لا يزال من المبكر معرفة ما ستؤول إليه ثورة الربيع العربي. ولن نتمكن، إلا بعد حين، من استيعاب الأهمية البالغة لذلك الحدث التاريخي. وفيما يستقبل العالم بحفاوة سعي الشعوب إلى تحرير بلدانها وتحقيق الديموقراطية، تنتاب جهة واحدة في المنطقة حالة من الذعر والإحباط.قد تحسبون أنّ تلك الجهة هي أحد المستبدين، أو الأنظمة العربية ممن يخشون أن يلقوا المصير ذاته الذي حلّ بالزعماء التونسيين والمصريين. لكن حتى هؤلاء أنفسهم لم يدنوا من مستوى الريبة والرفض الذي وصلت إليه هذا الجهة. هذه الجهة هي النخبة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، التي ترى كلّ تطوّر إيجابي في المنطقة تطوّراً كارثياً (كما فعلت بعد دقائق من إعلان اتفاق المصالحة الفلسطينية بين حماس وفتح).

بنظر إسرائيل، إذا نجحت الثورتان التونسية والمصرية، فهذا أمر سيئ، وسيئ جداً، والأسوأ منه اندلاع ثورات مماثلة في أماكن أخرى من العالم العربي. المثقفون العرب، الذين لا يعدّون كلّهم «إسلاميين»، وبعضهم يتقن اللغة الإنكليزية، والمطالبون بالديموقراطية من دون اللجوء الى خطابات مناهضة للغرب، سيّئون أيضاً بالنسبة الى إسرائيل. الجيوش العربية التي لا تطلق النار على المتظاهرين، لا تقلّ سوءاً عن كثير من العوامل التي حرّكت وحفّزت الشعوب في العالم، وحتى في البلدان الغربية. وردّة الفعل العالمية سيئة، سيئة للغاية. هي تجعل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وسياسات الفصل العنصري المتبعة داخل أراضي 1967، تبدو كأفعال يمارسها أي نظام عربي نموذجي.
لم نتمكن، لفترة من الوقت، من معرفة مواقف إسرائيل الرسمية. ففي أول رسالة منطقية وجهها إلى زملائه، طلب رئيس الحكومة نتنياهو من الوزراء والجنرالات والسياسيين عدم الإدلاء بأي تصريح علني بشأن الأحداث في مصر. للحظة وجيزة، قد تعتقد أنّ إسرائيل تخلّت عن دور «بلطجية الحي»، لتعود الى ما كانت دائماً عليه، إما زائرة، أو مقيمة. ويبدو أنّ نتنياهو قد أُحرج تحديداً عندما أدلى رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بتصريحات غير مناسبة حيال مصر. فالخبير الإسرائيلي بالشؤون العربية أعلن قبل أسبوع من سقوط الرئيس المصري، في الكنيست وبثقة تامة، أنّ نظام مبارك صلب وقادر على تحمل الصعوبات والضغوط، كما كان دائماً. لكن لم يتمكن نتنياهو من أن يلتزم الصمت لفترة طويلة، وحين نطق، مشى الجميع على خطاه. وحين أطلق الجميع تصريحات، بدا المعلقون على شاشة قناة «فوكس نيوز» كزمرة من محبّي السلام والحرية الهيبّيين من فترة الستينيات.
جوهر الرواية الإسرائيلية بسيط. ما حصل هو ثورة شبيهة بالثورة الإيرانية بمساندة من قناة الجزيرة، وسهّلها، بكل غباء، جيمي كارتر الجديد، وعالم مذهول. أول من يشرح وجهة النظر الإسرائيلية هم السفراء الإسرائيليون السابقون في مصر. إحباطهم الناتج من حجزهم داخل بهو شقة في مبنى شاهق في القاهرة، يتفجّر كبركان ثائر، لا يمكن إيقافه. وتُلخّص تنديداتهم ببضع كلمات مستقاة من أحدهم: «هذا أمر سيئ لليهود، سيئ جدّاً». بالطبع، حين تقول في إسرائيل «سيئ لليهود»، فأنت تقصد الإسرائيليين ـــــ لكنّك تعني أيضاً أنّ الأمر السيئ بالنسبة الى إسرائيل، سيئ لجميع اليهود في كلّ أنحاء العالم (رغم أنّ الأدلة تثبت العكس منذ تأسيس الدولة اليهودية).
لكن ما يسيء إلى اسرائيل فعلياً هو المقارنة، بغضّ النظر عما ستؤول إليه الأمور، فإنّها تفضح مغالطات وادعاءات الدولة اليهودية على نحو غير مسبوق. كانت مصر آنذاك تعيش انتفاضة منذ سبعة أيام، طرد خلالها وزير الداخلية الذي أمر بلطجيته بالهجوم العنيف على المتظاهرين، وقد تتم محاكمته. لكن حصل ذلك لكسب الوقت، ولإقناع المتظاهرين بالعودة الى منازلهم. إلا أنّ ذلك أفضل بكثير من حال يائير نافيه، أحد المرشحين البارزين لتسلّم رئاسة هيئة الأركان العامة في إسرائيل. فهو أصدر أوامر في 2008 بقتل 7 فلسطينيين مشتبه فيهم، رغم إمكان اعتقالهم على نحو سلمي. لن يزجّ به في السجن، لكن الشابة «اناتكام» التي فضحت حقيقة هذه الأوامر تواجه الآن حكماً بالسجن لمدة تسع سنوات، بسبب تسريبها المعلومات الى صحيفة هآرتس. لم ولن يقضي جنرال أو سياسي اسرائيلي يوماً واحداً في السجن، بسبب إصداره أوامر للجيش ليطلق النار على متظاهرين سلميين، ومدنيين عزل، من نساء وشيوخ وأطفال. أما الضوء المنبثق من مصر فهو مشع جداً، بحيث إنّه يضيء على المساحات المظلمة في «الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».
