ما الذي يجعل الأطفالَ اليهودَ أحقّ بالامتيازات التي يغدقها عليهم الرئيس باراك أوباما في خطاباته، إن لم نقل في الإعلام الغربي عامة، بينما يحرم الأطفال العرب إيّاها؟ هل الأطفال اليهود أذكى من الأطفال العرب، هل هم أجمل أو أكثر بياضاً منهم؟ هل يستحق الأطفال اليهود التعاطف والتضامن، الذي يُحظر على الأطفال العرب، لأنّهم أبرياء وغير مدنّسين بآثام آبائهم الذين يسمّون عادةً «بني إسرائيل»؟


أم أنّ الأطفال العرب خطرون ومذنبون ويمثّلون تهديداً، فضلاً عن أنّهم قبيحون وذوو بشرة غامقة، مما يستوجب الرهاب، أو بالأحرى الخوف الغربي، منهم؟
تقترن البراءة في الخطاب السياسي الغربي، الرسمي وغير الرسمي على حدّ سواء، غالباً بالطفولة. وبينما من نافلة القول إنّه منذ انتهاء الاستعمار الأوروبي، كانت الولايات المتحدة وأوروبا، على المستوى الرسمي وغير الرسمي، داعمتين وصديقتين للمشروع الصهيوني الكولونيالي، ومعاديتين للفلسطينيين والعرب في مقاومتهما له، يبقى التوقع قائماً بأنّ على الغرب، الذي يصرّ متنطعاً على «كونية» قيمه، أن يلتزم، على الأقل على المستوى الكلامي، بالمساواة ما بين الأطفال العرب والأطفال اليهود، كضحايا للعنف الذي جلبه الاستعمار الصهيوني والمقاومة المناوئة له إلى المنطقة، لكن التعاطف الوحيد الذي يعرب عنه الغرب يظل موجهاً إلى الأطفال اليهود كرمز للبراءة الصهيونية والإسرائيلية، بينما يستخدم هذا التعاطف أساساً لإدانة العرب المذنبين وأطفالهم المذنبين مثلهم. ولعل التعاطف الوحيد الذي حظي به الأطفال العرب من جانب الغرب كان قبل بضع سنين، عندما شنّت الأجهزة الدعائية الأميركية والإسرائيلية، الرسمية وغير الرسمية، حملة دعائية لإنقاذ هؤلاء الأطفال العرب من ذويهم العرب والفلسطينيين البرابرة، الذين، حسب الزعم الدعائي، درّبوهم على القيام بأفعال عنيفة، أو الذين وضعوهم دون رحمة في قلب الخطر، مضحّين بهم من أجل أهدافهم السياسية العنيفة. فليست إسرائيل من يجب أن تُلام على قتل الأطفال الفلسطينيين، بل ذوو هؤلاء الأطفال القُساة وعديمو العاطفة الذين وضعوا أطفالهم في مسار الرصاص اليهودي الإسرائيلي، مما لم يترك لليهود الإسرائيليين خياراً سوى قتلهم. تلك بالطبع سفسطة إسرائيلية قديمة، تستخدم لتبرير الذبح الإسرائيلي للفلسطينيين. وقد عبّرت غولدا مائير عن طريقة عمل الضمير اليهودي الإسرائيلي تلك بعبارتها الشهيرة قائلة: «نستطيع أن نغفر لكم قتلكم لأولادنا، لكنّنا لن نغفر لكم البتة أنّكم جعلتمونا نقتل أولادكم».
