قبل سفره إلى أوروبا الأسبوع الماضي، ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطابين يتعلقان بشكل أو بآخر بعملية السلام المتعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والوضع في الشرق الأوسط. خطابان تناول فيهما موضوع حدود أيّة دولة فلسطينية عتيدة، مركزاً على مسألة حدود 1967. أمر لم يمر مرور الكرام عند رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان يزور واشنطن، ورفض العودة إلى تلك الحدود، مطلقاً سلسلة من «اللاءات» خلال لقاءاته في العاصمة الأميركية. موقف نتنياهو المتعنت لوقي بترحيب من الساسة الأميركيين، الحرصاء على ناخبيهم، فيما استهجنه المحللون السياسيّون الذين يرون أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي يضيف العقبة تلو الأخرى أمام إتمام تسوية للوصول إلى سلام دائم


في انتظار حظ جيد



هندريك هرتزبرغ *
قبل أسبوع من يوم الاثنين الماضي، هرع باراك أوباما إلى أرض ـــــ إحدى أراضي ـــــ أجداده. وكما فعل قبله الرؤساء كينيدي، ونيكسون، وريغان، وكلينتون، رأى الرئيس أوباما أنّ زيارته لقرية أجداده في أراضي إيرلندا عمل سياسي. في قرية مونيغال الصغيرة، محاطاً بالزبائن الاعتياديين في حانة سُميت للمناسبة أوباماز (O’Bama’s)، رفع الرئيس كأسه وتجرع بيرة غينيس المحلية. كان يستمتع بوقته، ربما بسبب الحانة نفسها، أو البيرة، أو الناس. أو ربما كان سعيداً لأنّه كان موجوداً على أرض أجنبية، استطاعت مع بعض التحفيز الأميركي أن تتخطى تاريخاً من الأحقاد الدينية، والانقسام العرقي والتدخل الإمبريالي، والحرب والإرهاب. لاحقاً خلال ذاك النهار، في دبلن، أشاد باتفاق السلام في إيرلندا الشمالية، وقال: «يمنح ذلك ما سماه يوماً بوبي كينيدي «موجة من الأمل» تعبّر عن نفسها بطرق مختلفة جداً».
كان هناك الكثير من الأحاديث عن السلام في واشنطن أيضاً، لكن بدون اتفاق. الخميس الذي سبق ذاك النهار، استباقاً لوصول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال أوباما إنّ حدود إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية «يجب أن ترتكز على حدود 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه من الطرفين»، وهي ركيزة أساسية في السياسة الأميركية منذ عقود، وهدف للممثلين الإسرائيليين والفلسطينيين في كلّ مفاوضات جديّة، وجزء بديهي في أيّة تسوية محتملة. يوم الجمعة، فيما جلس الرجلان لالتقاط الصور أمام المدفأة في المكتب البيضاوي، ألقى نتنياهو محاضرة عن عدم إمكان القبول بحدود 1967، كما لو أنّ مضيفه لم يقل شيئاً في ما يتعلق بموضوع تبادل الأراضي. بدا رئيس الوزراء كأنّه أحد «ضيوف» محطة «فوكس نيوز»، عوض أن يكون قائد دولة حليفة تعتمد على الولايات المتحدة من أجل استمرارها. يوم الأحد، صحح الرئيس تحريفات نتنياهو خلال خطابه أمام مؤتمر «إيباك» ـــــ اللجنة الأميركية ـــــ الإسرائيلية للشؤون العامة، وهي جماعة ضغط يخشى من تأثيرها الكبير المشابه لتأثير جمعية السلاح الوطنية. قال أوباما: «بما أنّه لم يُعرض موقفي بوضوح، اسمحوا لي بأن أُعيد تأكيد ما تعنيه عبارة «حدود 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه من الطرفين»: تعريفها هو أنّ الأطراف أنفسهم ـــــ الإسرائيليين والفلسطينيين ـــــ سيتفاوضون على حدود مختلفة عن تلك التي كانت موجودة في الرابع من حزيران 1967». بعد ساعات قليلة، استقل طائرته.
