«كنا نتوهّم العنف شغفاً، ولم نميز بين العطالة والراحة؛ واعتقدنا أن التهوّر هو الحريّة»

(توني موريسون ــ رواية «العين الأكثر زرقة»)

Iــ «النّظام السوري»

في خضم الصراع الإيديولوجي الذي انطلق - داخل وخارج سوريا - مع نشوب الحرب في بلادنا، برزت مفارقة ملفتة منذ الأيام الأولى: الطرف الذي يدعم، إجمالاً، المعارضة المسلّحة يتّهم النظام بأنّه فاسد وسلطوي وتوريثي؛ وهناك، في الواقع، جزء معتبر من المعسكر الذي يقف، إجمالاً، مع النظام لن يختلف معهم في التوصيف، ولكنه يعرف أن أعداء النظام، ببساطة، أسوأ منه بكثير.

هم قد يحاججون بصيغة أن في دمشق نظاماً هو، على الأقل، وطني وليس عميلاً، وبالإمكان الرهان على اصلاحه أو تطويره أو البناء عليه. بعكس الدول التي يرعاها المستعمر، وتخترق أميركا قياداتها ومؤسساتها وجيشها (فهذه لا يمكن الرهان عليها بأي شكل من الأشكال، ولا جدوى إلا للعمل على إسقاطها). وقد يقولون إن النظام قد أبقى حدّاً من التشاركية والتقديمات والضمانات التي لم تعد مألوفة في دولة فقيرة كسوريا؛ أو أنّه يساعد المقاومة في لبنان ويخدم قضية فلسطين... ولكن كلّ هذه حججٌ كانت ستبقى نافلة وبلا فعالية لو لم يكن أعداؤه، ببساطة، أسوأ منه بكثير (وهذا لم يعد موضوع نقاشٍ وتنبؤات وافتراضات؛ فبعد سنين خمس، صارت لدينا - من إدلب إلى دير الزور - صورة واضحة، جلية، عن مصير ما تبقى من حضارة في سوريا إذا ما انتصرت هذه «الثورة»).
في الحقيقة، كما لاحظ صديقٌ سوري يعرف المعسكرين جيداً، فإن النقد الذي تسمعه في المناطق «الموالية» للنظام هو، في كثير من الحالات، أكثر كشفاً ودقة وإحراجاً من خطاب المعارضة. إلا أن الجدال حول تقييم النظام وسياساته وطبيعته قبل عام 2011 من الصعب أن يدور بـ«موضوعية»، إذ انّ التاريخ، فعلياً، سيُكتب من وجهة نظر الحرب ونتيجتها، ومن ينتصر فيها.
خذوا السرديات التي تقدّم اليوم لتفسير نشوب الأزمة في سوريا. نظرية «الجفاف»، مثلاً، صارت لازمة سهلة لتعليل ما جرى: مزيجٌ من السياسات النيوليبرالية ورفع الدعم عن المزارعين، ترافقت مع موجة جفافٍ تاريخية استمرّت لسنوات ثلاث، أوصلت فئات ريفية كبرى في سوريا الى مرحلة العوز والنزوح، ومهّدت الطريق لتراكم النقمة التي انفجرت عام 2011. من النظرة الأولى، يبدو هذا التفسير منطقياً، وهو يقوم على وقائع دامغة، ولكنه يعاني من مشكلة «قراءة التاريخ بالعكس»، حيث ينطلق المراقب من النقطة الحالية، ويعتبر أن كلّ ما جرى في السابق هو تراكم سببي يوصل الى النتيجة القائمة - فينتقي أحداثاً ويهمل أخرى لا تخدم سرديته.
