وقع في مطعم أركانة في مدينة مراكش تفجير قبيل وقت الغداء في 28 نيسان الماضي. يقع المطعم في قلب ساحة جامع الفنا. هذه الساحة هي فضاء مفتوح طيلة السنة، 24 ساعة على 24، تحيط به عربات محملة بالتمر واللوز والزبيب والعصائر، وفي وسطه مطاعم في الهواء الطلق، وحولها حلقات الحكواتية والبهلوانيين ومدربي الأفاعي والحمير والحمام والفئران... تمتلئ الساحة من المساء حتى الفجر، يأتي الناس للفرجة على مهرج يقول للحمار قف فيقف. يقول له مت فيتمدد على الأرض... يأتون لتناول «الطنجية»، وهي وجبة دسمة تعد من اللحم الذي يوضع في «قلّة» تدفن لمدة 24 ساعة لتنضج في الرماد وفوقها النار على مهل... يستمعون للعرافات يقرأن المستقبل في الورق والأكف والفناجين، يتفرجون على أشكال الطبخ المغربي ويرقصون مع الفرق الموسيقية الشعبية التي يلبس فيها الرجال ثياب النساء ويضعون النقاب ليرقصوا دون أن يعرفوا...

صنفت هذا الفضاء الفريد منظمة اليونسكو تراثاً عالمياً، وكتب عنه الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو بعشق، وحاولت دول عدّة تقليده دون جدوى. استهدفت ذلك الفضاء الساحر قنبلة غادرة. فضاء يطل عليه مطعم ومقهى من طبقتين بقاعات مكيفة، أرضية ملساء، مرايا تعكس الأشياء إلى ما لا نهاية... سياح بملابسهم الداخلية يدخلون ويخرجون وخليط من اللغات. هذا هو المقهى الذي فجّروه، وقتل فيه 17 شخصاً من سبع جنسيات، منهم ثمانية فرنسيين. جرى التفجير عن بعد، وليس بواسطة انتحاري، وهذا تطوّر ميداني قد يعكس تقدماً تقنياً وتغيّراً عقائدياً ترتب عنه تراجع استعداد الأجساد الموقوتة للانتحاريين.
كانت تلك هي الضربة الأولى صباح الخميس. في المساء، اعتقل رشيد نيني، أهم صحافيي المغرب، وهو يدير الجريدة الأولى في البلاد. جريدة تغطي تمويلها من مبيعاتها وتزيد، وهي ظاهرة إعلامية صالحت الكثيرين مع الصحف. وميزة نيني أنّه الناطق باسم التيار المركزي المحافظ في المجتمع المغربي، وهو يحظى بتعاطف شعبي كبير، بخلاف الصحافيين المشاغبين الذين تعرضوا للمضايقات وهاجروا، مثل علي المرابط وأبو بكر الجامعي ورضى بنشمسي.
لم تبدأ مشاكل نيني مع السلطة اليوم، ففي مقال له في جريدة الصباح في 18شباط 2006، كتب: «كثيرون يعتقدون أنّنا نحن الصحافيين ننفخ في قربة مقطوعة عندما نكتب كلّ صباح منتقدين الأوضاع الكارثية التي آلت إليها بعض القطاعات... لو جئت لكي أعدد لكم كل الأشياء السيئة التي كتبنا عنها وحصل التدخل لإصلاحها لمكثت شهراً...». وختم «هذا الصوت الجارح الأشبه بالاستغاثة يجب أن يصل إلى مول الشي. فأملنا في الله وفيه كبير»، ويقصد بمول الشي الملك محمد السادس.
حين واجه نيني أولى مشاكله مع الجريدة المشغلة، تلقّى رسالة من مهاجر مغربي مقيم في كندا نصحه فيها «ألّا يعرض حياته للخطر من أجل شعب فقد البوصلة». وأكد المهاجر المحظوظ «الكتابة لن تغيّر شيئاً في المغرب... أنصحك أن تأتي لأميركا الشمالية ومستقبلك مضمون».
نشر نيني نص الرسالة في عموده «شوف تشوف» بجريدة الصباح في 7 كانون الاول 2006، وردّ على صاحبها قائلاً: «لا يمكن أن يهاجر الجميع، ولا بدّ من بقاء من يحرس الأمل في هذا البلد».
ترك نيني تلك الجريدة بسبب مقال له عن عدم استقلال القضاء، وأسس جريدته الخاصة. والآن، هو في السجن يطلب من القاضي اعتقال كتائب الفساد، وليس الأقلام التي تشير إلى المفسدين. لكنّ القاضي لا يعلم بوجود الفساد.
غطى حدث الإرهاب على خبر الاعتقال، وبدأ البحث عن المتهمين، ثم تمكنت الشرطة من اعتقال المشتبه فيه الرئيسي. وقد سبق طرد المشتبه من ليبيا وهو في طريقه إلى العراق، وطرد من البرتغال وهو في طريقه إلى الشيشان. كذلك حاول الهجرة سراً، واعتقل وقضى سنتين سجناً. لو تركته الأجهزة الأمنية يهاجر في سبيل الله، لكان انفجر في أفغانستان. لما بقي وقرر أن ينفذ في المغرب.