مع غياب القط، يلعب الفأر الكاذب، كذلك فإنّه يزأر. تدبر نتنياهو الأمر كي يُدعى من الجمهوريين إلى الكونغرس لإلقاء خطاب خلال اجتماع مشترك بين الحزبين، وهو السياسي الأجنبي الرابع الذي يحصل على دعوة مماثلة لأكثر من مرة. (الثلاثة الآخرون كانوا تشرشل ومانديلا وإسحاق رابين الذي سمح اغتياله في 1995 على يد متعصب يميني لنتنياهو بأن يصبح رئيساً للوزراء للمرة الأولى، وأن يزور مبنى الكابيتول في 1996 لأول مرة). ومع اقتراب موعد خطاب نتنياهو، ظهرت رسالة على موقع تويتر من الكونغرس: «@تشاك غراسلي: أنا في قاعة مجلس النواب وانتظر نتنياهو ليتوجه إلى الكونغرس. شاهدوا محطة سي سبان».
ما تلا ذلك هو خطاب برر تبريراً كبيراً ملاحظة السيناتور غراسلي الذكية. أكثر رئيس الوزراء من المودة. التفت إلى جو بايدن وقال: «سيدي نائب الرئيس، أتذكر حين كنّا الوجوه الجديدة في المدينة؟» (بايدن قد يتذكر أكثر مدينة أخرى وزمان آخر: العام الماضي في القدس، حين استقبل بعد وصوله للترويج لمحادثات السلام مع إعلان إقامة مشروع سكني كبير لليهود الأرثوذكس في القسم الشرقي المحتل من المدينة). تعهد بيبي أن يدمر إنجاز أوباما: «مبروك لأميركا. مبروك سيدي الرئيس. لقد نلتم من بن لادن. هنيئاً لكم بالتخلص منه!». واستعاد كذلك النكات نفسها التي تتكرر منذ سنوات عن الديموقراطية الإسرائيلية، الاستقرار الإسرائيلي، وكون إسرائيل موالية لأميركا، وهي نكات تصلح لعشاء تضامني مع إسرائيل. قال عبارات لطيفة، لكن متعالية، تجاه الربيع العربي. أعاد تأكيد قبوله اللفظي بفكرة دولة فلسطينية. وانساب مبتعداً عن تحريفاته في المكتب البيضاوي. («كما قال الرئيس أوباما، الحدود ستكون مختلفة عما كانت عليه يوم 4 حزيران 1967»). أشاد بسلام فياض، المحدث التكنوقراطي الذي يشغل منصب رئيس السلطة التنفيذية في السلطة الفلسطينية.
لكنّه أيضاً وصف الخلاف بعبارات توراتية يفضلها اليمين المتدين، الإسرائيلي والأميركي. في أية تسوية، سيطلب من إسرائيل أن «تتخلى عن أجزاء من أراضي الأجداد اليهود». (نعم، لكن سبق أن طلب من الفلسطينيين التخلي عن أجزاء من أراضي الأجداد العرب). قال: «في يهودا والسامرة الناس اليهود ليسوا محتلين أجانب». (ربما، لكن في الضفة الغربية الجيش الإسرائيلي هو بالفعل محتل أجنبي). «هذه أرض أجدادنا، حيث أتى إبراهيم بفكرة الإله الواحد». (حسناً، لكن إسرائيل نفسها أرض لأجداد شعوب أخرى أيضاً، وهم أيضاً أبناء إبراهيم). الأهم من ذلك أنّ نتنياهو، من خلال تراجعه، في بعض الأحيان عن مواقف وافق عليها أسلافه، طرح مطالبه القصوى: الاعتراف بإسرائيل دولةً يهودية شرطاً مسبقاً؛ لا مفاوضات مع مكوّن سياسي فلسطيني تتمثل فيه حماس؛ لا لاجئين فلسطينيين يدخلون إلى إسرائيل، حتى لو كان العدد قليلاً جداً أو رمزياً؛ سيطرة إسرائيلية أبدية على نهر الأردن؛ القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، بدون أن يكون أي جزء منها عاصمة لفلسطين. (قال نتنياهو في ما يتعلق بالنقطة الأخيرة: «أعرف أنّها قضية صعبة للفلسطينيين»، معتقداً أنّه يتنازل ربما). لكل من أملوا بطريقة تفكير جديدة، أو مبادرة جريئة، أو أي أمر، لم يجدوا شيئاً.