في حين أنّ «نظرية الجفاف» تنطلق من واقع لا يشكّك به، الا أنها تحجب وقائع أخرى موازية؛ كالنمو الاقتصادي الكبير الذي كان يسجّل في سوريا في السنوات التي سبقت الأزمة، والحركة التجارية المتصاعدة التي كان يمرّ بها البلد. هناك تيارٌ في سوريا، يمثّل الفريق التكنوقراطي الليبرالي، وهو يشير، حين يتم انتقاد سياساته الاقتصادية، الى هذه الأرقام. دفاعهم يقول إن سوريا ، باختصار، هي بلدٌ كان عدد سكانه يتضاعف بمعدّل مرة كلّ عقدين، ولم تكن أي دولة - بموارد سوريا - قادرة على استيعاب هذه الطفرة الديمغرافية، وتأمين العمل والمسكن والخدمات لهذا الكم الهائل من البشر. وأن النمو الذي كان حاصلاً، بفضل «إصلاحاتهم»، لو استمرّ سنوات اضافية قليلة لما وقعت الأزمة ولا اندلعت الحرب.


نظرية «الجفاف»، مثلاً،
صارت لازمة سهلة لتعليل
ما جرى في سوريا

الحسم بين هذه التفسيرات المتنافسة هو سؤال للمستقبل. الأساس اليوم هو أن الجيش العربي السوري، الذي يضمّ رجالاً من كلّ فئات البلد - ولم يكن عناصره من المستفيدين من الريع والفساد - يقاتل ويستشهد شبابه بالآلاف، ويدفع فاتورة الأخطاء السياسية، وأزمات المجتمع، والغزو الخارجي في آن. دور «النظام» السياسي، في وضع كهذا وفي أي وطن، هو أن يصون تضحيات جيشه، ويقلصها الى الحد الأدنى؛ ويؤمن له، إدارياً ومالياً ومؤسسياً، ظروف النصر ومتطلباته. في هذا المجال، يصير النقد أكثر وجاهة، اذ يشتكي الكثير من «الموالين» أن النظام - بعد أربع سنوات من القتال والصمود - لم يُظهر العوارض الايجابية التي عادة ما تنتاب الحكومات حين تصدمها الحرب، فتستجيب لتحدياتها - كانتفاء الفساد، والفعالية والانضباط، وحشد الشعب خلف معركته الوطنية. ليس من الضروري، هنا، عقد مقارنات مع أنظمة صناعية كبرى، كالولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية (دمّر الألمان، في أقل من سنة، ثلاثة جيوش روسية أنشئت لمقاومة الغزو النازي، واحداً تلو الآخر؛ وكان ستالين، في كل مرة، يبني جيشاً جديداً، ويجعل من كل مدينة مهددة معركة قومية، ولا يتركها تسقط وفيها حجر على حجر)؛ بل بايران أو العراق خلال حرب الثماني سنوات، حين قام صدّام، تحت وطأة القتال والتراجع، بإعادة بناء جيشه وانشاء عشرات الفرق الجديدة، من بينها «جيش مستقلّ»، هو الحرس الجمهوري المحترف.
هذا أدى، من بين أسباب أخرى، الى اطالة أمد الحرب واتساع رقعتها؛ وتمرّس مجموعات المعارضة في القتال، بعد سنوات من تراكم الخبرة والدعم الخارجي (وهم لأسباب موضوعية، مهما جرى ومهما فعلوا، لن ينتصروا في سوريا، ومن يدعمهم يعرف ذلك منذ عامين على الأقل؛ ولكنه لا يمانع بأن تُدمّر الشام وحلب، ويحترق البلد لسنوات اضافية، حتى يستخرج عائداً ما من رهانٍ فشل).