يُستحضر الأطفال اليهود في الخطاب الرسمي للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية للتدليل على براءة إسرائيل، وهو تقليد يتّبعه باراك أوباما بأمانة مطلقة. ففي خطابه في القاهرة في ٤ حزيران/ يونيو ٢٠٠٩، الذي رفض أن يُقرّ فيه بأنّ الأطفال العرب هم ضحايا العنف الإسرائيلي، خاطب أوباما العرب مندداً: «ليس من الشجاعة أو القوة أن تقصفوا أطفالاً نياماً بالصواريخ أو أن تفجّروا نساءً عجائز في حافلات. لا يحظى المرء بالسلطة الأخلاقية بهذه الأفعال، بل بمثل هذه الأفعال يتنازل عنها». وقد كرر هذا الكلام مرة أخرى في خطابه الذي ألقاه أخيراً في ١٩ أيار/ مايو ٢٠١١ بعنوان «رياح التغيير»، معلناً: «لقد ألقى الصراع بين العرب والإسرائيليين بظلاله على المنطقة عقوداً. وما عناه ذلك بالنسبة إلى الإسرائيليين، هو خوفهم من احتمال أن يُفجّر أطفالهم في حافلة، أو أن يقتلوا بصواريخ تَقصف بيوتهم، فضلاً عن شعورهم بالألم لعلمهم بأنّ الأطفال الآخرين في المنطقة يتعلَّمون كراهيتهم». وبعد بضعة أيام، وفي الأسبوع نفسه، عبّر أوباما في خطابه أمام اللجنة الأميركية ـــــ الإسرائيلية للشؤون العامة (آيباك)، في ٢٢ أيار/ مايو ٢٠١١، عن تعاطفه مع الصعوبات التي يواجهها المستعمرون اليهود الإسرائيليون أثناء استيلائهم على أراضي الفلسطينيين: «لقد رأيت بأم عيني صراع البقاء في عيني طفل [يهودي] في الثامنة، فقد ساقه نتيجة صاروخ أطلقته حماس». وأكد أوباما أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، على النقيض (المفترض) من الفلسطينيين والعرب عامة، «يسعيان معاً إلى منطقة تعيش فيها العائلات والأطفال بعيداً عن خطر العنف». وأضاف أوباما مؤيداً ضم إسرائيل واحتلالها غير القانوني للقدس الشرقية: «نحن نعرف أيضاً مدى صعوبة البحث عن الأمن، ولا سيما لوطن صغير كإسرائيل يقطن في جوار خطر. لقد شهدت على ذلك شخصياً. عندما لمست يدي الحائط الغربي [للهيكل اليهودي المزعوم] ووضعت الورقة التي كتبت عليها صلواتي بين أحجارها القديمة، فكرت حينها في القرون الطويلة التي أمضاها بنو إسرائيل يتوقون للعودة إلى وطنهم القديم». وفضلاً عن اقتراض أوباما التعبير الأميركي الأبيض العنصري «جوار خطر» ــــــ وهو تعبير اقترضه نتنياهو قبل أكثر من عقد من الزمن لوصف الشرق الأوسط ـــــ حيث يُطرح العرب على أنّهم «سود عنيفون»، يقطنون المنطقة التي يسكنها اليهود، الذين يقدَّمون على أنهم «بيض مسالمون»، فإنّ دعم أوباما للزعم الإسرائيلي بأنّ القدس الشرقية هي جزء من الوطن اليهودي هو أول اعتراف أميركي رسمي بشرعية احتلال إسرائيل غير القانوني للمدينة.
لكن تركيز أوباما كان ينصب على شيء آخر، ولا سيما على ما عبّر عنه من خوف من الأطفال العرب. وقد عبّر أوباما عن خوفه ذاك لأول مرة في خطابه في ١٩ أيار/ مايو: «إنّ حقيقة الأمر هي أنّ عدداً متزايداً من الفسطينيين يقطنون غرب نهر الأردن». وفي خطابه إلى «إيباك» بعد ثلاثة أيام، في ٢٢ أيار/ مايو، عبّر أوباما عن تخوّفه مرّة أخرى، مؤكداً أنّ «الحقيقة» الأولى، إن لم يكن الخطر الأول، الذي على إسرائيل واليهود والولايات المتحدة مواجهته هو: «هذه هي الحقائق التي علينا جميعاً مواجهتها: أولاً، أنّ أعداد الفلسطينيين القاطنين غرب نهر الأردن يتزايد بسرعة مما يعيد تشكيل الواقع الديموغرافي في إسرائيل والمناطق الفلسطينية على نحو جوهري». وليس ذلك بخوف جديد، فالإسرائيليون ما فتئوا ينظمون مؤتمرات سنوية ويصممون استراتيجيات سياسية وعسكرية للتعامل مع خوفهم هذا من الأطفال الفلسطينيين الذين أطلق عليهم رئيس دولة إسرائيل شمعون بيريز لقب «القنبلة الديموغرافية»، التي يسعى إلى نزع فتيلها. وقد كشفت غولدا مائير، في أوائل السبعينيات، عما يسببه لها التفكير في عدد الفلسطينيين الذين تحمل بهم النساء الفلسطينيات في كلّ ليلة من أرق. وإن كان الأطفال هم المستقبل، يبدو أنّ الأطفال الفلسطينيين هم من ينفون هذا المستقبل، فجوهر الحجة بسيط وواضح: لن يكون لإسرائيل مستقبل إلا بأطفال يهود أكثر وأطفال عرب أقل.
