دأب جان عزيز في سلسلة من المقالات، على التطرّق إلى شؤون في الدراسات الإسلاميّة والفكر الإسلامي، لم تظهره إلا زائراً عابراً لها ــ لم أقل متطفّلاً عليها. وعزيز ناشط في إعلام التيّار الوطني، وقد يظنّ أنّ ملاحظاته التي تزداد في تحدّيها للتاريخ والعقيدة الإسلاميّة وفي حدّتها، تصبّ في تحالفات التيّار، لأنّها تتسم بطابع معادٍ للسنّة، كسنّة. لجان عزيز أن يستفزّ المشاعر الدينيّة، لا الطائفيّة فقط، للقراء، لكن ترويجه لمصطفى جحا استفزّ منّي على الأقلّ السياسة ومشاعر معاداة إسرائيل.

أريد أن أتفق مع جان عزيز على أنّ «الإسلام» (أو «إسلامدوم» على قول مارشل هودجسون في كتابه الموسوعي «مشروع الإسلام») الإسلام/ المؤسّسات الدينيّة المرتبطة بالسلطة السياسيّة بالإضافة إلى المشاعر الشعبيّة، لا يتمتّع هذه الأيّام برحابة صدر إزاء النقد أو حتى الدرس الجاد للدين وتاريخه. كان المُستشرق مونتغمري وات قد لاحظ في كتابه «العظمة التي كانت إسلاماً» أنّ «الإسلام» كان رحب الصدر في عزّ ازدهار الحضارة العربيّة ــ الإسلاميّة (وتلك الحضارة لم تكن إسلاميّة صرفة في إبداعاتها وإنجازاتها)، وبات متزمّتاً ومنغلقاً في العصر الراهن. يشعر المسلمون والمسلمات أنّ من واجبهم الدفاع عن الدين في وجه حملات غربيّة معادية، وأنّ نقد أوجه من الدين أو حتى من تفسير الدين مُحرّم بالقاطع. الحكومات الإسلاميّة والرأي العام الإسلامي بصورة عامّة ــ حتى لا نعمّم عن الملايين ــ يعترض بقوّة على أي ملاحظة نقديّة أو إهانة لمشاعر المسلمين، وخصوصاً إذا صدرت عن مراجع غربيّة، عريقة في التعصّب والعداء للإسلام. والدراسات الإسلاميّة في الجامعات العربيّة في حالة مزرية، وإنتاج الأطروحات قلّما يتّصف بالجدّة أو الجديّة الأكاديميّة، ومعظمها يندرج في نشر وتحرير غير دقيقين للمخطوطات القديمة. مراكز دراسات الإسلام في العالم العربي لا تختلف عن مكاتب الدعوة الإسلاميّة، وعن الترويج لنظريّات أمثال زغلول النجّار وغيره الذين يريدون أن يثبتوا أنّ النص القرآني تنبّأ باختراع الحاسوب والغسّالة الكهربائيّة. وحالة الضعف والحروب التي تُشنّ على العرب والمسلمين، تزيد من الضيق وعدم تقبّل النقد وتكفير بعض النقّاد والكتّاب. هناك حاجة لحلّ ما سمّاه ياسين الحافظ «عقدة الإسلام» في العالم العربي، وهناك حاجة لأن ينتج المسلمون (والمسلمات) دراسات جديّة عن الإسلام، حتى لا يقتصر درس الإسلام ونقده على المستشرقين، ومَن خلفهم في الغرب. من غير المبالغة القول إنّ حالة دراسة الإسلام في العالم العربي كانت أرحب وأوسع أفقاً مما هي عليه، والفورة النفطيّة مسؤولة هنا أيضاً.
لنتفق بداية أنّ الثقافة السياسيّة اللبنانيّة السائدة، وخصوصاً في فكر اليمين اللبناني الطائفي الذي تخرّج منه يوماً ما جان عزيز، تشرّب العقيدة الأساسيّة وفرضيّات الاستشراق المسيحي، أو أيديولوجيا العداء للإسلام. إنّ الاستشراق اليسوعي كان جزءاً لا يتجزّأ من الفكر اليميني الفينيقي الذي على أساسه تكوّن مسخ الوطن. والتعرّض المسيحي الكنسي للإسلام والمسلمين، جزء من الفكر التقليدي المسيحي (ولم يحد عنه البابا الحالي). وقد احتضن الاستشراق اليسوعي الفكري اليميني الطائفي وروّج لمعاداة الإسلام (يمكن مراجعة تاريخ مجلّة «المشرق» في هذا الصدد).
