لو حاول سيّد تصوير الشخصيات ميخائيل شولوخوف، وجامع مئات الآلاف منها في عمل روائي واحد كـ «الدون الهادئ»، تصوير شخصية حارق الطفل الملاك الشهيد علي الدوابشة السفاح يهودا لاندسبرج، وتصوير شخصية المجرم حارق الطفل الشهيد محمد أبو خضر، الفاشي حاييم بن ديفيد... ولو حاول إرنست همنغواي، صاحب «الشيخ والبحر»، نقل إحساس الجنود الصهاينة وهم يطلقون النار على الطفل الشهيد محمد الدرة في حضن والده...


ولو حاول جنكيز أيتماتوف الربط بين لقطتين للمجرم لاندسبرغ، الأولى وهو يداعب طفله على صدره وكلاهما يلبسان «الكيبا»، والثانية عند بدء حرقه للملاك علي... لما استطاعوا كلهم! لسبب بسيط: أن من الصعوبة على مطلق روائي، نقل إحساسات الوحوش الكاسرة! ربما يتخيل الروائي ذلك لكنه لن يستطيع نقل إحساس المتوحشين بدقة.
بالأمس محمد أبو خضير... واليوم علي الدوابشة، وهو الطفل الجميل كالبدر... سلبوه أجمل ما وهبه الله به... الحياة! فاشية جديدة مطوّرة هذه التي تعتنقها إسرائيل وفاشيّوها المستوطنون الذين يطبقون أساليبها في التفنن بقتل الأحياء، حتى الأطفال لا يتوانون عن ممارستها بحقهم! لقد أعلن النائب العام الفلسطيني (في الضفة الغربية) من قبل أن تشريح جثمان الشهيد الفتى محمد أبو خضير من القدس الشرقية الذي خطفه المستوطنون الإسرائيليون وقتلوه بطريقة وحشية بشعة، أظهر أنهم سكبوا البنزين في فمه وعلى جسمه وأشعلوا النار التي التهمته حتى لم يتبق من جثمانه سوى أجزاء محروقة قليلة لم تملأ كيساً صغيراً حتى. لقد أثبت التشريح وجود مادة «الشحبار» في منطقة البلعوم والرئتين، الأمر الذي يدّل على أن عملية حرقه أجريت وهو على قيد الحياة. كما أظهر التشريح أن الحروق تغطي 90% من سطح الجسم، وأن منطقة الرأس تعرضت لإصابة «بجروح رضيّة» ونتيجة فحص العينات والمسحات من سوائل وأنسجة الجسم مخبرياً، أُثبت بما لا يقبل الشك أن إصابات الرأس تدل على أنه تم تعذيبه بعصي أو بأعقاب بنادق يحملها الفاعلون قبل حرقه. اليوم يحرقون رضيعاً ويصيبون أهله. لا نستغرب الفاشية الصهيونية هذه، فالحاخامات في دولة الكيان ليسوا استثناء من غالبية الشارع الإسرائيلي الذي تقوده عصابات ليست أكثر من قُطّاع طرق (بل تفوقت الصهيونية عليهم في وسائلها). تعاليم الحاخامات في المدارس الدينية: «يجوز قتل العربي حتى الطفل من العرب»، وشعار «العرب ليسوا أكثر من صراصير وأفاعي»، وشعار «العربي الجيد هو العربي الميت».