أما حكاية الأطفال العرب، ولا سيما الفلسطينيين منهم، فليست حكاية مأساوية نتيجة العنف الإسرائيلي فحسب، بل نتيجة تجاهلهم المستمر، وتهميشهم المقصود، والتعتيم المتعمد عليهم في الإعلام والخطاب الرسمي في الولايات المتحدة، وفي الغرب عموماً. عندما بدأ الإرهاب الصهيوني باستهداف المدنيين الفلسطينيين في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، كان الأطفال الفلسطينيون هم ضحاياه في حينها. ولعل أشهر تلك العمليات الإرهابية كان تفجير المقاهي الفلسطينية بالقنابل اليدوية (كما جرى في مدينة القدس في ١٧آذار/ مارس ١٩٣٧)، وزرع الألغام الموقوتة كهربائياً في الأسواق الفلسطينية (الذي استخدم ضد الفلسطينيين لأول مرة في مدينة حيفا في ٦ تموز/ يوليو ١٩٣٨). وبينما كان عنف الثلاثينيات هو أول تجربة لشعوب المنطقة مع هذا العنف الإرهابي الفظيع، استهدف الاجتياح الصهيوني في ١٩٤٧/ ١٩٤٨ للمدن والقرى الفلسطينية الأطفال الفلسطينيين عمداً. في كانون أول/ ديسمبر ١٩٤٧، وفي إحدى عمليات جيش الهاغاناه (وهو الجيش الصهيوني قبل إقامة دولة إسرائيل)، التي أصبحت اعتيادية في تلك الفترة، استهدف قرية الخصاص في الجليل، وقتل أربعة أطفال فلسطينيين. وكان ذلك عدداً ضئيلاً من القتلى، مقارنةً بما كان ينتظر الفلسطينيين من مذابح جماعية. ففي قرية الدوايمة، حيث ارتكب الهاغاناه مجزرة مروّعة في تشرين أول/ أكتوبر ١٩٤٨، وصف جندي إسرائيلي المشهد (كما أورد شهادته المؤرخ الإسرائيلي بني موريس) كالتالي: «قتلت الموجة الأولى من الغزاة حوالى80 ـــــ 100 عربي [من الرجال] والنساء والأطفال. أما الأطفال، فقد قتلوهم بتحطيم جماجمهم بالعصي. ولم يبق بيت واحد دون قتلى... أمر أحد القادة أحد الجنود المتخصصين بالمتفجرات بوضع امرأتين عجوزين في أحد البيوت... وتفجير البيت وهما بداخله. رفض الجندي... فأمر القائد رجاله بأن يضعوا المرأتين فيه ومن ثم نُفذ الفعل الشرير. وتفاخر جندي آخر بأنّه اغتصب امرأة، ثم قتلها. واستخدمت امرأة وبصحبتها طفلها الرضيع لتنظيف الساحة حيث كان يأكل الجنود. عملت يوماً أو يومين. وفي النهاية قتلوها هي ورضيعها».
