وصلت نسبة القتل في العراق المحتلّ خلال الشهر الماضي إلى أعلى مستوياتها منذ بداية عام 2009. من يغرق في الأرقام المتناقضة الموجودة في الإعلام يصل إلى التعداد الأكثر احتمالاً وهو 262 قتيلاً و598 جريحاً. نسبة هائلة من القتل في بلد يصل عدد سكانه إلى 28 مليون نسمة ونيف. ولمن يريد المقارنة، فإنّ ذلك يعادل في بلد مثل لبنان وقوع حوالى 47 قتيلاً و 108 جرحى شهرياً.

إنّ الاعتقاد بأنّ أحداثاً دمويةً كهذه ستثير انتباه الإعلام العربي والدولي، يقابله واقع أنّ التفجيرات في العراق طبّعت مزاج معظم الرأي العام العربي، فأصبح خبر «انفجار قنبلة في وسط بغداد وقتل العشرات» يبدو للكثيرين كأنّه خبرٌ «طبيعي» في المشهد العراقي إلى درجة العضوية، حتى إنّ ذلك لم يعد يثير إجمالاً أكثر من شفقة تختلط بقَدَرية مستسلمة لما يحصل. وقد أسهم انشغال المواطن العربي هذه الأيام بمتابعة الثورات العربية، التي يؤمل لها أن تودي بالديكتاتوريين العرب واحداً تلو الآخر، في إبعاد «الثورة العراقية الكبرى» عن مركز الجذب الإعلامي المرئي، ولو أنّها حاضرة كأخواتها العربيّات على «فايسبوك» ــــ نخصّ بالذكر هنا مجموعة «الثورة العراقية الكبرى» لتتبع ما يحصل ــــ إلّا أنّه يجب القول، بالمقابل، إنّ جزءاً كبيراً من ذلك التعتيم الإعلامي الحاصل يرجع أوّلاً وأخيراً إلى ألوان المطاردة والقتل التي يتعرّض لها الصحافيون ومؤسساتهم في العراق المحتلّ.
من المؤكّد أنّ هناك «غياباً شبه تام لحرّية الصحافة» في العراق المحتلّ «الجديد». هذا ما عنونه حرفياً التقرير الصادر حديثاً عن «مرصد الحريات الصحفية» في العراق الذي غطّى الفترة الواقعة ما بين 3 أيار 2001 و3 أيار 2011 (http://www.jfoiraq.org).
ويغطي التقرير التهديدات التي يتعرّض لها الصحافيّون، من الاعتداءات بالضرب والاعتقال والاحتجاز حتى القتل. كذلك يكشف التقرير المذكور أن أعداد الانتهاكات تصاعدت بنسبة 55% عن العام الماضي، بينها 12 حالة قتل لصحافيين، بينهم الشاب سردشت عثمان الذي «كتب مقالاً ساخراً نشره على الإنترنت بعنوان «أنا أحب ابنة برزاني»، متخيّلاً ارتقاءه من طبقته وسدّ حاجات أسرته الفقيرة عبر الزواج المفترض من إحدى بنات برزاني». اختُطف سردشت، ابن الثلاثة والعشرين ربيعاً، من أمام مدخل جامعة «أربيل»، ليتلقى رصاصة في الفم، حسب أحد الشهود العيان، كرسالة لها مدلولاتها الإجرامية لكلّ صحافي يتجرّأ على قول الحقيقة. لقد انتهى به الأمر برصاصتين في الرأس بعد أن انتقد البرزاني والطالباني، الحاكمين بأمرهما في كردستان العراق.