العرب السلميون والديموقراطيين (سواء كانون متدينين أو لا)، سيئون بالنسبة الى إسرائيل. لكن هؤلاء العرب وجدوا هناك طوال الوقت، لا في مصر فحسب، بل في فلسطين أيضاً. إنّ إصرار المعلقين الإسرائيليين على أنّ أهم قضية على المحك الآن هي معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، هو بمثابة تضليل، إذ إنّه لا صلة مهمة لها بالأحداث الهائلة التي تهز العالم العربي بأسره. معاهدات السلام مع إسرائيل هي عوارض للفساد الأخلاقي، لا المرض عينه ـــــ ولهذا السبب، فإنّ بشار الأسد، وهو قائد مناهض لإسرائيل من دون أدنى شكّ، ليس بمنأى عن موجة التغيير تلك. ما هو على المحك فعليّاً، الادّعاء بأنّ إسرائيل هي جزيرة غربية مستقرة وحضارية، وسط بحر هائج من الهمجية الآسيوية والتعصب العربي. يكمن الخطر في بقاء الخرائط على حالها، مع تغيّرات في الجغرافيا. ستبقى إسرائيل حينها جزيرة، إنما جزيرة تعصب وهمجية وسط بحر من الدول الحديثة التي تسودها المساواة والديموقراطية.
في نظر المجتمع المدني الغربي، اضمحلت صورة ديموقراطية إسرائيل منذ زمن، إلا أنّها اليوم ستصبح باهتة ومشوهة في نظر من هم في السلطة والسياسة. وحده الوقت سيحدد مدى أهمية صورة اسرائيل الإيجابية القديمة من أجل الحفاظ على علاقة خاصة بالولايات المتحدة الأميركية. لكن بطريقة أو بأخرى، فإنّ الصرخات المدوية من ميدان التحرير هي تحذيرٌ من أنّ الأساطير المزيفة بشأن «الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، ومعقل الأصولية المسيحية (أشد تعصباً وفساداً من الإخوان المسلمين)، والشركات الصناعية والعسكرية الانتهازية المثيرة للريبة، والمحافظين الجدد ومجموعات الضغط الوحشية، لن تضمن استمرار العلاقة الخاصة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة الأميركية في المستقبل. وإذا صمدت هذه العلاقة الخاصة لفترة أطول، فستكون قائمة على أسس متزعزعة. تشير دراسة حالات على طرفي النقيض لكلّ من القوى المناهضة للسياسة الأميركية المتماسكة والمتمثلة بسوريا وإيران، وتركيا الى حدّ ما، من جهة، والطاغية الساقط المناوئ لأميركا من جهة أخرى، إلى أنّه في حال استمرار العلاقة فإنّ الدعم الأميركي قد لا يكون كافياً في المستقبل من أجل الحفاظ على الدولة العرقية والعنصرية اليهودية، في قلب العالم العربي المتغيّر.
كان من الممكن أن يكون ذلك خبراً ساراً لليهود على المدى الطويل، حتى للإسرائيليين منهم. لكن لن يكون سهلاً أن تحاط بشعوب تفخر بالحرية والعدالة الاجتماعية والقيم الروحية، وتتنقّل أحياناً بسلام وحيناً آخر بقسوة بين الحداثة والتقاليد، بين القومية والإنسانية، بين العولمة الرأسمالية العدوانية وتأمين القوت اليومي. لكن سيبلغ الوضع حدّاً نهائياً، وسيحمل أملاً بإنهاء أكثر من قرن من الاستعمار والتهجير الصهيوني، لتحلّ محلّه مصالحة أكثر إنصافاً لضحايا هذه الجرائم من الفلسطينيين أينما كانوا، وبأيّ وسيلة يجدها المستوطنون والسكان الأصليون الأنسب للمضيّ قدماً.
لكنّ الإسرائيليين لن يفوّتوا فرصة لتجنّب السلام. سيعارضون، ويطالبون، ويتسلّمون المزيد من التمويل من دافعي الضرائب الأميركيين، بسبب «التطورات» الجديدة. سيتدخلون سرّاً، وعلى نحو مدمر، لتقويض أي عملية انتقال الى الديموقراطية (تذكرون ردّة فعلهم المتّسمة بالقوة والشراسة بسبب «دمقرطة» المجتمع الفلسطيني)، وسيصعّدون من حملة رهاب الإسلام الى مستوى جديد وغير مسبوق.
لكن من يدري، ربما لن يتزحزح دافعو الضرائب الأميركيون هذه المرة، وسيتبع السياسيون الأوروبيون أهواء شعوبهم، وعندها، ليس مبارك وحده من سيُدفع باتجاه إنهاء حكمه الاستبدادي، بل إسرائيل أيضاً. حينذاك، ستسنح لها الفرصة كي تكون جزءاً من الشرق الأوسط المتغير والحقيقي، لا ذاك الشرق الذي تصورته لنفسها واخترعته قبل ستين عاماً.

* استاذ التاريخ في جامعة اكستير البريطانية (ترجمة كوثر فحص)