وقد قتل الأطفال الفلسطينيون مع من ذُبح في مجزرة دير ياسين في نيسان/ أبريل ١٩٤٨. ولم يتواصل قتل إسرائيل للأطفال في حروبها على العرب في ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣، ١٩٧٨، ١٩٨٢، ١٩٩٦، ٢٠٠٦، ٢٠٠٨، من خلال قتل آلاف الأطفال بالقصف العشوائي فحسب، بل من خلال مجازر متعمدة أيضاً، كما في قبية في ١٩٥٣ حين لم تُستثنَ حتى المدرسة من تدمير إسرائيل، وفي كفر قاسم في ١٩٥٦، حيث ذبح الجيش الإسرائيلي ٤٦ مدنياً فلسطينياً من مواطني إسرائيل، ٢٣ منهم من الأطفال. واستمر القتل. في نيسان/ أبريل ١٩٧٠، أثناء حرب الاستنزاف مع مصر، قصفت إسرائيل مدرسة ابتدائية في بحر البقر وقتلت ٤٦ تلميذاً من مجموع ١٣٠ كانوا يومها في المدرسة، وجرحت ٥٠، معظمهم بترت أطرافهم. أما المدرسة، فدُمرت بالكامل. ولم توفر المذبحة الأولى التي ارتكبتها إسرائيل في قرية قانا في لبنان في ١٩٩٦ لا طفلاً ولا راشداً، أما المذبحة الثانية في قانا في ٢٠٠٦، فلم تقلّ عنها وحشية. وعدا الكبار، قتلت إسرائيل ١٦ طفلاً في هذه المجزرة.
أما عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الانتفاضة الأولى (١٩٨٧ ـــــ ١٩٩٣) فقط، فقد كان ٢١٣ طفلاً، عدا مئات الأجنّة التي أجهضتها إسرائيل عبر إلقائها قنابل الغاز المسيل للدموع داخل أماكن مغلقة، مستهدفة النساء الفلسطينيات الحوامل، دون ذكر عدد الجرحى. وقد قدّر الفرع السويدي لمنظمة «سايف ذي تشلدرن» (Save the Children) أنّ «ما بين ٢٣٦٠٠ و٢٩٠٠٠ طفل احتاجوا إلى العناية الطبية نتيجة الجراح التي أصيبوا بها من جراء ضرب الجنود لهم في العامين الأوّلين للانتفاضة»، وكان ثلثهم تحت سن العاشرة (في الفترة نفسها قُتل ٥ أطفال يهود إسرائيليين جراء العمليات الفلسطينية). أما في الانتفاضة الثانية (٢٠٠٠ ـــــ ٢٠٠٤)، فقد قتل الجنود الإسرائيليون أكثر من ٥٠٠ طفل فلسطيني، وجرحوا ما يفوق ١٠،٠٠٠ واعتقلوا ٢٢٠٠. أما قتل الطفل الفلسطيني محمد الدرّة المتلفز، فقد هزّ العالم، لكنّه لم يهز اليهود الإسرائيليين، الذين شرعت حكومتهم في اختلاق قصص فظيعة ومجرمة لتبرئة إسرائيل. وفي هجومها على غزة في كانون أول/ ديسمبر ٢٠٠٨، قتلت إسرائيل 1400 فلسطينيّ، من بينهم ٣١٣ طفلاً.
لا يرمي هذا العرض لفظائع إسرائيل إلى مراجعة تاريخها وحاضرها في قتل الأطفال العرب، خلال العقود الستة الماضية وأكثر، وهو تاريخ معروف جيداً عبر العالم العربي، بل ما يرمي إليه هو التدليل على مدى قذارة إشارات أوباما إلى الأطفال اليهود، عندما يصرّ في مخاطبته للعرب على أنّ عليهم أن يظهروا تعاطفهم مع الأطفال اليهود، دون أن يطالب اليهود بإظهار التعاطف مع العدد الأكبر بكثير من الأطفال العرب الذين قتلوهم، لكن أوباما نفسه لا يبدي أي تعاطف مع الأطفال العرب. فلو أنّه حاول أن يظهر بعض الحزن على الأطفال العرب الذين قتلوا ويقتلون على يد إسرائيل، بنسبة مئات، إن لم نقل آلاف الأطفال العرب مقابل كلّ طفل يهودي، لأمكن للعرب ربما أن يغفروا له طيشه هذا.