والواقع أنّ قمع الإعلام في العراق المحتلّ له جانبه الميليشيوي أيضاً، من دهم وهجمات مسلّحة تعرّضت لها المؤسسات الإعلامية، كالهجوم الذي نفذه «أكثر من 30 رجلاً مسلّحاً» على «مرصد الحريات الصحفية» في بغداد يوم 23 شباط 2011، وهجوم آخر تعرّضت له قناة الديار في بغداد من قبل «قوات عسكرية تابعة لقيادة عمليات بغداد» التابعة مباشرة لسلطة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي. وفي التقرير أنّه في 20 شباط/ فبراير نفسه، «أضرم مسلّحون، يعتقد أنهم ينتمون إلى الأجهزة الأمنية، النار في مكاتب قناة ناليا في إقليم كردستان، وأحرقوا مكاتبها بالكامل في مدينة السليمانية». رغم الحملات الإعلامية الدولية التي يقوم بها الاحتلال وعملاؤه بشأن «الديموقراطية العراقية الفتية»، فإنّ كلّ ما سبق يبوح برحابة «الديموقراطية» المذكورة، التي لسخرية القدر تُستعمل فيها أساليب قمعية توازي أو تفوق مرحلة حكم صدّام حسين...
وفي خضمّ كل هذا القتل الذي يمارسه الاحتلال الأميركي وعملاؤه في «العملية السياسية» للصحافة والصحافيين، يأتي سفير العراق المحتلّ في لبنان عمر البرزنجي («الأخبار»، 13 نيسان 2011) ليحتجّ على مقالة لي بعنوان «أما الثورة في العراق فهي المقاومة» المنشورة في «الأخبار» بتاريخ 2011/02/25. يستغرب البرزنجي عدم وجود «قانون إعلام لبناني يحكم حرية الصحافة والإعلام» في لبنان. مصدر «الاستغراب» مفهوم هنا، إذا ما علمنا أنّ القانون الرقم 65 الذي أصدره المندوب السامي الأميركي السابق بول بريمر هو الذي لا يزال ينظّم عمل «هيئة الاتصالات والإعلام» التي أسّستها عام 2004 سلطة الاحتلال. حين يكون بول بريمر هو مقياس حرّية الإعلام عند البرزنجي، فلا مشكلة عندها في إغلاق حكومته لقناة «البغدادية» والاستيلاء على معداتها في مختلف أنحاء الوطن العراقي، بسبب تغطيتها لعملية احتجاز الرهائن في كنيسة النجاة في العراق ثم قتلهم، خلال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من السنة الماضية. لقد كان ذلك فتحاً مبيناً للحرّية الإعلامية في العراق «الجديد». ونزيد على ذلك أنّ لائحة الغرامات والرسوم الهائلة للسماح بالبث، التي تصدرها «هيئة الاتصالات والإعلام» بكيدية سياسية على المؤسسات الإعلامية العراقية، والتي تصل أحياناً إلى 800 ألف دولار أميركي، ليست إلّا وجهاً آخر للقمع الذي يمارسه الاحتلال وعملاؤه لإسكات حقيقة ما يحدث في العراق اليوم.
أما بخصوص السيادة العراقية التي يريد لنا السفير أن نصدّق وجودها، فلا يبدو أنّ رئيس وزرائه أو أكثرية الكتل العراقية المشاركة في ما يسمّى «العملية السياسية»، تمانع في تمديد معاهدة «الاحتلال» الأمنية. فقد اقترح المالكي أخيراً الموافقة على تمديد وجود الاحتلال الأميركي إذا ما حازت الاتفاقية موافقة أكثر من 70% من أصوات الكتل. هذا يعني تفاهماً إيرانياً ــــ أميركياً مُبكراً وعملاً حثيثاً على ترتيب الأمر من الآن حتى نهاية السنة، الموعد المرتقب لانسحاب القوات الأميركية من العراق ــــ الذي لن يحصل ــــ حسب المعاهدة الأمنية الموقعة. وللمناسبة، فقد جاء على موقع «الراديو الوطني الرسمي» الأميركي بتاريخ 20 أيار 2011، أنّ وزارة الخارجية الأميركية ستلجأ إلى خيار الزيادة الهائلة لعمل المتعاقدين والمرتزقة تحت سلطتها المباشرة، إذا لم يتسنَّ لها الحصول على تمديد المعاهدة الأمنية للوصول إلى عديد الجيش الأميركي الذي تنوي إبقاءه في العراق، ويبلغ 47000 جندي.
