جاء في كلام نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في 23 أيار الماضي ما فحواه أنّ ضرورات اختلاط المسلمين مع غيرهم لا يمكن أن تستدعي تنفيذ قانون يخالف شريعة الله، وأنّه (أي قاسم) وحزبه ليسا «في مجال المساومة والتنازل عن بعض الأحوال الشخصية في علاقاتنا مع الآخرين». وفي جزءٍ ثانٍ من كلامه، جاء ما فحواه أنّه لا يجوز إدخال القوانين اللبنانية في تفاصيل الحياة الزوجية، وإن اتّسمت بممارسات عنفٍ جنسي بين الزوجين. فهذا «يضرب بالحياة الزوجية»، وتصحّ معالجته، تصحيحاً، في القضاء الشرعي، «إذا كان هناك من معالجة مطلوبة»، يقول الشيخ قاسم. وتصح معالجته احترازياً، في التصدي لتسويق المرأة كسلعة في الإعلام والإعلانات.

في الموضوع الثاني، قد لا يصح التشكيك في «نيات» الشيخ قاسم في ما يخص «حقوق المرأة». فهو يخصّها بالكلام الجميل وبالاحترام، ويوازي وزنها الاجتماعي بوزن الرجل، عبر التشديد على دورها، الذيلي، في بيت الرجل (يحدّد: أمّ وزوجة). وذلك رغم أنّ استخفافه بالمشكلة المطروحة في تحديده («إذا كان هناك من معالجة مطلوبة») يشي بركاكة منهجيّة تفقد من متانة حجته وتفقده، عند بعض الجمهور، من صدقيته، ضمن معزوفة «نيات حزب الله المستترة» التي تفضحها زلّة اللسان.
لكنّ المسألة ليست في «النيات»، وليست في ما هو مبيّت ولا يعدو جرماً يحاكم عليه. فلكلام قاسم قراءة «موضوعية» تستند إلى تاريخ حزب اللّه الاجتماعي مع جمهوره، ومع الطبقة الحاكمة، تترتّب عليه بموجبها مسؤوليات.
يندرج كلام قاسم في إطار سياسة تعبوية لحزب الله، تراعي قواعد النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد، فتعمل على الإحاطة بالمجتمع الموكل إليه من قبل الطبقة السياسية، وهم عامة من ولدوا «شيعة» على سجل النفوس، بما في ذلك من ضرورات إبقاء الأمور على وضعها. فيذهب الحزب، بالتالي، في دعم ومجاراة السلوكيات الاجتماعية التي يسلكها الفقراء الذين صدفت كثرتهم عند «شيعة الهوية»، وتسمح لهم بالصمود... في فقرهم. تشمل تلك السلوكيات في ما تشمل، استراتيجيات السيطرة على المشاعات العامة مثلاً، وضمن موضوعنا، بعض أوجه الذكورية.
وللذكورية أوجه عدّة عند كل طبقات المجتمع. فقد تتجلّى في إصباغ المرأة بصورة سلعية متطورة، كما يدرج عند الطبقات البورجوازية وملحقاتها المتحكمة بالمفاصل الثقافية المهيمنة (الإعلام المرئي، الإعلانات، الخ). وقد تكون الذكورية، في بعض أوجهها، خصوصاً عند الطبقات الدنيا، وبسبب طبيعة عملها الشاق الذي ينحت الأجساد على أشكالٍ خشنة، في اعتماد التمجيد للجسد القوي ولمزاياه القتالية بما هو (التمجيد) وسيلة للفقير لأن يتقبل حالته (موضوع «الكرامة»). وهذه الأوجه، لأسباب تاريخيّة، تدعمها الإيديولوجيا البورجوازية كما الدينية، وقد تذهب في تعييرها للمرأة إلى إلباسها دوراً اجتماعياً دونياً بالنسبة الى الرجل.
وقد يكون كلام نعيم قاسم الذكوريّ جاء من هذا المنطلق الاجتماعي. وهو، لقربه الاجتماعي من رجال الطبقات الدنيا في السلّم الاقتصادي، يرى في الاقتراح «المدني» (غير الديني) لمعالجة موضوع العنف المنزلي «إجحافاً رمزياً» بحق هؤلاء الرجال، في ظلّ التعامي عن غيرها من أوجه الذكورية المرتبطة رمزياً بالطبقة المهيمنة (والعنف المنزلي حقيقةً موجود عند كل الطبقات، لكنّ الفقير «جسمه لبّيس»).