الفاشية مدرسة واحدة،
لكن الصهيونية طوّرت أساليبها وهذا ما نراه يومياً

إلى غير ذلك من التعاليم الحاقدة العنصرية التي تُفتي بأن «كل الأغيار - غير اليهود - ليسوا أكثر من عبيد يتوجب أن يكونوا عبيداً لليهود». لا نستغرب هذا الفعل الشنيع والمخُزي من رجال دين مارست حكوماتهم المتعاقبة مذابح لا تُعدّ ولا تُحصى بحق الفلسطينيين والعرب والإنسانية جمعاء! لا نستغرب هذه الجريمة النكراء من حاخامات تتلمذوا على يدي الحاقد مائير كاهانا وبن غوريون وغولدا مائير ونتنياهو ورابين وبيريز وغيرهم. ومن قبل على يدي كل من هرتزل وجابوتينسكي. لا نستغرب هذا الإجرام الذي يُمارس إسرائيلياً، حكومةً وشارعاً ومستوطنين وجيش وحاخامات. لا نستغرب ذلك من شارع يتحول بتسارعٍ حاد إلى التطرف والحقد على العرب بمن فيهم الفلسطينيون. لا نستغرب ذلك من دولة تربّي أجيالها المتعاقبة على ثقافة الكراهية من الفلسطينيين والعرب. هذه هي حقيقة إسرائيل... التعبير العضوي عن الصهيونية.
الإسرائيليون جميعهم عندما يمارسون القتل ضد الفلسطينيين والعرب، فإنهم يدركون أنهم لن ينالوا عقاباً من المحاكم في دولتهم العنصرية. لقد حكمت المحكمة الإسرائيلية على الضابط المسؤول (شيدمي) عن مذبحة دير ياسين بالغرامة «عشرة أغورات»! إنها تساوي قرشاً واحداً. أما من أحرق الأقصى ومن قام بالمجزرة في الحرم الإبراهيمي في الخليل، فهما «مختلاّن عقلياً» لذا لن يُحاكما. الجنود أو المستوطنون الذين يقتلون فلسطينيين عن سابق إصرار وترصد (كما حصل في الانتفاضتين الأولى والثانية وكما يحصل حالياً) يحاكمون وتصدر عليهم أحكام بالسجن بضعة أشهر يقضونها في ما يسمى «سجوناً خاصة» هي أقرب إلى فنادق ذات خمس نجوم منها إلى سجونٍ عقابية. يخرجون من السجن متى يشاؤون، ويجرى الإفراج عنهم بعد قضائهم في السجن (الفندق) بضعة أيام. هذا لا نقوله نحن فقط بل منظمات حقوق الإنسان ومنها منظمة الدفاع عن حقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة»، ولها تقارير مثبتة على هذا الصعيد. لقد برّء القضاء الإسرائيلي سائق الجرّار الذي قتل عن عمد الناشطة الأميركية ريتشيل كوري عندما قام بدهسها بأوامر من جيش الاحتلال عندما كانت تقف أمام بيت فلسطيني أراد الإسرائيليون هدمه. اعتقدت هذه الفتاة أن الإسرائيليين لن يقوموا بقتلها! هذه هي «العدالة» الإسرائيلية، هذا هو القضاء الصهيوني و»استقلاليته» المزعومة. هذه هي «الديموقراطية» الإسرائيلية، وهؤلاء هم «حاخامات» هذه الدولة؟!
لم يكتف الإسرائيليون بحرق الطفلين الفلسطينيين محمد أبو خضير وعلي الدوابشة وإصابات أهل الأخير بحروق قاتلة، وتعذيب الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات الفاشية المتطورة بل قامت باعتقال أقاربهما، الطفل طارق أبو خضير (15 سنة)، عذبوه بالنبادق والبساطير والعصي إلى الحد الذي شوّهوا فيه وجهه وبدنه، وصورته بعد التعذيب جرى نشرها في كل الوسائل الإعلامية. عذّبوه إلى الحد الذي كان واضحاً جداً عليه. الفتى أرغم الولايات المتحدة (فهو وأهله يحملون الجنسية الأميركية) على الإعراب عن قلقها العميق حيال تعرض طفل فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية إلى «الضرب المبرح». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي حينها (السبت 5 من يوليو 2014): «إن الفتى طارق هو مواطن أميركي تحتجزه السلطات الإسرائيلية في القدس، وقد زاره مسؤول من القنصلية الأميركية، وإننا منزعجون من التقارير التي تقول بأنه قد عُذّب بشدة من قبل الشرطة الإسرائيلية». المتحدثة الأميركية حاولت التخفيف من عملية التعذيب واعتبرتها «استخداماً مفرطاً للقوة». وغضّت الطرف عن رؤية الجريمة على حقيقيتها، وتناست كل الجرائم التي ارتكبتها ولا تزال ترتكبها إسرائيل ضد عامة شعبنا. إنها نظرة حولاء وسياسة الكيل بمكيالين.
شعبنا لم تُضعف الجرائم الصهيونية من عزيمته على مقاومة الاحتلال، قام ويقوم بهبّة كبيرة في القدس وفي أنحاء كثيرة من الضفة الغربية وفي قطاع غزة المحاصَر للعام الثامن على التوالي. امتدّت الهبات الشعبية إلى الفلسطينيين في الشتات وإلى الأمة العربية وإلى عواصم ومدن في دول كثيرة على الصعيد العالمي استنكاراً للجرائم الصهيونية وتأييداً لنضال شعبنا العادل من أجل حقوقه المشروعة العادلة. لقد انتقلت الهبّة إلى أهلنا داخل ما يسمى بالخط الأخضر (المنطقة المحتلة عام 1948) وقد قام أهلنا هناك بنشاطات واسعة. هذا ما أزعج ويُزعج إسرائيل الذين تعتبرهم مواطنين ولكن من درجة عاشرة. هذا يثبت وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. الفاشية مدرسة واحدة لكن الصهيونية طوّرت من أساليبها وهذا ما نراه يومياً من جرائم يرتكبها الكيان بحق أهلنا وشعبنا وأمتنا. الرحمة للشهيد محمد أبو خضير وللشهيد الطفل الملاك علي الدوابشة والصحة للجرحى المصابين والنصر لشعبنا في مقاومته. العار والخزي للكيان ومستوطنيه الفاشيين المجرمين... وبالفعل آن الأوان لمعاقبة هذه الفاشية المتطورة، فلا يجوز التغاضي عنها. من الخطأ تماماً الفصل ما بين المستوطنين وحكومتهم وكيانهم... فكلهم مجرمون. المستوطنون يقترفون جرائمهم على مسمع ومرأى من قوات الاحتلال وباتفاق معها! ليس هناك من فرق بين صهيوني وآخر! من جابوتنسكي مروراً بنتنياهو وصولاً إلى أصغر مستوطن! نعم لم يكن ليجرؤ المستوطنون وكيانهم الغاصب (ووجوده بحد ذاته أكبر جريمة) على ارتكاب وحشيتهم التي تتبرأ الحيوانات الكاسرة منها لولا السكوت الرسمي من العديد من حكومات النظام الرسمي العربي على الجرائم الصهيونية، إنه السكوت على الجريمة والمجرم!
إن الحكم على شدمي كان غرامة قرش واحد! مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي مختل نفسياً، وكذلك حارق منبر الأقصى الذي جرى تسفيره إلى بلده أوستراليا معززاً مكرماً! بدأ تسريب الأنباء منذ فترة عن أن قاتل أبو خضير معتل نفسياً! وكل هؤلاء لا تجوز محاكمتهم... ملخص القول أن حرق طفل فلسطيني عربي لن يكلف قاتله الصهيوني ــ اليهودي سوى قرش واحد!
* كاتب فلسطيني