غير أنّ القصور الأساسي للنظام لا يتعلّق بسياساته قبل الحرب، ولا بأدائه خلالها، بل قد يكمن في مستوى الايديولوجيا. سوريا، في المبدأ، لها دورٌ أساسي في أي «محور مقاومة» ينشأ في إقليمنا، باعتبارها قلبه السياسي والفكري. وهي التي يفترض أن تقدّم إطار الايديولوجيا والهوية الذي ينضوي تحته أي مشروع عربي شامل. حزب الله، مثلاً، كحركة دينية، محلية، شيعية، يمكنه أن يكون جزءاً من مشروع عروبي أكبر، ولكن ليس في وسعه أن يقوده أو أن ينظّر له. الهوية والشرعية والايديولوجيا تنبثق من الشام، وهنا كان الغياب الأخطر. «البعث» وشعاراته اختفت من التداول منذ ما قبل الأزمة. لم تعد سوريا - كما في الماضي - مرجلاً للفكر والأحزاب والايديولوجيا. والهوية الوطنية - «المدنية» - البديلة التي جرى ترويجها في السنوات الأخيرة (على طريقة «سوريا الله حاميها») ثبتت هشاشتها ما إن اهتزّت الأوضاع. هذا الغياب لم يؤثر فقط في المأساة السورية، مساهماً في تفكك البنية الوطنية وميل الناس صوب ايديولوجيات سلفية وتقسيمية وطائفية، بل شكّل نقطة ضعف أساسية لمحور المقاومة ككل.
من هنا، فإنّ نظاماً وطنياً في سوريا لا يحتاج، كما أوهمه أعداؤه منذ التسعينيات، الى «اصلاحات» شكلية على طريقة غورباتشوف، ولا الى التماثل مع نموذجٍ يعجب الغرب واعلامييه؛ بل على العكس تماماً: واجب النظام في سوريا، وعلة وجوده، هي أن يكون قادراً على حماية نفسه والاقليم، وردع الأعداء، وانتاج ايديولوجيا تقدمية، «خشبية»، تلهم أهل المنطقة وتجمعهم.

II ــ العراق: «داعش» محرّكاً للتاريخ

في كتابه «ما بعد المركزية الأوروبية»، يورد بيتر غران فصلاً عن تكوّن العراق الحديث ينفع لتفسير حالة نظامه السياسي اليوم. قال غران إن العراق هو من الدول التي تتبع ما أسماه «الطريق الروسي» في تطورها السياسي، حيث «مرحلة ليبرالية» (بمعنى «تعددية») تتبعها «مرحلة توتاليتارية»، وهكذا دواليك: المرحلة التعددية في هذه الدول (الحكم الملكي مثلاً) تنتج فساداً وفئات مستحكمة واقطاعية تتقاسم «كعكة السلطة»، وفقراً واحتجاجاً على المقلب الآخر من المجتمع. فيتزايد الضغط على النظام، وتتأجج تناقضاته تدريجياً، ويعجز عن ادارة البلد وسدّ متطلباته. فينهار الحكم في آخر المطاف لصالح ايديولوجيا أكثر سلطويةً ومركزية و«راديكالية» (انقلاب بكر صدقي، ثورة الـ58، انقلاب البعث الثاني). يمكن القول بأنّ النظام العراقي «التعددي» الحالي، الذي انشأه الاحتلال عام 2003، يسير - بثقة ودأب - على هدى «الطريق الروسي».
النظام العراقي القائم هو، بلغةٍ فجّة، ثمن الاحتلال وضريبة عدم طرده بالقوة، والقطع مع دستوره ومؤسساته وحكومته. الفريق العراقي الذي قام (بالتنسيق مع ايران) بإدارة الوضع السياسي والتفاوض على خروج الأميركيين في سنوات الاحتلال الأخيرة يدفع بأن سياسته كانت براغماتية ومثمرة: مزيج وتنسيق بين المقاومة والسياسة استخلص من الاحتلال معاهدة تخرج الجيش الأميركي (بلا قواعد ولا حقوق) وتسترجع سيادة العراق.
غير أن ثمن هذا السلوك كان أن خرج جنود اميركا (موقتاً) وظلّت «وديعتها»: النظام السياسي - الطائفي والفاسد والمُخترق - الذي ارتجله موظفوها وعملاؤها (تخيلوا انهم استدعوا أكاديميين لبنانيين بهدف أن يتعلّموا من «التجربة اللبنانية» في بناء الدول). هذا النظام، سياسياً وادارياً، قد صار مثقلاً بتناقضاته ومن الصعب أن يستمرّ.
