حتى الآن، لم يقدم أحد عرضاً مقنعاً لامتدادات «الانتفاضة السورية»، وعلاقتها بالحراكين الإقليمي والدولي. ومن فعل ذلك، بدا مقنعاً بالنسبة إلى قطاع معيّن من الشعب، تجمعه وإياه مشتركات سياسية ذات بعد عصبوي ضيّق. ينطبق هذا الأمر على أتباع النظام، كما على معارضيه. وهذا هو جذر الأزمة التي تعانيها سوريا اليوم. هنالك انقسام عمودي في مجتمعنا، يختلط فيه حابل السياسة بنابل العصبية الأهلية. في هذه الحال، ينتفي تلقائياً الإجماع على حقيقة الأزمة التي تعصف بالبلد اليوم. هل هي أزمة داخلية بحتة؟ أم أنّ البعد الداخلي فيها هو امتداد لبعد إقليمي يتلاعب بالوقائع الجارية، ويوظّفها ضمن السياق الجيوسياسي الجديد في المنطقة؟

والحقيقة أنّ الأمر فيه قليل من هذا، وقليل من ذاك. فجذر المشكلة بالأساس هو جذر داخلي يتصل بابتلاع النظام الفضاء العام، وترحيل كلّ من يعترض على هذا الابتلاع إلى خارج ما. خارج لا يبدو أنّ النظام قد قدّره حق قدره. حتى إنّه تغاضى، في حادثة غير مسبوقة (رفع الحظر عن فايسبوك وتويتر قبل «الانتفاضة» بقليل) عن الفضاء الرمزي الذي أتاح لأولئك «الخوارج» أن يتوحدوا. ومن هنا انطلقت الشرارة، أي من المكان الذي اعتقد النظام، لفرط غبائه، أنّه يملك مفاتيح السيطرة عليه. لم يدرك أنّ «تلزيم» الفضاء جزئياً للجيش الإلكتروني الموالي ما عاد ممكناً، بعدما قررت إدارة موقع فايسبوك أن تنحاز إلى الجيش الآخر المعارض، لغاية في نفس يعقوب (ونحن نعرفها تماماً، كما عرفنا لماذا أغلقت صفحة الانتفاضة الثالثة على الموقع أكثر من مرة). هكذا توالت أيام الجمعة، وهكذا صبّت عناوينها المبتكرة (والموظّفة للبعد الإنسانوي على نحو سياسي مبتذل أحياناً) في غير مصلحة النظام و«جيشه». طبعاً، لم تعد هذه العناوين تملك اليوم التأثير ذاته على عموم السوريين، لكن النظام في الحالتين هو الخاسر. وهو خاسر لأنّه لم يربح المعركة. فالذراع الدعائية الفظّة «لإعلان دمشق» في السويد وأوروبا عموماً، تفتقر إلى استراتيجيات السيطرة وامتلاك الأرض المتوافرة للنظام. ولن يغيّر من افتقارها ذاك وقوف كل أبواق سلالات النفط في قطر والسعودية وراءها، ولا حتى تبلور النواة الصلبة للجناح الكولونيالي في المعارضة، أثناء مؤتمر أنطاليا. فالمعركة اليوم تجري على الأرض في الداخل، لا في الفضاء الافتراضي، ولا في دول «العمق الاستراتيجي». وحتى الآن، لا إشارات حقيقية إلى فقدان النظام السيطرة على أرضه (نا). ومع ذلك، فقد خرج من المعركة «تماماً كما دخلها»: مثخناً بالجراح. كيف يمكن أساساً من يوالي النظام أن يقول لنا «خلصت»، في وقت نرى فيه حجم الانعتاق الذي أنجزته المعارضة في الخارج؟ وهنا أيضاً، لا بد من التدقيق. فمن يهلّل في المعارضة «لهزيمة النظام» لا بد له من أن يفيدنا قليلاً بماهية الخارج المعارض الذي كان وراء هذه «الهزيمة». أي خارج هو هذا؟ خارج التحالف غير المعلن بين «إعلان دمشق» والإخوان المسلمين (لم يعد كذلك بعد واقعة أنطاليا)، أم خارج عبد الحليم خدام وجوقة «العدالة والبناء»؟ وجدلية الخارج والداخل تلك، لا تنتهي عند حدود العلاقة بين النظام والمعارضة، أو بين الاثنين وقوى الاستعمار الجديد (أميركا، وفرنسا، وإيطاليا وبريطانيا). ففي قلب البيت المعارض الآن، يوجد أيضاً خارج وداخل؛ إذ لم ينته مؤتمر أنطاليا الهزلي إلا بما يشبه «الانشقاق» داخل بيت المعارضة الوطنية. اسألوا الستاليني السابق عبد الرزاق عيد عن الرسالة التي وصلته من الداخل، وطلبت منه الاكتفاء بصفة مراقب داخل المؤتمر ـــــ الفضيحة. لماذا ذهب إلى هناك أصلاً، إذا لم يكن ذهابه ذاك قد نال إجماعاً داخل التجمع الوطني الديموقراطي؟ أين هي القيادات التي يفترض بها أن تعترض على سلوك كهذا؟ لا يكفي أن يقول المناضل حسن عبد العظيم لمذيعة الجزيرة القطرية (ودورها اليوم كولونيالي بامتياز) إنّه لم يدع إلى أنطاليا، وإن دعي فلن يذهب، حتى نصدق أنّه لا صلة للتجمع بالمهزلة التي حصلت هناك. نريد منه أكثر من ذلك. ونريده بالضبط لأنّ تعرية اللقاء وتجريده من بعده الأخلاقي المزعوم قد جاءا من جانب المستقلين، لا الحزبيين. وإليكم ما حدث بالتفصيل: قيل أولاً إنّّ صادق جلال العظم سيحضر، لإعطاء اللقاء بعداً رمزياً، لكنّه لم يفعل لأسباب نزعم معرفتها. ثم روج لاحقاً لحضور برهان غليون، وسرعان ما تبيّن أنّ الرجل اكتفى بعدم نزع الشرعية عن اللقاء (وليته فعل)، لئلا تظهر المعارضة بمظهر سيئ منذ البداية. وقبل هذا وذاك، اعتذر هيثم منّاع عن الحضور للأسباب ذاتها تقريباً. من بقي من الوجوه الوطنية التي يمكن الوثوق بها داخل المؤتمر؟ لا أحد تقريباً. لنترك الآن السجال بشأن المستقلين والحزبيين جانباً، ولنراقب المشهد جيداً كما وصلنا (أو لم يصلنا) من تركيا: لدينا أربعة أو أكثر من رموز المعارضة الوطنية في الداخل والخارج ممن رفضوا أن يكونوا شهود زور على واقعة أنطاليا. واقعة لم يفوّض أحد إلى أصحابها أن يلتقوا أصلاً. والإشكال الأساسي هنا أنّ فكرة التفويض التي يتبجّح بها البعض، لا تستند إلى أي مرتكز مادي. كيف يمكن أساساً الاستناد إلى عنصر لا يحظى بإجماع وطني. وإذا قيّض له أن يحظى به، فسيكون هشّاً وخلّبياً، كما هي العادة في هذا البلد. لذلك، نقول مجدداً إنّ أيّ تحرك لتغيير النظام جذرياً، أو إسقاطه، بحاجة إلى شرعية أكثر جذرية من شرعية الشارع «الفئوي». نعود الآن إلى مناقشة جدلية الداخل والخارج في خطاب المعارضة وفي أماكن وجودها أيضاً. وهي جدلية وثيقة الصلة بمصادر الشرعية التي أتينا على ذكرها آنفاً. والحال أنّ النقاش في هذا الأمر كان دائماً ذا طابع إشكالي، وإشكاليته تنبع من أنه يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة إلى المعارضة. مشكلة تطال جناحي المعارضة، الوطني والكولونيالي، وتتعداهما إلى ما هو أبعد؛ إذ على تخومها تقريباً (أي المشكلة) تبدأ «المسألة السورية» بالتفاعل تدريجاً. تفاعل يأخذ أشكالاً مختلفة، منها مثلاً ما هو عام وتجريدي. وهذا الشكل بالذات يقتضي منا نقل النقاش من ضفة إلى أخرى، من ضفة ما يحدث الآن وهنا، إلى ضفة ما يمكن أن يحدث إن لم نوسّع أفق الرؤية قليلاً. والأفق هنا هو أفق السياسة المرتبطة منهجياً بجدلية الخارج والداخل. وهذان عنصران غالباً ما يحكمهما منطق الاستقطاب. استقطاب بين داخل مسحوق ومغترب عن ذاته، وخارج يتلاعب بهذا الداخل ويدرجه في سياق جيوسياسي وظيفي، وذي بعد كولونيالي واضح. والكلام على التلاعب هنا يستدعي تلقائياً أطيافاً لا تريد لها السردية النيوليبرالية (التي تتبناها معظم أطياف المعارضة السورية، باستثناء حزبي العمل الشيوعي والاتحاد الاشتراكي) أن تنبعث مجدداً. كيف تنبعث، وقد دفنها هؤلاء (أو هيئ لهم ذلك) «نهائياً» عشية انتهاء الحرب الباردة. لاحظوا جيداً كيف يتوتر النيوليبراليون السوريون والعرب، بمجرد أن يأتي أحدهم على ذكر مصطلحات من قبيل: مؤامرة، إمبريالية، استعمار، استتباع اقتصادي، كومبرادورية تابعة... إلخ. والجناح النيوليبرالي في المعارضة السورية اليوم ينتمي إلى هذا الطيف التابع تحديداً. طيف يتحسّس من أيّ نقاش يتناول إمكانية توظيف الغرب «للانتفاضة» الداخلية