ما كان مروعاً أكثر من عناد نتنياهو هو عدم اكتراث الشيوخ والنواب، الجمهوريين والديموقراطيين، الذين كافأوه بالوقوف والتصفيق مطولاً. لا يرتبط ذلك بالاقتناعات المدروسة بشأن تلك القضايا، بل ببروز سياسي، حقيقي ومتصور، لبعض الناخبين اليهود والإنجيليين. (بالنسبة إلى العديد من أعضاء مجلس النواب، حلّ الدولتين هو كأيّ شأن داخلي). لكن دبلوماسية الشرق الأوسط تتعرض للتشويه دائماً، بسبب السياسات المحلية التي تصاغ على المدى القصير. في الوقت الحالي، إنّ حركة فتح التي تعترف بوجود إسرائيل تتمتع بانفراج في علاقتها مع حماس التي تنكر وجود إسرائيل، ونتنياهو يترأس حكومة مليئة بوزراء مصممين على الاحتفاظ بكل شبر من الضفة الغربية، وأوباما لديه انتخابات 2012. لقد وضع الرئيس بعض الأهداف، لكن لا خطة واضحة لديه لتطبيقها. الوقت يمر بسرعة. في معظم العالم العربي، الرأي العام يتخلص من أهواء المستبدين الطيعة. بدأ الفلسطينيون يكتشفون احتمالات غير عنفية، ستجد إسرائيل أنّها لا تستطيع مقاومتها كما فعلت مع الحجارة والصواريخ، وخصوصاً مع تقاليد إسرائيل الأخلاقية والسياسية. كلما استمر الاحتلال، وكلما زاد عدد السكان العرب الفلسطينيين في الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، بدا مستقبل إسرائيل دولةً يهودية وديموقراطية صعب التحقيق. وهناك تسونامي يقترب. قال أوباما أمام مندوبي آيباك: «هناك تململ في ما يتعلق بعملية السلام، أو عدم وجودها، ليس فقط في العالم العربي، بل في أميركا اللاتينية، وفي آسيا، وفي أوروبا». في أيلول، ستدرس الأمم المتحدة طلباً فلسطينياً لقبول عضوية فلسطين دولةً سيّدة. قرار كهذا لن يجعل فلسطين سيّدة بالطبع، لكنّه سيضر بشرعية إسرائيل بطرق غير مسبوقة، وقد يهدد اقتصادها كذلك. في أوروبا، الأسبوع الماضي، سعى أوباما إلى الحصول على مساندة لإطاحة قرار مماثل يصدر عن الأمم المتحدة، أو على الأقل، تجنب الاضطرار إلى استخدام حق النقض ضده. إذا استطاع النجاح في تلك المهمة المحددة، فسيحتاج إلى أكثر من حظ الإيرلنديين.

* عن مجلة «ذا نيويوركر»

■ ■ ■

كلمات في مواجهة الحقيقة



وليم كوانت *
لحسن الحظ، انتهى أسبوع الخطابات الخاصة بالشرق الأوسط. لا أنفك أتذكر عبارة من مسرحية «سيدتي الجميلة» (My fair lady)، حين تقول إلايزا دوليتل: «كلمات، كلمات، كلمات، ضقت ذرعاً بالكلمات». لكن أحياناً تشير الكلمات إلى تغيّرات هامة في وجهات النظر. لذا، دعونا نلقِ نظرة عن كثب.
بدا الرئيس أوباما مصمماً على تحقيق أكثر من هدف في خطابيه، إحداهما في وزارة الخارجية وآخر أمام اللجنة الأميركية ـــــ الإسرائيلية للشؤون العامة.
