا، أمامنا خياران: إمّا أن تصير بلادنا وتناقضاتها ساحة حربٍ دائمة للأعداء، يصرّفون فيها حساباتهم، ويخوضون عليها معاركهم، ونرث نحن العداوات والثارات المتراكمة، أو أن نخرج من هذه المأساة بصيغة جديدة للتعايش بين أهل هذه الأرض، لا يُقصى منها إلا من يرفضه. علاقتنا مع الأكراد، في هذا الإطار وفي هذا الوقت، هي الاختبار الأهمّ.