(نقاش مع إبراهيم الأمين)

في مقالته في «الأخبار» يوم الاثنين 16 أيار الماضي، يساجل إبراهيم الأمين المفكّر والمناضل العربي عزمي بشارة حول اختلاف مواقفه من الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا. ويأخذ الأمين على عزمي بشارة عدم وضوح موقفه من تولّي الحلف الأطلسي «إدارة الثورة في ليبيا»، الى جانب «صمت إزاء الأردن» من قبله، مترافق مع «قراءة غير مفهومة على الإطلاق لمشهد البحرين»، ومع فارق ظهر بين «ما صدر عن مركز الدراسات الذي يديره وطريقة حديثه عن البحرين في قناة الجزيرة».
وإذا كانت الانتقادات المذكورة تطالب عزمي بشارة بالمزيد من الوضوح في موقفه تجاه ليبيا والبحرين كي يتساوى مع موقفه الواضح مما يجري في تونس ومصر واليمن، فإن انتقاد «اقتحامه» للمشهد السوري «ومن على شاشة الجزيرة نفسها» يذهب في الاتجاه المعاكس. فمطالبة عزمي بشارة بأن يقف موقف المثقف العضوي المستقل ممّا يحدث في ليبيا والبحرين وعدم «الاستنساب في مقاربة الثورات العربية»، تحتّم اتساع الصدر لفعله ذلك بالضبط واتخاذه موقفاً نقدياً من طريقة تعامل النظام السوري مع الانتفاضة الشعبية الجارية في سوريا الآن. وإذا كان من البديهي الموافقة التامة على ما يدعو إليه إبراهيم الأمين من أخذٍ في الاعتبار لموقف النظام السوري من الصراع العربي الإسرائيلي، ودعم هذا النظام للمقاومة في لبنان وفلسطين، عند تحليل الوضع الحالي في سوريا، فمن البديهي أيضاً التشديد على عدم «الاستنساب في مقاربة الثورات العربية» عند اتخاذ الموقف مما يجري في سوريا. فالأحلام التي انطلقت مع انطلاق الثورات العربية، بدخول الوطن العربي في عصر الديموقراطية والخلاص من الأنظمة التي عاشت عقوداً طويلة على النهب المنهجي لبلدانها وقمع شعوبها، لا يمكنها أن تقف عند العتبة السورية. فقد افتُتح في سوريا عهد توريث السلطة في «الجمهوريات» العربية كما تُورَّث الأملاك الخاصة. وقد استمرت العائلة بالحكم مع بشار الأسد، عندما وصل الى رئاسة الجمهورية بعد وفاة والده في عام 2000، وتسلّم أخوه وصهره مناصب عسكرية وأمنية رفيعة جداً بعدما تحول عمّه الى «مُطالب بالعرش» من المنفى. وقد استُكمل المشهد بفتح الأبواب على مصاريعها لبعض الأقارب الآخرين (ممّن سمّاهم إبراهيم بالأسماء في مقالات سابقة) لولوج عالم المال والاقتصاد... والفساد.
رغم كلّ ذلك، يجب القول إن النظام السوري، بقيادة بشار الأسد، تميّز عن باقي الأنظمة العربية في السياسة الإقليمية. فهو لم يستسلم أمام الولايات المتحدة الأميركية عندما غزت المنطقة من بوابة العراق، ولم يوقّع على صلح مع إسرائيل لا يعيد كامل الجولان الى السيادة السورية. والأهم من كل ما سبق، أنه حوّل سوريا الى حبل سرّة تتغذى منه مقاومة حزب الله في لبنان. ومما لا شك فيه أن الدعم التسليحي والمادي واللوجستي السوري كان مفصلياً في تحقيق المقاومة النتائج التي حققتها في مواجهة إسرائيل، سواء في سنوات حرب العصابات التي أدّت الى تحرير جنوب لبنان في عام 2000 أو في الحرب التقليدية التي أدّت الى انتصار تموز 2006.
ولأن سقوط النظام السوري يعني انقطاع الدعم عن المقاومة في لبنان، ويعني بالتالي انتصاراً إسرائيلياً وأميركياً على المدى القصير، أملنا أن يتميز هذا النظام عن باقي الأنظمة على صعيد استنتاج الدروس الضرورية من الثورات الشعبية التي بدأت في تونس وانتقلت الى مصر وغيرها من البلدان العربية، ويبادر الى البدء بمرحلة التحول الديموقراطي من تلقاء نفسه. لكن ما حدث للأسف الشديد كان العكس تماماً. فعندما اندلعت التظاهرات في سوريا كان الخيار الأول (والأوحد حتى الآن) للنظام هو القمع الدموي للناس، الى جانب التهويل بالانقسام المذهبي والحرب الأهلية. وجاء حصار المدن والقرى المنتفضة، ومن ثم تمشيطها الواحدة بعد الأخرى في حملات عسكرية منظمة ليؤكد أن النظام لن يفكر مرتين في التعامل مع الخارجين على طاعته من الشعب السوري كأيّ عدو خارجي. وقد أوحى هذا الأمر، للأسف الشديد جداً، بأن أهل النظام يعطون الأولوية للحفاظ على السلطة بأي ثمن، حتى لو كان على حساب وحدة سوريا وشعبها.