وتنميطها، كما يحاول أن يفعل اليوم على أكثر من مسرح عربي جديد (مصر، تونس... إلخ). سيخرج علينا حتماً من يقول: «الغرب هو الغرب، وتدخّله في مسار الانتفاضات لتجميدها أو إبقائها عند حدود معينة ليس بجديد، أما الجديد حقاً فهو الحصانة الشديدة التي تبديها الانتفاضات الشعبية في وجه التدخل الغربي الفظّ. أصلاً لن يتدخّل الغرب إلا عندما يبدي الحراك الشعبي قابلية للتخلي عن طبيعته السلمية، وسلوك المنهج العسكري كما هي الحال في ليبيا، وهو ما لن ترضى به انتفاضتنا قطّ». طبعاً، هذا العرض صحيح من حيث المبدأ، لكن في ظل اختلال موازين القوى الفادح لمصلحة بقايا الديكتاتوريات، لا تعود المبادئ والمعايير الأخلاقية صالحة للاشتغال. فعندما يتعرض طرف ضعيف ومضطهد لعملية اجتثاث ممنهجة، من دون أن تلوح في الأفق أي إشارة إلى قرب نهاية هذه العملية، سيلجأ حتماً إلى الوسائل العنفية. وهذا ما حدث بالفعل في أكثر من محطة. طبعاً لا يناسب المعارضة أن تعترف بهذا الأمر، لأنّه سيفسد عليها متعة الترداد غير السّلس لعبارتي: «سلمية سلمية». والحال أنّ الانتفاضات لم تغادر سلميتها تماماً، ولكنّها باتت تضع هذه السلمية في سياق زمني آخذ بالتآكل تدريجاً. فكلما طال أمد البطش السلطوي، ازدادت قابلية المنتفضين للتخلي عن سلميتهم. شاهدنا ذلك في أكثر من محطة سورية. أولاً في تلكلخ، ثم في الرّستن، ولاحقاً في جسر الشغور. وهناك محطات أخرى متفرقة، جرى فيها التنازل قسراً أو طوعاً عن المنهج السلمي في التعبير عن الرأي. أتباع النظام يقولون إنّ التنازل كان طوعياً، وبعض الشجعان في المعارضة (ممن خوّنوا طبعاً من المتظاهرين، ووصفوا بأقذع الأوصاف)، أقرّوا بأنّه كان قسرياً، وتحت وطأة القمع الدموي. وفي الحالتين، نحن أمام انتكاسة حقيقية للانتفاضة في سوريا. انتكاسة تشبه تماماً ما يحدث اليوم في اليمن. ذلك أنّ الانتفاضات السلمية تتعرّض اليوم لعملية مصادرة متعددة الأوجه. فإذا لم تصادرها القبائل أو الطوائف كما في اليمن وسوريا، يصادرها الغرب. وهذا الأخير يعوّل في مصادرته كثيراً على ما سميناه جدلية الخارج والداخل.
انظروا كيف يتلاعب اليوم بالعناصر الجيوسياسية في اليمن والخليج عموماً، وكيف يحاول إعادة مصر وتونس إلى الحظيرة، عبر النفاذ من خاصرتهما الاقتصادية الرخوة. وكما في مصر وتونس، كذلك في سوريا، سيحاول الغرب التلاعب بورقتي الاقتصاد والسياسة العصبوية (من وراء فكرة ائتلاف العشائر المناهضة للنظام في أنطاليا؟) ما أمكنه، لأنّه يعتقد أنّهما يفتّان في عضد الدولة (لا النظام فقط) على نحو جدي. وهذا ما يفسّر تمويل الولايات المتحدة، جزئياً، للقاء أنطاليا، كما أوردت ذلك صراحة وكالة أنباء الأناضول الرسمية (يعتقد هؤلاء السذّج أنّ تركيا ستمتنع عن تسريب معلومات مماثلة). طبعاً، من يموّل كلياً قناة بردى التابعة لتيار «العدالة والبناء»، لن يعجز عن توفير تمويل جزئي للقاء يصدف أن يوجد فيه أيضاً تيار... «العدالة والبناء»! مرّة أخرى، يلجأ السيد الأميركي إلى استخدام الأتباع من طريق الواسطة، وكأنّه يقول لهم: نساعدكم رمزياً ونوفّر لكم الغطاء شرط أن تبتعدوا عنا قليلاً. وعندما ينفذون الأمر، وينصبون مضاربهم على أرض غير بعيدة كثيراً عن الملعب الأميركي، تأتيهم الصفعة: «ويكيليكس» ثانية، ولكن عبر قناة تركية هذه المرة. يبدو أنّهم اعتادوا الصفعات. لننتظر إذاً الطبعة الثالثة من «ويكيليكس»، علّها تردعهم نهائياً، وتقول لهم شيئاً مفيداً عن قاعدة توظيف الخارج للداخل، واستتباع العبد للسيّد.

* كاتب سوري