اعتقل ثلاثة أشخاص حتى الآن، بخلاف الحملة التي جرت بعد تفجير مطعم دار إسبانيا في الدار البيضاء في 2003. حينها اعتقل مئات السلفيين، وتعرّض الكثير منهم للتعذيب.
هذا ما ركز عليه الصحافي رشيد نيني في مقالاته الأخيرة، وتسبب في اعتقاله، وقد طالب بإلغاء قانون الإرهاب.
بالنظر للظروف الحالية، ليس من الضروري إلغاء قانون مكافحة الإرهاب، لأنّ الإرهاب موجود، وتهديدات الانتقام بعد مقتل بن لادن تتزايد. لكن المطلوب هو تطبيق القانون واحترام السلامة البدنية للمعتقلين، وغير مسموح خرقه من الأجهزة الأمنية بدعوى أنّها تحمي سلامة المواطنين.
يعتمد هذا الادعاء على مبدأ المعاملة بالمثل، أي أنّه ما دام المتهم بالإرهاب يستبيح السلامة البدنية لأفراد المجتمع، فإنّه بالمقابل ستستبيحه الشرطة. العين بالعين.
تنبع هذه المعادلة من منطق شخصي انتقامي، ولا تتناسب مع دولة الحق والقانون التي تطالب بها القوى الحيّة في المجتمع. فالإرهابي المحتمل هو مواطن أيضاًَ. تلك القوى هي التي أربكها تفجير مطعم أركانة، لذا على شيوخ السلفية أن يساعدوها بأن يعلنوا أنّ السلامة البدنية لمخالفيهم خط أحمر.
دون هذا فإنّ حجج المطالبين بتليين التحقيقات لن تسمع، وكل جريمة ترتكب ستدعم منطق أجهزة الأمن وستعدها دليلاً على صحة موقفها... وكلما زاد الخوف شعر الناس بأنّ الأجهزة الأمنية على حق. لقد ترتب عن الانفجار والاعتقال ضربات كثيرة. الغريب أنّ التفجير والاعتقال حدثا في وقت جد متقارب. ومن باب السلامة سنحمّل مسؤولية تزامن الحدثين للصدفة وحدها، لأنّ الصدفة مثل السر تقبع في قاع البحر، وتحتاج إلى تسونامي لتتجلى على الشاطئ. لكن لا يمنع ذلك حساب الربح والخسارة، فالصدفة أيضاً تخلّف رابحين وخاسرين. من ربح وماذا ربح؟ من خسر وماذا خسر؟
لقد كانت الضربة الاولى لحركة «20 فبراير» الشبابية التي صرفت عنها الأنظار. الضربة الثانية للأقلام الحرة التي ستزيد من الرقابة الذاتية. فإذا كانت السلطة قد اعتقلت صحافياً يصنفه خصومه بأنّه موال لجناح في السلطة، فإنّ الصحافيين المستقلّين، الذين لا يملكون تغطية سياسية، سيكونون عرضة سهلة للمتابعة.
لماذا نعدّ الخسائر؟ من يسكر لا يعدّ الأقداح.
كذلك وُجهت ضربة للسياح الشباب الذين قتلوا في المطعم، وجلّهم متزوجون حديثاً، وهذا ما خلف حالة عاطفية شديدة من التضامن مع الضحايا. وهي ضربة للسياحة، إذ ألغى 15 ألف سائح خططهم للسفر إلى المغرب بعد تفجير مراكش.
وهي ضربة لعيد العمال الذي مرّ بارداً، وقد كان للتفجير والاعتقال والأمطار مجتمعة، دور في ذلك. تحالفت الطبيعة مع الإرهاب ضد التغيير.
كذلك هي ضربة للمزاج التعبوي الذي كان سائداً بين الشباب. تبددت الحماسة وسيطر مزاج عكر. وقد تلقى السياسيون رسالة قوية، مفادها أنّ من الخطر شغل الشرطة بالاحتجاجات بينما مهمتها حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب.
بعد الانفجار في مراكش، غيّرت قوات الأمن طريقة تعاملها مع الاحتجاجات، فصارت تضرب.
من ربح؟ في مقال سابق تساءلت «ماذا عن مستقبل لصوصنا؟». واضح أنّ مستقبلهم مربح، فاللهم بارك في رزقهم وضاعف أرباحهم وخسائرنا سنوياً. تغيّر السؤال الآن، وأصبح «ماذا عن مستقبل صحافيينا المستقلّين؟».
بعضهم سيقلّل من كتاباته، وكثيرون سيتزايد منسوب الرقابة الذاتية في جماجمهم. ومن علامات ذلك، تحميل مسؤولية ما يجري للصدفة وحدها، وأيضاً التضامن بفم مملوء بالماء مع المعتقل الذي قضى شهراً وراء القضبان. تضامن حذر يخمن تصفية حسابات لاحقة، سواء بالتعرض للعصا أو بالحرمان من الجزرة.
* صحافي مغربي