«لا خير في أن تكون عربياً في هذه الأيام. فاعتلال النفس، من شعور البعض بالاضطهاد، إلى كره الذات لدى البعض الآخر، هو القاسم المشترك الأعمّ في العالم العربي... ويبدو المشهد مظلماً، أياً تكن الزاوية التي ننظر منها إليه، ويزداد ظلاماً بالمقارنة بمناطق أخرى في العالم». هذه السطور من توطئة «تأمّلات في شقاء العرب»، خطّها سمير قصير في تمّوز 2004، قبيل عام من استشهاده في الثاني من حزيران 2005، فأمسى الكتاب بمثابة الوصيّة الفكريّة للمؤرخ والصحافي والمناضل المشرقي. وكان ياسين الحافظ (١٩٣٠ ــ ١٩٧٨)، المفكّر الماركسي السوري، قد شخّص الحال العربيّة ثلاثين سنة قبل سمير قصير، كاتباً التالي: «مرّ حزيران سادس، والوطن العربي ما زال سادراً في حالة يمتزج فيها الاحتضار بالتعفّن. أصبحت الهزيمة خبزنا. الذلّ وسم جباهنا والتقهقر ديدن مسارنا. لا الهزيمة العسكرية فحسب، بل الهزيمة السياسيّة والثقافيّة ـــــ الايديولوجيّة أيضاً». ثلاثون سنة تفصل كلمات الحافظ عن كلمات قصير. ثلاثون سنة أيضاً هي فارق العمر بين الاثنين.


تفتّح وعي الحافظ السياسيّ تحت الانتداب الفرنسي لسوريا، وأصبح في ما بعد أحد أهمّ منظّري التيّار الماركسي في حزب البعث، في أوائل الستينيات، قبل الانشقاق عنه وتأسيس حزب العمّال الثوري العربي، في ١٩٦٧. طبعاً، لا تفي تلك الكلمات القليلة حقّ مفكّر جدّي من طراز الحافظ، الذي فنّد عقله الحاد المقولات السائدة للماركسيّة العربيّة «المسفيتة» والقوميّة، وصولاً إلى نظريّات الكفاح الشعبي المسلّح التي راجت بعد هزيمة الجيوش العربيّة في حزيران ١٩٦٧، وترك بصماته على أجيال من المثقفين في المشرق العربي، من صادق جلال العظم إلى جوزف سماحة. لكن الكلمات، هي للدلالة على المراحل التي عايشها الحافظ، وشارك فيها وكتب عنها. وهي: حقبة الانتداب، والنكبة، والمدّ القوميّ، وتفكك الوحدة المصريّة ـــــ السوريّة في١٩٦١، إلى هزيمة ١٩٦٧ وما بعدها، قبل أن يحاصره المرض، وينطفئ في السنوات الأولى للحروب الأهليّة اللبنانيّة.
أمّا سمير قصير، فولد في1960، أي قبل عام واحد من انفراط العقد المصري ـــــ السوري، وحين كان شاباً في أوائل العشرينيات، حوصرت بيروت واجتيحت في صيف ١٩٨٢، معلنةً نهاية الثورة الفلسطينيّة ومحبطةً جيلاً من المناضلين والكتّاب اللبنانيين والعرب الذين دخلوا السياسة من بابها الفلسطيني بعد صيف ١٩٦٧.
ينتمي الحافظ وقصير إلى جيلين مختلفين، مع كلّ التشعّبات الناتجة من ذلك في مجالات التجربة الشخصيّة والمناخات الفكريّة وفضاءات الممارسة السياسيّة. للاختلاف بين الرجلين والجيلين أوجه كثيرة. أمّا الالتقاء فيعقد على المرارة من الاحتضار العربي. الشقاء، الظلام، الذلّ، التقهقر، اعتلال النفس، ليست إلّا حفنة من مفردات معجم الهزائم التي اختبرها وشخّصها وناضل من أجل تخطّيها كثر.
أمّا حزيران 2011، أربعة وأربعون عاماً بعد «النكسة»، فيأتي حاملاً بشرى طي صفحة الهزائم المتتالية. الحافظ وقصير ساورتهما مسألة كيفيّة تحوّل العرب من «سماد للتاريخ إلى علّة فاعلة فيه»، حسب عبارة الأوّل. سقوط النظامين التونسي والمصري، والانتفاضات الشعبيّة الراهنة تصنع الحدث اليوم، معلنةً بداية نهاية الترهّل العربي العام، و«العودة إلى مسرح التاريخ» التي أرّقت المثقفين.
أمّا إذا كان الاجتياح الأميركي للعراق في 2003، قد أعاد الاحتلالات الأجنبيّة الى المنطقة جاعلاً «زمن الاستقلالات في الهامش»، على ما ذهب إليه قصير في «التأمّلات»، فإنّ الحراك العربي اليوم، وبالرغم من استمرار الاحتلال، يطيح أنظمة الاستقلالات الباطشة. كذلك هو يهمّش المعادلة السابقة التي اختزلت الخيارات السياسيّة المتاحة بين مطرقة الدول الاستبداديةّ (صدّام) وسندان الاحتلالات الأجنبيّة (بوش).
كذلك فإنّ ربيع 2011 يُسقط المقولات التي ازدرت الشعوب العربيّة، وقدرتها على الفعل، والتخلّص من جزمة الحاكم الأوحد، مشخّصةً البلايا بعطب أصيل في الإسلام والثقافة العربية، فهلّلت للاحتلال كما فعل العفيف الأخضر في «ماذا قالت لي الصواريخ المتساقطة على عاصمة الرشيد» (آذار ٢٠٠٣). فهو كتب أنّ خيال العرب السياسي «لم يعرف منذ عثمان إلى صدّام إلّا الخليفة الذي لا يعزله إلّا الموت أو الكفر ـــــ وليس الظلم ـــــ البواح»، غامزاً من باب الموروث الإسلامي.
«هذا الشتاء العربي الطويل، إلى متى سيستمرّ؟!»، تساءل بمرارة ياسين الحافظ، في منتصف السبعينيات من القرن الماضي. لم تكتب للحافظ الحياة واستشهد قصير، قبل أن يشهدا بوادر الربيع. لحزيران 2011 طعم أقلّ مرارةً وعبق الياسمين، أمّا الإيقاع فلتانغو الأمل.
* باحث في برنامج الشرق الأوسط
في اوروبا ــ برلين