ثمة ما يشي بأنّ الرياض، وعواصم خليجية عدّة، تشهد أوسع وأشمل عملية مراجعة للسياسة والاستراتيجية المعتمدتين، للحفاظ على أمن هذه الدول واستقرارها، ولصون مكانتها ودورها في البيئة الاستراتيجية المتغيرة من حولها، وسط إحساس عميق بتنامي الأخطار والتهديدات، ومشاعر أعمق بالعزلة (بعد سقوط نظام مبارك) والخذلان (من واشنطن خاصة).

وثمة إشارات متواترة، تصدر عن مصادر مختلفة، تفيد بأنّ باكستان ـــــ رغم إعيائها ـــــ مرشحة لأداء دور متزايد في إطار هذه الاستراتيجية، حفظاً «لأمن الخليج»، وحفاظاً على «التوازن الاستراتيجي» مع إيران، وخصوصاً بعد خروج مصر من معسكر الاعتدال العربي، بسقوط نظام مبارك، وتراجع الرهان على دور تركيا، بحكم مواقف أنقرة «غير المنسجمة» مع مواقف الرياض، ولا سيما إزاء تفاقم حالة الاضطراب وعدم الاستقرار وتزايد التهديدات التي تتعرض لها دول المنطقة. من تلك التهديدات التهديد الإيراني، الثورات والانتفاضات العربية ـــــ اليمن والبحرين بخاصة ـــــ والوضع العراقي، فضلاً عن احتمالات تجدد نفوذ القاعدة، وتيارات السلفية الجهادية، في عدد من دول المنطقة.
وثمة ما يؤكد أنّ المملكة العربية مستاءة جداً من توجهات واشنطن الأخيرة في المنطقة. مردُّ ذلك جملة من الأسباب أهمها أنّ الولايات المتحدة، وضعت على الرف، ملف إيران النووي، الذي ترى فيه المملكة خطراً استراتيجياً يتهدد أمنها ودورها في العالم الإسلامي. كذلك لا تتخذ واشنطن ما يكفي من المواقف والإجراءت لقطع الطريق على مسعى إيران لبناء القنبلة النووية. ولا تتخذ الولايات المتحدة ما يكفي من إجراءات لمنع «التمدد الإيراني» في المنطقة، وفي قلب دول الخليج، وخاصرة السعودية (البحرين). بل إنّ أوساطاً سعودية تشكو بصوت مسموع، «تواطؤ» واشنطن مع ثورة البحرين (الشيعية/ الإيرانية)، ولا تحرك ساكناً لمنع حزب الله من السيطرة على الحكومة اللبنانية، ولا تقيم وزناً لاتهامات السعودية لإيران بدعم الحركة الحوثية في اليمن.
والرياض مستاءة من كون الولايات المتحدة قد تخلّت عن حلفائها بسرعة ـــــ مبارك وبن علي ـــــ بل أسهمت في إسقاطهما برغم النداءات السعودية المتكررة لمنع حدوث ذلك، الأمر الذي بعث برسالة خاصة إلى المملكة، مفادها أنّ واشنطن ليست حليفاً يمكن الوثوق به لأمد بعيد.
في ضوء تلك الأسباب، ثمة من يعتقد أنّ العلاقات بين واشنطن والسعودية تشهد تراجعاً محلوظاً، ما حدا بالمملكة إلى اعتماد استراتيجية بديلة تقوم على محاور أخرى. أولاً، هناك ترتيب البيت السعودي الداخلي. هنا لا يوجد الكثير مما يمكن الإشارة إليه غير الأموال التي رصدها الملك عبد الله بن عبد العزيز عند عودته من رحلة الاستشفاء لاسترضاء السعوديين (نحو 40 مليار دولار). لقد كان متوقعاً حدوث تغيير وزاري في المملكة، وقد جرت مشاورات بهذا الشأن، كما تقول مصادر دبلوماسية خليجية في عمان، إلا أنّ «ازدحام المملكة» بالأمراء الطامعين للحصول على المناصب، حال دون إتمام التغيير الحكومي على ما يبدو.