بهذا المعنى، قد يكون صعود «داعش» قد لعب دوراً «ايجابياً» (كـ«محرّك للتاريخ»)، اذ أحدث تغييراً فجائياً في مسار المجتمع العراقي، الذي كان يتجه، منذ عام 2003، لأن يصير ريعياً، استهلاكياً، يعمل أكثره - بشكل مباشر أو غير مباشر - لدى الدولة، ويعيش على بيع النفط والاستيراد، مع اقتصاد توزيعي واسلوب حياة يشبهان ما نجده في السعودية أو الكويت (وهذا لا يمكن للعراق احتماله على المدى البعيد، حتى مع أسعار نفط مرتفعة). مع ظهور «داعش» وعنفه، وفي ظلّ عجز الجيش، تمّ «تجذير» المجتمع العراقي، ونشأ نوع جديد من «العسكرة» فيه. صار التاجر والصراف وبائع الهواتف يتطوّع للقتال، ويتأدلج، ويعرف أن عليه أن يستعيد بلاده بيديه؛ وأنه جزء من هذه المنطقة، ومستقبله مرهون بمصيرها.
هذه الدينامية، بالطبع، لن تتوقف مع هزيمة «داعش»، والذين يقاتلون اليوم قد يرثون العراق غداً (بشكلٍ أو بآخر). هنا، يجب إيضاح أن «الحشد الشعبي» هو تسمية هيولية، تضم طيفاً هائلاً ومتنوعاً من المجموعات المقاتلة، بتوجهات وأجندات وسلوكيات مختلفة. من ضمنها من يسمي نفسه «فصائل المقاومة»، التي تصر على التمايز عن «الحشد»، وتقول إن قتالها يمتدّ الى أيام الاحتلال ولا يرتبط بإذن الحكومة ورعايتها. وهناك ألوية تابعة للصدر، وأخرى للمرجعية، وتشكيلات قبلية ومناطقية عديدة (ومن طوائف واثنيات مختلفة).
هذه التمايزات وتعقيداتها لا تنعكس في الاعلام العربي، وآراء الذين يتابعونه من خارج العراق، حيث تطغى لغة البروباغاندا والتحريض الطائفي، والكلام عن «شيعة» و«سنة» كأنهما كتلتين متراصتين، أو جماعتين اثنيتين مختلفتين. من جهة ثانية، فإن أكثر التشكيلات الصاعدة، في العراق، وغيره من دول المنطقة، لها صيغة دينية - وبالتالي طائفية، حتى لو التزمت بأرقى خطاب وطني - وهذا لا يعني رفضها بالمبدأ أو اعتبارها كلها متساوية ومتشابهة.