للأسف، ليس في قلب أوباما مكان للأطفال العرب، بل للأطفال اليهود فقط. بل إنّه يذهب أبعد من ذلك، عندما يصوّر جنود إسرائيل، قتلة الفلسطينيين، أطفالاً أبرياء تتوق عائلاتهم إلى رؤيتهم. ففي خطابه أمام آيباك، يطالب حماس «بالإفراج عن جلعاد شليط، الذي أمضى خمسة أعوام طوال بعيداً عن أهله»، لكنّه لا يطالب إسرائيل بالإفراج عن أكثر من ٦٠٠٠ سجين سياسي فلسطيني، من ضمنهم ٣٠٠ طفل يقبعون في زنازين إسرائيل، منذ أعوام أطول. لقد كان بإمكان أوباما أن يذكر على الأقل التقارير التي أصدرتها منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية في ٢٠١٠ عن تعذيب الجنود الإسرائيليين للأطفال الفلسطينيين. فإضافةً إلى الضرب الذي يتعرض له الأطفال الفلسطينيون من أبناء الصف السادس الابتدائي المعتقلون في سجون إسرائيل، والحرمان من النوم، شهد طفلان في الثالثة عشرة من العمر أنّ «أسوأ ما تعرضنا له كان تبوّل الجنود الإسرائيليين علينا، بدلاً من استخدام المرحاض. بينما صوّر أحدهم ما حصل بكاميرا فيديو»، لكن أوباما لم يهتز لمعاناتهما، فهما ليسا يهوديَّين.
ما يثير الاهتمام هو أنّ الصهيونية، على النقيض من أوباما، لم تُبد دائماً مستوى الحب ذاته تجاه الأطفال اليهود، الذين لم تتردد في التضحية بهم من أجل أهدافها الكولونيالية. ففي فترة العهد النازي، على سبيل المثال، اعترض القادة الصهاينة بشدّة على إعطاء اليهود الأوروبيين حق اللجوء في أيّ دولة غير فلسطين. فقد ردّ دافيد بن غوريون، في كانون أول/ ديسمبر ١٩٣٨، على عرض بريطاني بإخراج الآلاف من الأطفال اليهود الألمان وإرسالهم مباشرةً إلى بريطانيا بالقول: «لو عرفت أنّه كان بالإمكان إنقاذ كلّ الأطفال من ألمانيا بإرسالهم إلى بريطانيا، أو نصفهم فقط بإرسالهم إلى أرض إسرائيل، لاخترت البديل الثاني، فليس علينا أن نقيم وزناً لحياة هؤلاء الأطفال فحسب، بل لتاريخ أمة إسرائيل أيضاً». وفي تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٤٢، ردّ الصهاينة على القرار البريطاني بالحدّ من الهجرة اليهودية لفلسطين، الذي طالما طالب به الفلسطينيون، بتفجير باخرة على متنها مدنيون يهود، وقتلوا ٢٤٢ شخصاً، من ضمنهم العديد من الأطفال. بالنسبة إلى الصهيونية، يمكن التضحية بالأطفال اليهود، شأنهم شأن الأطفال العرب والفلسطينيين، إلا إذا خدمت حياتهم أهدافها الكولونيالية. ويغدو واضحاً على ضوء ذلك، أنّ يهودية الأطفال أو عروبتهم ليست هي العامل الأهم في قرار التضحية بهم لدى الصهيونية، بل إدخالهم في مشروع سياسي كرموز يمكنها أن تحقق أهدافه، أو أن تكون عقبة في وجهه.
ما فتئ تجنيد إسرائيل للأطفال اليهود في منظمات عسكرية، الذي بدأ في ١٩٤٨، مستمراً دون توقف، ولا سيما في منظمة «غادنا»، أو برنامج «الكتائب الشبابية»، إذ يُدرَّب الأولاد والبنات اليهود ويُعدّون، للخدمة المستقبلية في الجيش الإسرائيلي، في أكثر الدول عسكرة على وجه البسيطة، لكن الاستخدام الأفظع للأطفال اليهود تمثَّل في دعوة الجيش الإسرائيلي إيّاهم إلى كتابة رسائل كراهية على الصواريخ المزمع إطلاقها على أطفال لبنان، إبان حرب تموز/ يوليو ٢٠٠٦. لقد لفّت صورة الفتيات الإسرائيليات الشقراوات، بالقرب من بلدة كريات شمونة، التي التقطها مصور وكالة الأسوسييتد برس، وهن يكتبن رسائل الموت لأطفال لبنان العالم، لكن من غير الواضح إن كانت قد وجدت هذه الصورة طريقها إلى مكتب أوباما. لعلّ من الأهمية بمكان، الإشارة هنا إلى أنّ أوباما ربما كان قد قابل أولئك الفتيات، عندما زار كريات شمونة قبلها ببضعة أشهر، في كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٦. فقد تذكر في ما بعد أنّ البلدة تشبه ضاحية أميركية عادية، فكان بإمكانه أن يتخيل أصوات الأطفال الإسرائيليين «وهم يلعبون بمرح كما تفعل ابنتاي بالضبط».