أما عن التدخل الخارجي في ما يحدث في سوريا، فلا يمكن عاقلاً أن يتخيّل أن الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تترك «فرصة» هذه الانتفاضة الشعبية تمر من دون محاولة استغلالها لإجبار سوريا على التخلي عن موقعها الحالي في الصراع العربي الإسرائيلي وجرها للانتقال الى الضفة الأخرى والانضمام الى محور «الاعتدال العربي». والتدخل الأميركي، سواء المباشر أو غير المباشر (بواسطة من بقي من «عرب الاعتدال») يجري علناً ولا يحتاج الى أدلّة وبراهين على حدوثه.
لكن الردّ على هذا التدخل لا يكون بتحويل كل ما يجري في سوريا الى «مؤامرة خارجية»، واستنهاض شوفينية سورية ممجوجة ضد كل «غريب» (حتى «الغريب» الفلسطيني القاطن في سوريا!)، لتبرير القمع الشديد الذي يحصد عشرات المتظاهرين كل يوم جمعة منذ أن بدأت الانتفاضة. فالرد الحقيقي على التدخل الأميركي لا يكون إلا إذا تمكن النظام السوري من اتخاذ قرار تاريخي بالتحوّل الديموقراطي، أي بالتحوّل من حكم عسكري قائم على سطوة أجهزة الأمن والاستخبارات الى حكم مدني قائم على التداول السلمي للسلطة. ذلك أن البديل من هذا التحوّل هو إمّا تمكُّن النظام من البقاء على حاله بواسطة البطش وتأجيل الانفجار الى حين، أو انحلال الوضع في سوريا وتدهوره نحو الحرب الأهلية وهو ما لا يريده كل من يتمنى الخير لسوريا وشعبها.
وحتى لو تمكن النظام من البقاء على حاله بواسطة البطش، فسيعاني من العزلة الشديدة على الصعيد الدولي. والعزلة هذه المرة مختلفة جداً عن العزلة التي عاناها النظام في مراحل عدة في السابق. ففي المرات السابقة، كانت مواجهة العزلة تعني دائماً صمود سوريا بوجه مشروع أميركي للمنطقة، وهو ما كان يكسب النظام احتراماً وتعاطفاً شديدين من قبل الرأي العام العربي. أما عدم الاكتراث للعزلة الدولية للنظام المتأتية هذه المرة من القمع الدموي لشعبه، فهو تفريط بالمكانة والاحترام الشخصيين اللذين اكتسبهما بشار الأسد من صمود الموقف السوري إقليمياً، ومن دعمه للمقاومة اللبنانية، ومن تعامله مع قائد هذه المقاومة السيد حسن نصر الله كما يتعامل مع رؤساء الدول. ويأتي عدم الاكتراث حتى لخسارة العلاقة مع تركيا ليؤكد عدم قدرة النظام حتى الآن على الاستماع الى أي رأي آخر، وعدم قدرة أهله على تخيّل أي شكل آخر غير الشكل الحالي للحكم، بالرغم من كل الكلام الذي قيل عن الإصلاح الموعود. وبالرغم من كل ما قيل عن «الاستعلاء والوعظ» التركيين، لا يمكن أخذ رواية النظام السوري، التي وضعت التدخل التركي في سلّة واحدة مع «التدخل الخارجي» المؤامراتي من قبل أميركا وعربها، على محمل الجدّ.
من هنا يجب القول إن «اقتحام المشهد السوري» من جانب عزمي بشارة هو تدخل مطلوب وضروري جداً. لا بل إن التدخل مطلوب من جانب كل مؤيد لموقف سوريا الإقليمي، ومن كل مؤيد للمقاومة في لبنان، لتشجيع النظام السوري على تغيير مقاربته لما يجري وعلى البدء بالإصلاح الجذري الذي يؤدي الى تحوّل ديموقراطي حقيقي في سوريا. إن صدور النقد من الموقع الذي يحتلّه عزمي بشارة يجب أن يحفّز صانع القرار في النظام السوري على إعادة التفكير في ما يجري في سوريا اليوم، لا على إصدار القرار بإعادة «تعريف» عزمي وموقعه.

* كاتب لبناني