ثانياً، هناك ترتيب البيت الخليجي من الداخل، ومحاولات سدّ الثُّغر التي يمكن أن تتسلل منها التهديدات الأمنية (انتفاضة البحرين، أحداث عُمان) وتبريد الخلافات الحدودية، والتنافس مع الإمارات (العملة الخليجية والبنك المركزي)، إلى غير ما هنالك.
ثالثاً، يجب توسيع مظلة دول مجلس التعاون الخليجي، بقبول طلب الأردن القديم (قبل 15 سنة) الانضمام إليه، وعرض العضوية على المغرب، لخلق كتلة اقتصادية/ سكانية/ أمنية/ عسكرية وازنة (80 مليوناً) مقابل إيران (70 مليوناً). وفي هذا السياق، لا يساور الشك أياً من المراقبين، في أنّ الاستجابة المفاجئة لطلب الأردن الانضمام لعضوية المجلس إنما تأتي في سياق أمني، عسكري، وخصوصاً بعد أن منيت المنظومة الأمنية/ الدفاعية الخليجية بضربتين مهمتين، وفي غضون أقل من عام واحد: الأولى على أيدي الحوثيين، والثانية على أيدي المعارضة البحرينية.
رابعاً، الاتجاه لبناء التحالفات شرقاً (الصين، الهند وباكستان)، بعد أن تبين أنّ التحالف مع الغرب قد لا يلبي الاحتياجات الأمنية والدفاعية الاستراتيجية لهذه المنظومة. وهنا ثمة معلومات تتحدث عن وجود ما بين 40إلى 50 ألف باكستاني مبثوثين في الأجهزة الأمنية والعسكرية لعدد من دول الخليج. وفي هذا السياق، اندرجت الجولة التي قام بها في أواخر آذار/ مارس الماضي، الأمير بندر بن سلطان، مستشار الأمن القومي السعودي، المتزايد النفوذ، إلى هذه الدول، وجاءت بعد أيام قلائل من دخول القوات السعودية إلى البحرين.
خامساً، تكثيف الجهد لاحتواء الثورات العربية باستخدام سلاحي المال/ النفط من جهة، وإعادة توجيه الحركات السلفية في المنطقة ضد قوى التغيير والثورة من جهة ثانية. ويظهر أثر هذه الاستراتيجية المزدوجة خصوصاً في مصر وسوريا: في مصر دعم نشاط السلفيين من جهة، ومساعدة المجلس العسكري بأربعة مليارات دولار من جهة ثانية، وفي سوريا توجيه الحركة السلفية لإشغال النظام وإجباره على «تفكيك» تحالفه مع إيران وحزب الله، تحت طائلة التهديد بالإسقاط والتغيير.
سادساً، الانتقال من مواقع «الدفاع الستاتيكي» إلى مواقع «الهجوم التكتيكي» في التعامل مع إيران، مع شنّ أوسع حملات التحريض السياسي والدبلوماسي في كل اجتماع ومحفل والتركيز على الخطر النووي الإيراني، وكذلك لفت الأنظار إلى أخطار التوسع والتمدد الشيعيين، ومحاولات إيران لاختراق منظمومة الأمن الخليجية والعربية. كذلك ستلجأ إلى اللعب بورقة «المكونات القومية والإثنية والدينية الإيرانية» بدءاً بعربستان/ خوزستان/ الأحواز، وتوجيه التيار السلفي لتكثيف أنشطته في هذه المناطق.
تلك بعض ملامح الاستراتيجية الجديدة، أما السؤال عن جديتها وجدواها، فلا يزال في علم الغيب. لكنّها، بكل تأكيد، استراتيجية كفيلة بخلط الأوراق وتخطي الكثير من الخطوط الحمراء. وهي قبل هذا وذاك، استراتيجية مكلفة جداً، لأصحابها والمستهدفين بها سواء بسواء.

* كاتب أردني