نتيجة لذلك التاريخ، ليس الأطفال الفلسطينيون مذنبين بكراهيتهم لليهود الإسرائيليين فحسب، بل إنّهم، حسب أوباما، لا يمتلكون الأسباب لكراهيتهم لولا ما يقوم به ذووهم الأشرار من غسيل لأدمغتهم وحشوها بالكراهية. وقد كرّر بنيامين نتنياهو نفسه، في خطابه أمام الكونغرس الأميركي، إدانة أوباما للفلسطينيين لأنّهم، حسب زعم رئيس الوزراء الاسرائيلي، «مستمرون في تعليم أطفالهم الكراهية». لكن ماذا عن كراهية الأطفال اليهود الإسرائيليين للعرب؟
في استطلاع صدر عن جامعة تل أبيب في آذار/ مارس ٢٠١٠، تبيّن أنّ 49.5٪ من طلبة المدارس الثانوية اليهود في إسرائيل يعتقدون أنّه يجب ألّا يكون للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل حقوق اليهود نفسها. ويعتقد ٥٦٪ منهم أنّه يجب ألّا يحق لهم الترشح لانتخابات الكنيست. وحسب تقرير صحفي نشرته كبرى الصحف الإسرائيلية، «يديعوت أحرونوت»، صرّح أساتذة المدارس اليهود في إسرائيل بأنّ العنصرية المعادية للعرب بين الطلبة اليهود وصلت إلى مستويات مثيرة للقلق، إلى حدّ المطالبة بقتل الفلسطينيين. وقد وجد المعلمون كتابات على جدران المدرسة، وحتى على أوراق الامتحانات تدعو إلى «الموت للعرب». وحسب التقرير، فقد قال طالب في تل أبيب لأستاذه أثناء الدرس إنّ حلمه هو أن يصبح جندياً، وأن يبيد جميع العرب؛ وقد صفق له زملاؤه بحماسة. هذا بالطبع ناتج، إلى حدّ كبير، عن المناهج العنصرية المعتمدة في المدارس الإسرائيلية التي يجري غسل أدمغة الطلبة من خلالها.
في خطابه للكونغرس، شخّص نتنياهو الوضع على الأرض بدّقة. فقد أعلن «لم يكن صراعنا يوماً حول إقامة دولة فلسطينية، بل كان دائماً حول وجود الدولة اليهودية». بالفعل، فإنّ ما يجدر بالفلسطينيين فعله هو قبول المستعمرة الاستيطانية اليهودية، لضمان مستقبل الأطفال اليهود، وإنهاء مستقبل الأطفال الفلسطينيين. إنّ رفض العرب تبني رهاب الأطفال العرب لهو أكبر عقبة تقف أمام السلام في المنطقة. يأمل أوباما أن تحدّ البانتوستان الفلسطينية من خطر الأطفال العرب على كابوس «الدولة اليهودية والديموقراطية». فهو يعترف بأنّه لم يعد بإمكان العالم أن يزعم أنّ قيمه كونية، بينما يدعم حق إسرائيل في التمييز ضد غير اليهود. في خطابه أمام آيباك، أقرّ أوباما بذلك عندما قال للوبي إسرائيل إنّه لم يعد بإمكان العالم أجمع، ومن ضمنه آسيا، وأميركا اللاتينية، وأوروبا (وكان بإمكانه أن يضيف أفريقيا التي نستغرب استثناءها) والعالم العربي، أن يتسامح مع التمييز العنصري الممأسس في إسرائيل؛ وأنّ أميركا اليوم تقف وحيدة مع إسرائيل. من الواضح أنّه لا حدود لحب أوباما للأطفال اليهود، فوجهات نظره التي تعبّر عن رهاب الأطفال العرب لم تأت صدفة، بل هي مدفوعة بحبه العظيم لـ«بني إسرائيل». حب لا يتحقق إلا باستمرار كراهيته لكلّ العرب، أطفالاً كانوا أو راشدين.
* أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، وقد صدر له «ديمومة المسألة الفلسطينية» عن دار الآداب في 2009