لكن جان عزيز ذهب بعيداً جداً، عندما كتب في مقاله «ما لم يقله أدونيس عن سوريا و«الدين»» عن «الحقد الكبير الذي يكتنزه العالم العربي والإسلامي، ضد كل شيء، وضد كل العالم، وضد نفسه». هل هذا تحليل أم ماذا؟ هذا القول لا يختلف أبداً عن نمط العداء المسيحي الغربي التقليدي للإسلام والمسلمين. نسأل عزيز: هل حقد الإسلام الذي يتحدّث عنه بتعميم، أكبر في تأثيراته وحروبه وويلاته من الحروب والاحتلالات الغربيّة المباشرة أو بالواسطة ضد العرب والمسلمين؟ وأين هي مكامن هذا الحقد؟ أيراها ولا يرى الحقد الغربي على الإسلام؟ وعندما يتحدّث عزيز عن المحرّمات في الإسلام ينسى أنّه يكتب ما يكتب في لبنان: الكيان الذي بُني على أسس من المحرّمات والحدود الكنسيّة. أي أنّ الأمر يرتبط بالنفوذ السياسي للمؤسّسات الدينيّة على أنواعها في لبنان، وليس فقط في العقيدة المحضة، كما يتصوّر عزيز. ينسى الأخير أنّ البطريرك الحالي هو من أحيا «الحرم الكبير»، ليعيدنا إلى مفاهيم من القرون الوسطى، لأجل أن يحرّم توجيه النقد لشخص البطريرك الماروني. ولكن يبدو أنّ عزيز ينتمي إلى مدرسة معروفة في الغرب من العلمانيّة الانتقائيّة: أي تلك المدرسة التي تُخضِع «الدين الآخر» لنقد قاسٍ، فيما هي تغفر لدينها خطاياه وجرائمه وأخطاءه. هناك في الأصوليّة المسيحيّة واليهوديّة في أميركا مَن يعظ المسلمين بالحريّات الفرديّة، من دون أن يلتفت إلى واقع التزمّت والتضييق في الأصوليّتيْن، كما أنّ البطريرك صفير أعطى عظة مرّة عن حقوق المرأة في الإسلام، استقى ما فيها من كليشيهات استشراقيّة، مُتناسياً تاريخاً طويلاً من قمع المرأة في الكنيسة (حتى لا نتطرّق إلى أهانة المرأة وتحقيرها الفائق، في العهد القديم).
لكن عزيز أطلق سلسلة مواقف مذهبيّة ضد الإسلام (أو ضد السنّة فقط، ربما، كي لا يحيد عن تحالفات التيّار الوطني الحرّ) في مقالة بعنوان «كلام المفتي قباني عن ميشال عون»، ولم يجد غضاضة في إطالة الحديث عن «الوجدان السنّي». هل هناك وجدان سنّي ووجدان كاثوليكي؟ هل ينزع عزيز إلى الإيمان بوجود صفات جينيّة تجمع بين عبد الله العلايلي وسعد الحريري، مثلاً، في بوتقة «وجدان سنّي»؟ ويجد عزيز ضالّته في الكليشيهات الاستشراقيّة التقليديّة التي ساقها برنارد لويس وغيره في صفوف السنة الأولى لدارسي الشرق الأوسط في الجامعات الغربيّة، فيقول: «حيث التوحيد في مفهوم الله يتجلى توحيداً مطابقاً ومقابلاً، بين المقدس والدنيوي في الفكر السنّي الإسلامي. وهذا مفهوم قرآني أصيل، وإن كان يجد في الفقه السنّي ذروته، بحيث يخضع كل أنشطة الإنسان والمجتمع للمفهوم الديني، من أركان الإيمان وصولاً إلى قصيدة لمحمود درويش أو أغنية لمارسيل خليفة أو رقصة لموريس بيجار». وهذا التعميم معروف لمن نهل من كتب الاستشراق، إما فرضاً أو نقداً، أي أنّ لا جديد هنا. لكن العلاقة بين الديني والدنيوي لم تكن على ما يصوّره عزيز في اختزاله: ناقش المجتمع حريّته وناضل، ليحفظ حيّزاً من سطوة الدين. يروي هاميلتن غيب في كتابه الموسوعي «المجتمع الإسلامي والغرب» كيف أنّ المسلمين أصرّوا على شرب القهوة عندما بدأت بالانتشار والشيوع في القرن السادس عشر، فيما أجمع العلماء على تحريمها و«قياسِها» بالخمرة. أو ليقرأ عزيز كتاب ماكسيم رودنسون «الإسلام والرأسماليّة».
ربّما كان من الأفضل لعزيز أن يطّلع على كتاب أكاديمي لجيمس بيسكاتوري بعنوان «الإسلام في عالم من الدولة الأمة»، كي يتيقّن أن الإسلام (وكأن هناك إسلاماً واحداً كليّاً، حتى ضمن المذاهب الإسلاميّة) يحتوي على عناصر متنوّعة لا تُختصر أو تُختزل بتعميمات تتناقض مع التاريخ المضطرب والمُتصارع والمُتناقض، ومع حاضر يحبل بالتناقضات والخلافات. ليس صحيحاً، مثلاً، أنّ القانون في المجتمعات الإسلاميّة، حتى في السعوديّة وإيران كما يثبت بيسكاتوري، هو كلّه شريعة، بل يتضمّن قوانين علمانيّة غربيّة، رغم السطوة الاحتكاريّة لقوانين الأحوال الشخصيّة الدينيّة. لا، لا يعيش المسلمون والمسلمات (سنّة أو شيعة) فقط تحت وابل من الأحكام الدينيّة، دون إدخال عناصر مدنيّة على حياتهم، ولا يقول هذا الكلام إلا من افتقر إلى علاقات اجتماعيّة مع شركائه المُفترضين في الوطن. أما قدرة عزيز على الإدماج بين «الوجدان السنيّ» والطبقة الثانية في مبنى «أوجيرو»، فهذا في باب الإعلام الحزبي. من يستطيع نفي سمة المذهبيّة الحادّة عن الوصل.