بداية، أعلن تعاطفه مع الانتفاضات العربية من أجل الديموقراطية، لكنّني أشك في أن يكون الكثير من مستمعيه العرب قد تأثروا. تلك حلبة الكلمات فيها أقل أهمية بكثير من الأفعال. وسيتذكر الديموقراطيون العرب أنّ إدارة أوباما كانت بطيئة في التعبير عن مساندتها للمتظاهرين في تونس والقاهرة. كذلك، إنّ المساعدات الهزيلة لتلك الأنظمة الانتقالية ليست عظيمة.
الجدال الأكبر المحيط بخطابي أوباما تمحور حول ما قاله، وما لم يقله، حيال السلام الاسرائيلي ـــــ العربي. لإنصافه، كانت حجته قوية حين تحدث عن أهمية الدفع بقوة لحلّ لهذا الصراع. قال إنّ الربيع العربي جعل التوصل إلى حلّ الدولتين أكثر أهمية، لا أقل.
لكنّه، في المقابل، لم يفصح عن مقاربة كاملة لكيفية التوصل إلى تسوية كهذه. على العكس، قال إنّ الحدود النهائية بين الدولتين يجب أن ترتكز على حدود 1967، مع اتفاق مشترك لتبادل في الأراضي. عُدَّت تلك التصريحات، في بعض الدوائر، ومن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إعلاناً جديداً وغير مرحب به. لكن كلّ رئيس أميركي منذ ليندون جونسون قال أمراً مشابهاً جداً لذلك.
حمل نتنياهو كل الكلمات اللطيفة التي قالها أوباما عن إسرائيل، وعن مخاوفها الأمنية الشرعية، وشرع في إلقاء خطبة متعالية على الرئيس عن «حقائق» الشرق الأوسط.
من نوبة الغضب الصغيرة تلك وخطابيه، إلى آيباك، ومن ثم إلى جلسة مشتركة في الكونغرس، نعرف تماماً ما لن يفعله نتنياهو. هو لن يقبل حدود 1967 مع تبادل مشترك للأراضي كقاعدة للمفاوضات؛ هو لن يفاوض على مستقبل القدس الشرقية؛ هو لن يسحب القوات الإسرائيلية من وادي الأردن؛ ولن يقبل بعودة أيّ لاجئ فلسطيني إلى داخل إسرائيل في حدود ما قبل 1967. كذلك، لن يفاوض مع أيّ قيادة فلسطينية حتى يلغى اتفاق المصالحة بين فتح وحماس. مقابل كل تلك «اللاءات»، تعامل قادتنا في الكونغرس مع نتنياهو كأنّه أحد نجوم موسيقى الروك.
برر نتنياهو رفضه لحدود 1967 كنقطة مرجعية في المفاوضات عبر وصفها بأنّه «لا يمكن الدفاع عنها». ذاك كلام نمطي لرؤساء الحكومة الإسرائيليين، وخصوصاً قادة الليكود. لكن يجب الملاحظة أنّ إسرائيل خاضت حربين بنجاح في 1956 و1967، انطلاقاً من تلك الحدود تحديداً.
القضية لا تتعلق بقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها ضمن حدود 1967. لكنّها تتعلق بنصف مليون إسرائيلي، مدفوعين بإغراءات كبيرة من حكومتهم، قرروا العيش خارج حدود 1967، والعديد منهم، وربما أغلبهم، سيضطرون للعودة إلى إسرائيل ما قبل 1967، إذا جرى التوصل إلى حل للدولتين قابل للحياة.
وعلى نحو غريب، لم يذكر أوباما ذلك في خطابيه، هو الذي حوّل قضية المستوطنات الإسرائيلية إلى مسألة كبيرة قبل ذلك. لكن يستمر الأمر كواحدة من الحقائق العنيدة التي تعرقل جهود السلام.
إذا كان أوباما يمتلك استراتيجية لما يجب فعله في المرحلة المقبل، فهو أبقى الأمر مخفياً جيداً. لم يسمِّ بديلاً لمبعوثه للشرق الأوسط، جورج ميتشل. (المبعوثون برأيي لم يحققوا شيئاً في هذا الخصوص). كما لم يعلن أي خطة لزيارة تقوم بها وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون للقدس ورام الله، لمتابعة خطابيه. كذلك، لم يعلن أي خطة لذهابه بنفسه إلى إسرائيل أو فلسطين، ليقدم قضيته للمعنيين مباشرة بالموضوع.