فلنتذكّر أن اليمنيين الذين أنشأوا الحركة الحوثية، والفلسطينيين الذين قاتلوا مع حماس، والعراقيين الذين التفوا حول محمد صادق الصدر، لم يفعلوا ذلك تعبيراً عن رفضٍ لمشروعٍ وطني اشتراكي ناجح - أُتيح لهم وأعرضوا عنه - بل هم، في الحقيقة، نتاج فشل هذه المشاريع واندثارها. فئات اجتماعية واسعة في الوطن العربي وجدت نفسها، منذ ما قبل التسعينيات، متروكةٌ خارج أي اطار وطني أو حاضنة «مدنية»؛ خلفها تراث من الهزائم والحرمان، وواقعها كالحٌ وبلا أمل. فجاءت هذه الحركات والشخصيات المحلية (وفي حالات أخرى، إيران والخميني) لتجمع الضعفاء وتعطيهم اسماً وهوية، بعد أن خلف ثوريو الأمس وعودهم ولم يقدموا الا الفشل - فقامت، في حالات كثيرة، بواجب التحرير والمقاومة والتنظيم، حين تقاعس غيرها أو عجز. هل كان من الأفضل لو تركت مهمة المقاومة في فلسطين لياسر عرفات؟ وفي لبنان لالياس عطالله؟ أو لو خلي العراق لرجال اميركا و«علمانيين» كمثال الآلوسي واياد علاوي؟

III ــ إيران وسؤال الهوية والمستقبل

إن كان بعض العرب يتمنى لو أن إيران لم تقم بها الثورة، والبعض الآخر لا يحتمل فكرة إيران من الأساس، فإنّ الجمهورية الاسلامية قد شكّلت «فرصة تاريخية» لعربٍ آخرين، من فلسطين إلى لبنان والعراق، زودتهم طهران بالسلاح والتنظيم والخبرات في حربهم ضد إسرائيل والاحتلال الغربي؛ وهي تدعمهم اليوم في المعركة الدائرة على مصير المشرق. ولكنها فرصة لن تستمر الى الأبد.
إيران، على خلاف ما يدّعي خصومها العرب، لا تبني «امبراطورية»، ولا هي قادرة على ذلك. كما أن «الثورة الاسلامية» لن تمتدّ خارج إيران وتحكم الاقليم (وهو احتمال، إن كان متاحاً، لما كان أمراً سيئاً)؛ هذه هي القناعة التي تحرّك السياسة الخارجية للبلد منذ التسعينيات. لعلّ توظيف التشبيه الشهير، «كأس السمّ»، لنعت وقف اطلاق النار مع العراق عام 1988 كان مردّه فهم الامام الخميني أنّ الثورة، حين اعترفت بالحدود القائمة والنظام الاقليمي، وسالمته وعاهدته بدلاً من المضي في الحرب الى النهاية، فهي كانت تحكم على نفسها بالانكفاء، وبأن لا تصير «اسلامية» و«عالمية»، وأن تظلّ، حتى إشعار آخر، تجربة في بلدٍ واحد.
في مقالٍ أخيرٍ له، يقتبس سلافوي جيجك الفيلسوف الايطالي أغامبين حين يقول إن كثرة اقتراح «البدائل»، حين تسوء الأوضاع، هو دليل على «جبنٍ نظريّ»، لأنه ينطوي على رفضٍ لمبدأ الاعتراف بالواقع - وانسداد الأفق - وعدم قبول الحال الجديدة التي آلت اليها الأمور، فيخدّر النفس برسم خطط ومخارج تنكر وقوع الكارثة، أو تدعي أنها ستجعلها كأنها لم تكن. هذه نقطة الانطلاق عند البحث في مستقبل بلادنا، وهي الاعتراف بأن العالم القديم الذي كان قبل الحرب، بدوله ومثله وخرائطه، لم يعد موجوداً، ولا جدوى من الدفاع عنه أو الحنين اليه.
حتى مفاهيمٌ «بديهية»، كالوطنية والحدود والعروبة، لم يعد عليها اجماع وصارت هناك حاجة لاعادة تعريفها (أو فرضها). الكثير من الناس قد خرجوا - بكليتهم وعن ارادة - من هوياتهم القطرية الى انتماءات طائفية ودينية وايديولوجية عابرة للدول. «داعش» والحرب والنزوح قد جعلوا من سوريا والعراق ساحة واحدة (ومعهما لبنان والأردن، وان كانا لا يعترفان بذلك). والخيار اليوم هو، فعلياً، بين الوحدة (بالمعنى الاقليمي الأوسع) أو التقسيم.
