لا شيء يغيّر من حقيقة أنّ انتفاضة شعبية عربية غير مسبوقة قد فاجأت العالم العربي، بل العالم، في النصف الأول من العام الجاري. إنّ إبراز تلك السمة لا يعني غياب عناصر أخرى في مشهد الصراع القائم في المنطقة العربية خصوصاً، وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً، بل إنّ العناصر «التقليدية» في المشهد العام، هي التي تبقى الأرسخ لتعود فتظهر مجدّداً بمقدار ما يجري استنفاد عامل المفاجأة أو استيعابه.

لا شكّ أنّ الولايات المتحدة الأميركية هي الطرف الأكثر تأثيراً وتقديراً، بشأن مسار الأحداث التي تدور في منطقتنا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. ومنذ 2003، تحوّلت واشنطن إلى لاعب شبه وحيد في المنطقة، عبر غزو العراق واحتلاله، في مشروع «الشرق الأوسط الكبير» الذي استهدف تعزيز وترسيخ السيطرة الأميركية على المنطقة التي تحتوي على الحجم الأكبر من المصدر الأوّل للطاقة في العالم.
اصطدم مشروع «المحافظين الجدد» الشرق أوسطي باعتراض وبمقاومة فتعثّر وتراجع، لكنّ نزوع الإدارات الأميركية، بوصفها خادمة دائمة للاحتكارات الكبرى وللمجمع الصناعي الحربي الأميركي، مستمرّ. استناداً إلى ذلك، بعدما تخطّت واشنطن صدمة التحرّك في كلّ من تونس ومصر، سعت إلى احتواء نتائج الانتفاضة هناك، ومن ثمّ إلى العمل النشيط والمبادر إلى توظيف التحرّكات والانتفاضات الشعبية الأخرى، في خدمة أهدافها.
إنّ إطلالة سريعة على مسار الاحتجاجات في البلدان العربية، تشير، دون لَبْس، إلى تعاظم الدور الأميركي، على نحو خاص، في أحداث ليبيا واليمن، وإلى سعي حثيث للإمساك بالوضع السوري بكلّ السبل والأشكال الممكنة. وكانت أميركا قد أجازت، دون أدنى شك، دخول قوات «درع الجزيرة» إلى البحرين للقضاء على الانتفاضة الشعبية هناك. وما قيل من كلام أميركي اعتراضي خجول، هو من قبيل رفع العتب، وقبل ذلك، هو نوع من الخداع لتصوير الموقف الأميركي متعاطفاً من حيث المبدأ، مع حقوق وحريات الشعوب في وجه القمع والمنع والاستبداد. بالطبع، لم تكتفِ واشنطن بالتدخل العسكري كما حصل في ليبيا، بل لجأت إلى أشكال من الدخول الاقتصادي ترهيباً وترغيباً. كذلك طوّرت الإدارة الأميركية من تكتيكاتها التحالفية ارتباطاً بالمتغيّرات التي طرأت على الأمزجة الشعبية والسياسية، وارتباطاً بما برز أو استجدّ من توازنات وأدوار وتحوّلات. ولعلّ أبرز ما تبلور في هذا الصدد العلاقة الآخذة في النمو ما بين الإدارة الأميركية ومواقع أساسية ومتعدّدة في حركة «الإخوان المسلمين». لا نريد هنا تبسيط الأمور، لكن لا يمكن إغفال أنّ مرحلة جديدة من التعاون قد بدأت بين الطرفين، وهي ستكون شديدة التأثير في مجريات الأحداث في المنطقة في هذه الحقبة من تاريخها.
تشغل سوريا في هذه الأحداث موقعاً خاصاً، سببه الرئيسي دورها في الاعتراض على جزء من المشاريع والخطط الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، ودعم حركات المقاومة لهذه المشاريع، إضافةً إلى ما أقامته من علاقات وتحالفات أبرزها التحالف مع القيادة الإيرانية. ما اعتمدته القيادة السورية من سياسات عزز من نفوذها وتأثيرها الإقليمي، وجعلها لاعباً حاضراً في نقاط الصراع الأكثر أهمية والأشد سخونة: العراق، لبنان، وفلسطين.
سيكون من قبيل دفن الرأس في الرمال إسقاط أهمية هذا العامل في تناول مجريات الأحداث في سوريا، وفي احتمالات تطوّرها. لا يعني ذلك أبداً تجاهل حاجة السواد الأعظم من السوريين إلى رفع القوانين الاستثنائية وممارسة حرياتهم السياسية والفردية المشروعة بعيداً عن القمع والمنع والاستئثار... لكن يجب التأكيد أنّ المطلوب أميركياً من سوريا «إصلاح» موقفها من التحالف مع قيادة إيران، ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق. أما دعم المطالب الإصلاحية الحقيقية للشعب السوري، فلا مكان له أبداً في أولويات واشنطن. وما استخدامها له إلا ككلمة حق يراد بها باطل.
وتدرك القيادة السورية أكثر من سواها هذا الأمر. فما حُمل إليها من المطالب عبر الموفدين، وخصوصاً الخليجيين، لم يتناول إلا فكّ تحالفها مع القيادة الإيرانية، والكف عن «التدخل» في الشؤون اللبنانية والفلسطينية والعراقية. وكل ذلك ضماناً لاستمرار النظام ليس فقط عبر عدم تبنّي المطالب الإصلاحية للمحتجين، بل المساهمة أيضاً، في إخماد حركة الاحتجاج وقطع كلّ عناصر الدعم التي تأتيها من الخارج القريب أو الأبعد.
يجب القول في امتداد ذلك، إنّ الوضع السوري في غاية الخطورة. وتملك الإدارة الأميركية وشركاؤها، أوراقاً مهمة في ابتزاز النظام السوري الذي تفضل واشنطن أن يغيّر سياسته، لا أن يتغيّر. والأوراق المهمة قائمة في سلبيات وثغر في البنية السورية نفسها، ويمكن تلخيصها في عنوانين: الفئوية والاستئثار، وهما ما يجب أن تحدّ منهما القيادة السورية على نحو سريع. ليس الأمر سهلاً، فهذه السلبيات ذات طابع بنيوي. وهي ميّزت استراتيجيات قوى قومية، في أكثر من بلد عربي، وخصوصاً في تجربتي حزب البعث في كلّ من سوريا والعراق. والاستئثار تقليد انتقل إلى تجربة أحزاب التغيير العربية من المدرسة الستالينية التي كانت أساسية في تجربة الحكم في بلدان المنظومة الاشتراكية السوفياتية، كما كانت أساسية في انهيارِ تلك التجربة. إنّ دروساً عميقة يجب استخلاصها وبسرعة لإفشال مساعي ضرب مشروع المعارضة والمقاومة على المستوى العربي. لقد جرت محاولات لضرب هذا المشروع من الخارج، عبر «الشرق الأوسط الكبير» وعبر عدوان تموز 2006. أما الآن، فتدخل واشنطن وحليفاتها بقوة على خط الاحتجاج الشعبي العفوي، من أجل تحويله إلى مشاريع فتنة وتفتيت وحروب أهلية. إنّ ما يحصل، يهدّد مشروع «الممانعة» العربي تهديداً كبيراً. واليوم هو التأسيس الثاني لمشروع نهضة عربية تحرّرية جديدة، أركانها مقاومة المحتل والغاصب، وإشاعة الحريات والمشاركة الشعبية، والدفاع عن الثروات الوطنية والقومية وتعزيزها بالتنمية والعدالة الاجتماعية.

* كاتب وسياسي لبناني