في المختصر، كان ذاك أسبوعاً جيداً لنتنياهو. استطاع أن يبرهن لشعبه وحزبه أنّه يستطيع أن يقف في وجه الرئيس الأميركي من دون أن يدفع ثمناً نتيجة ذلك. وأظهر أنّ الكونغرس يقف في صف إسرائيل بحزم، حتى لو لم يكن الوضع مشابهاً بالنسبة إلى أوباما. حتى إنّه أضاف العديد من النقاط إلى لائحة «لاءاته» من دون أن يضطر إلى أن يدفع مقابلها مزيداً من الـ«نعم».
كنت أتمنى خلال الجدل بين نتنياهو وأوباما، بعد خطاب المكتب البيضاوي أن يقول أوباما «سيدي رئيس الوزراء، لقد استمعت بتمعن إلى مخاوفك، وأظن أنّني أفهم ما أنت لست مستعداً لفعله. لكن لم أسمعك تقول شيئاً في ما أنت مستعد لفعله من أجل السلام».
إذاً، ماذا سيحصل بعد ذلك؟ على الأرجح، لن يحصل الكثير على المدى القصير. يجب على الفلسطينيين أن ينتهوا من تفاصيل اتفاق المصالحة بينهم. ويجب على أوباما كذلك أن يعرف أنّه سيواجه ضغوطاً في أيلول لمساندة مبدأ الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة. لأسباب لا أفهمها، لا يريد أوباما أن يضيف الولايات المتحدة إلى قائمة الدول التي تساند هذا المبدأ.
إنّ الحجة بأنّ الأمم المتحدة هي المكان الخاطئ للقيام بخطوة كهذه هي حجة غريبة. ألم يحصل حلّ الدولتين في فلسطين، واحدة يهودية وأخرى عربية، على شرعيته في 1947 من الأمم المتحدة، مع قرار الجمعية العامة رقم 181؟
في الوقت الذي لا أزال أعتقد فيه أنّ أوباما يرغب في أن يقوم بأمر مهم للدفع قدماً بالسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أجد نفسي مضطراً إلى الاستنتاج أنّه لم يعد لديه أفكار. فالأفكار الجريئة، مثل الدعوة إلى مؤتمر دولي أو إعطاء معنى أكبر لمبادئ السلام، ستجعله عرضة لعاصفة من الانتقادات من منافسيه الجمهوريين المحتملين، وخصوصاً أنّ هؤلاء يستميتون لتحويل كل أمر إلى قضية حزبية.
الدرس الأكبر الذي يمكن استنتاجه من الخطابات، ومن أحداث الشهور الماضية، هو أنّ التغييرات الكبيرة التي تحصل في الشرق الأوسط تتوالى دون اهتمام يذكر بما تقوله أو تفعله الولايات المتحدة أو إسرائيل.
زعماء أغلب العواصم في المنطقة لا يعيرون الكثير من الاهتمام لما يقوله أوباما. كذلك، لا شيء تفعله القيادة الإسرائيلية الحالية قد يفيدهم. الوضع مماثل مع من نزلوا إلى الشوارع يطالبون بالتغيير.
فيما الولايات المتحدة قوية جداً لتكون مجرد مراقب هامشي في الشرق الأوسط، يبدو بالتأكيد أنّ الموجة تنقلب ضدنا في ما يتعلق بقدرتنا على تحديد مسار الأمور. ربما كان ليساعد لو احتُضنت ظاهرة الربيع العربي مبكراً ومباشرة. ربما كانت استراتيجية سلام أفضل تؤثر.
لكن حذر أوباما وعناد نتنياهو ـــــ وهذا ما ظهر جلياً في الأسابيع الماضية ـــــ هو ما انتصر في النهاية. النتيجة، على الأرجح، لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

* مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الأميركي عن الشرق الأوسط، عن صحيفة «بوليتيكو»