كذلك، فإنّ «مؤسّسة الزواج» تقع هي أيضاً بين أوجه مقاومة الفقير لفقره، عبر خلقها مساحة ثبات عاطفي آمنة في ظل نظامٍ اجتماعي قاسٍ ومذلّ، وسريع التحرّك والانقلابات. وتلك حقيقة يشترك قاسم وغيره من رجال الدين، وبعض جمهور الفقراء من جميع الطوائف، في تلمّسها، من دون فهمها بالضرورة من منظار طبقي. لكنّ تلمّسها ذاك قد يفسر سهولة استهزاء الشيخ قاسم بمشكلة العنف المنزلي ضد المرأة، فيما يفهم الزواج من خلالها كأولوية بالنسبة الى مشاكل الرجل. وهنا ننبّه إلى أنّ الصيغة «المدنية» للموضوع (في مجلس النواب)، كما عرّفها الشيخ قاسم، لم تحدّد المرأة منفردةً كجهة مظلومة. لكنّ قاسم حلّل الموضوع من هذا المنظار، منظار التخفيف من ذنب الرجل، الرجل العامل والفقير.
تبقى كلّ هذه التحليلات من الفرضيات. وهي إن صحت تكون... مؤسفة. وهي ليست مفاجئة. لكنّ الأكيد هو في الجزء الأول من كلام قاسم، وهو ما ينقل سلوك حزب الله السياسي من خانة «المؤسف»، التي يريدها له كثر من العاتبين المحبّين ممّن حفظوا له إنجازه مع العدوّ، إلى خانة السلوك «المنافق». ففي أوّل كلام قاسم، جاء ما هو أكثر تشدّداً، ما «لا يقبل المساومة». فأن تكون قيادة حزب الله محنّكة في السياسة، وبراغماتية، ومحكومة بمعادلة دولية مع من يزوّد الحزب بالسلاح والمال والدعم في وجه العدو، وهو ما يجعلها «صبورة» مع «الحريرية» ومجرمي الحرب ومع النهب المنظم لثروة البلاد، يبقى مقبولاً ومبرراً عند البعض. وذلك رغم أنّ التحالف العابر للدول موجود في غير مكان، ولا يعني بالضرورة المساومة التامّة في قضايا الداخل. لكنّ فحوى كلام قاسم عن الزواج المدني الاختياري يشير إلى أبعد من «صبرٍ» عند الحزب في التعاطي مع النظام القائم. إذ يعترض الشيخ قاسم على الزواج المدني لتنافيه مع شرع الله، وهذا ليس مستغرباً. ثم يقول ما يأتي: «الأحوال الشخصية في لبنان لكلّ طائفة من الطوائف، وبالأخص الأحوال الشخصية الإسلامية، ليست بدعةً أو رأياً إنسانياً مادياً بعيداً عن اللّه تعالى، وإنما الأحوال الشخصية عندنا جزء من الإيمان والاعتقاد والدين والالتزام، بمعنى آخر: أيّ مخالفة لهذه الأحوال الشخصية الشرعية هي ارتكاب الحرام بالنسبة إلينا، وأيّ التزام بضوابط الأحوال الشخصية في الزواج والطلاق والإرث وكل العلاقات المبينة في الأولاد والوفيات وما شابه، كلّها بالنسبة إلينا مواقف شرعية، ولسنا في مجال المساومة أن نتنازل عن بعض الأحوال الشخصية في علاقاتنا مع الآخرين لنوجد أحوالاً مشتركة لأنّ ما نؤمن به هو إيمان ودين والتزام وجزء من المنظومة الإسلامية، وليس كتابة من بعض العلماء أو من بعض المفكرين لدينا».
هكذا، يذهب الشيخ قاسم في تبرير النظام الطائفي اللبناني وكأنّه، بتقسيماته العنصرية، مستمدّ من إرادة الله وليس من صنع البشر (ليس بدعة). بل أكثر من ذلك، يصوغ الموضوع بمنطق الخطاب الطائفي اللبناني الصرف (على أساس تعدّد الطوائف وتعدّد قوانين الزواج) بدل أن يكتفي بالخطاب الديني، فيعرض الزواج الطائفي وكأنّه من مكتسبات المسلمين، فيصبح حقّ كلّ طائفة محفوظاً... وكذلك حدودها. والمبدئية «الإسلامية» في الكلام جاءت هنا لتخفّف من وطأة الطائفية «الشيعية».
ما يقوله الحزب باستسهالٍ تامّ في خطاب نعيم قاسم، هو خطاب النظام اللبناني القائم، هو أن مصير «شيعة الهوية» من الدولة يعود له وحده. والمصير الذي اختاره الحزب لـ«الشيعة»، حتى إشعارٍ آخر، وبالتعاون مع «الحريريّة» والطبقة المهيمنة، هو الفقر، والإقامة الجبريّة في الضاحية، والزواج بما يرتضيه شرع الله.

* باحث لبناني