وإذ أشكر هنا السفير العراقي على تنبيهي إلى أنّ آلا طالباني ليست ابنة جلال طالباني، إلّا أنّه تناسى «تصحيح» البحث أكثر بالقول إنّ رئيس جمهورية العراق المحتلّ جلال طالباني ما هو إلّا... عمّ «آلا»! طبعاً ذلك لا يغيّر شيئاً في الطبيعة العائلية الأوليغارشية لحكم آل طالباني في كردستان العراق. أمّا بخصوص تجنّبه الردّ التفصيلي على ما قلته بشأن ما يرتكب في السجون السرّية الخاضعة لسلطة رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، والتي تكلّمت عنها منظمة «هيومن رايتس ووتش»، أو أنّ إيّاد علّاوي ارتُكبت في أيام رئاسته للوزراء مجزرة الفلوجة، واقتصاره على التهويل بأنني قمت بنعت «الحكومة العراقية بأوصاف غير سليمة وغير لائقة» ودعوت إلى «مقاومة الاستعمار» الأميركي في العراق، وهي دعوة تساوي بحسبه معايير المحتلّ المملّة، أيّ «الدعوة إلى الإرهاب»، فإنّ ذلك ليس إلّا إدانة أخلاقية وسياسية أشدّ له ولحكومته. وللمناسبة، فإني بالطبع أدعو بصراحة إلى مقاومة الاحتلال الأميركي بكل الوسائل الممكنة، والكفّ عن التدخّل الإيراني في الشؤون الداخلية للعراق، كالكثيرين غيري في داخل العراق وخارجه اليوم. وأنا هنا لم أستغرب هذا التهويل الذي يبديه السفير لكاتب مقال في جريدة، إذا ما عرفنا ضيق مساحة الحرية الصحافية في العراق المحتلّ اليوم. فمنذ أن بدأ الاحتلال الأميركي عام 2003، بلغ عدد الصحافيين الذين قتلوا هناك 367، بينهم 337 صحافياً عراقياً، وذلك حتى تاريخ 14/4/2011، ما جعل العراق أخطر دولة في العالم للعمل الصحافي.
كان الأجدر بالسفير الاهتمام بشؤون اللاجئين العراقيين في لبنان، بدل التفرّغ للتخويف من التعبير الحرّ عن الرأي. ويهمّني هنا التشديد على أنّ الدعوة إلى تحرير العراق بالكامل هي مطلب مشروع لكل أحرار العراق الأبطال والعالم الذين ما زالوا يعارضون الاحتلال وعملاءه. إنّه الحق بالمقاومة بكل أشكالها، الذي تكفله كلّ الأعراف الأخلاقية والإنسانية والحقوق العالمية لحقوق الإنسان. إنّه حقّ لا يريد سفير للبلد المحتلّ نفسه أن يعترف به، ودليل إضافي على النوعية الأخلاقية والسياسية للنخب العراقية التي ينتجها واقع العراق المحتل اليوم. وما الاحتجاجات البطولية والرائعة التي تعمّ العراق اليوم تحت اسم «الثورة العراقية الكبرى»، في الأنبار والموصل والسليمانية وبغداد ونينوى، من أجل دحر الاحتلال وتحسين مستوى المعيشة، رغم كلّ القمع الوحشي والتعتيم الإعلامي الذي يمارس على المحتجين، إلّا دليل إضافي على نبل الشعب العراقي وشجاعته، بمختلف أطيافه وأعراقه، وتشديد أكبر على صحة خيار المقاومة بكل الوسائل الممكنة، تماماً كما قاتلنا الاحتلال الإسرائيلي نحن في لبنان وما زلنا.

* باحث لبناني