الوحدة ممكنة، ولو نظرياً، لأنّ الحرب فرضت وقائع مزقت الحدود، وأعطت أهل «المشرق العربي»، من فلسطين الى العراق، فرصة للتدخل في رسم خرائطهم. ولأنه توجد، بين سوريا والعراق على الأقل، امكانية لاتّحاد معروفة مزاياه: خمسون مليون نسمة، بلدُ بوزن «اللاعبين الكبار» حوله؛ لديه كلّ أسباب الاستقلال والتنمية، وبحرين وموقعٌ استراتيجي، وعلاقات حيوية تصله بالغرب والشرق. البديل هو التقسيم، وهذا أيضاً له بوادره وأرضيته، من سوريا الى جنوب العراق. وان حصل، ستخرج من ثناياه «إسرائيل» جديدة، أو أكثر، و«كويت» جديدة، ودويلات طائفية متحاربة (ولن يعود يهمّ، ساعتها، من ينتصر على من).
الحرب سرّعت في انفجار المعضلة الكبرى التي ورثها جيلنا عن سابقه، وهي الفشل - المتزامن - للمشروعين «الحداثيين» اللذين طبعا القرن العربي الماضي: حلم دولة الوحدة، القومية العربية؛ ومشروع الدولة القُطرية، «الوطنية»، التي اعتقد البعض انّها ستستقرّ بمرور الزمن وتصير امماً، وتنشأ في كنفها هويات ناجحة وراسخة.
اذا لم يلمّ أهل المشرق حطام اقليمهم، ويخرجوا بصيغة لبلدٍ حقيقي، يستوعب تنوع القوميات والطوائف، ويتعايش مع نفسه وجيرانه، فهم لن يرجعوا الى دول «سايكس بيكو» القديمة، بل الى هوياتهم الطائفية، أو سيستسلمون لنزعات التقسيم. شكل هذا البلد، واسمه، ونمط «فدراليته»، هي أسئلة أقل أهمية من أساسه السياسي؛ وهنا، لا مناص من النهل من «اللغة الخشبية»، القديمة، التي يعاديها أكثر أهل الثقافة في بلادنا.
شرح الاكاديمي الهندي برابهات باتنايك، في ردّه على نقد بيري اندرسون للنظام الهندي، أنّ شعارات كمعاداة الاستعمار، ومقاومة الغرب، وتحقيق الاستقلال والسيادة، هي ما يصنع الفرق بين حركة قومية تجمع الطبقة الوسطى بالفلاحين، وتؤسس «رأسمالية وطنية»، كحزب «المؤتمر» في الستينيات، وبين أن تصير هذه الحركة، كـ«المؤتمر» حين تخلّى عن «اللغة القديمة»، مجرّد واجهةٍ للاختراق الاقتصادي الخارجي، وتشريع الظلم والفروقات في المجتمع (بحيث لم يعد هناك فارقٌ حقيقي، يضيف باتنايك، بين «المؤتمر» وحزب «بي جي بي» الهندوسي).
في بلادنا، كما يقول الصديق حسن الخلف، «المقاومة» قد تكون، بالفعل، «هويةً» أصدق من أحفوريات التاريخ والأساطير التأسيسية التي يروّج لها اليوم. مقاومة الغرب وامتداداته كانت، فعلياً، المحور الحقيقي لكلّ صراعات المنطقة في العقود الماضية، وان حاول البعض انكار هذا التاريخ. ماذا يهمني ان كان المقاوم عربياً أو أعجمياً، سنياً أو شيعياً، متديناً أو علمانياً، طالما انه يتصدى للعدوان على بلادنا، ويعرف البوصلة، ويبتغي دولاً مستقلّة وحرة؟ هذه خيارات أساسية لا يمكن الهرب منها، أو ادعاء زيفها، أو التعامل معها بمنطق النكاية والاصطفاف. ان كان هناك من أمثولة لمآسي السنين الماضية، فهي أن «اللغة الخشبية» وشعاراتها ليست هي المشكلة، بل أن الفشل في تأسيس هذه المبادئ، وتحويلها الى بديهيات، هو الذي أوصلنا الى ما نحن فيه.
* من أسرة «الأخبار»