ويعتقد عزيز أنّ استشهاده بتعميمات أدونيس الاستشراقيّة وكلامه العام عن الحريّة (وهو يذكّر بكلام عام تقوله ملكات الجمال عن السلام العالمي) يعزّز وجهة نظره، أو يعطيه صفة أكاديميّة (لا يتمتّع بها أدونيس، ولا تتمتّع بها الأجزاء الأربعة من «الثابت والمتحوّل»). لكن عزيز يزيد في استفزازه (العلماني) لي في استشهاده ورثائه لمصطفى جحا. مصطفى جحا قد يكون غير معروف. يتساءل عزيز عن جحا: «هل من يجرؤ على ذكره، أو تذكر مقتله؟». فلنذكر مصطفى جحا، ولنأتِ على ذكر اغتياله. مصطفى جحا كان شيعيّاً في المذهب وفي الطائفيّة، ودغدغ المشاعر الكتائبيّة في الصميم لأنّه كان واحداً من الذين روّجوا للحزب خارج قوقعته الطائفيّة البغيضة. هذا دفع بجحا لطلب اللجوء إلى المناطق الخاضعة لنفوذ القوّات الفاشيّة المُوالية لإسرائيل، أثناء الحرب الأهليّة. ولكن أن يقحم عزيز اسم جحا مع أسماء لامعة مثل الحلّاج وصادق جلال العظم (على علات تحوّله الليبرالي)، فهذا غير موفّق بتاتاً.
يغفل الكاتب الدور السياسي لجحا الذي انتمى إلى منظومة القوى الموالية لإسرائيل وناصر اجتياح إسرائيل في عام 1982. هو الذي كتب عن الكتائبيّين الذين كانوا يُمعنون قتلاً على الهويّة وهي الفعلة التي ابتكروها: «الكتائب هؤلاء، المواطنون الصالحون المخلصون، الذين هم أبعد الناس عن الطائفيّة والتعصّب الطائفي، إلا إذا كان التعصّب للبنان...» (مصطفى جحا وجورج كسّاب، «فصول حول الفتنة اللبنانيّة»، ص. 162). هذا الكتائبي المُتعصّب، أي جحا، كان معادياً (على طريقة «حرّاس الأرز») للشعب الفلسطيني، ولامه حتى على قصف العدوّ الإسرائيلي لمخيّماته (ص. 214). هذا هو مصطفى جحا الذي يريدنا جان عزيز أن نتحدّث عنه. فلنتحدّث عنه.
مصطفى جحا لم يكن عالم اجتماع ولا أمدّ الدراسات الإسلاميّة بعون ولا بإسهام، بل كان مصنعاً للكراهيّة الدينيّة التي احتضنتها المناطق الخاضعة لسيطرة «القوّات اللبنانيّة» (الإسرائيليّة). كان تعصّب جحا ضد السنّة لا لبس فيه: ومقدمة الكتاب المذكور تتضمّن تنديداً بـ«التيّار العربي السفياني السنّي» (ص. 6). ولم يكن موقفه ضد الشيعة مختلفاً: فقد عزا فقر الشيعة إلى كثرة الإنجاب (ص. 87). لا بل إنّ جحا آمن بتفوّق العنصر المسيحي الجيني على العنصر الإسلامي، ورأى ضرورة مجاراة المسلمين للمسيحيّين في «حضارتهم ورقيّهم». كانت عقدة الدونيّة عميقة في ذات مصطفى جحا. إنّ هذا الموقف المُتعصّب (المُضاد) لجحا هو الذي يفسّر سبب ترحيب الميليشيات اليمينيّة، وبعض الأوساط الكنسيّة العريقة في كراهية الإسلام، به وفتح صفحات الجرائد اليمينيّة (بما فيها «النهار») لترّهاته. لو كان جحا يهين المسيحيّة كما كان يهين الإسلام والمسلمين، لقامت قيامة الكنيسة ولكانت قد دعت مجلس الأمن للانعقاد بصورة عاجلة.
لا، إنّ تقويم كتابات جحا لا ينبع من موقف ديني متزمّت، بل من موقف سياسي مرتبط بالعداء للمشروع الإسرائيلي الذي انخرط جحا وأولياؤه في «المنطقة الشرقيّة» فيه. وكانت المنطقة الشرقيّة تضخّ كمّاً هائلاً من كتب الكراهية والتعصّب ضد الإسلام في تلك السنوات، بالترافق مع تهجير المسلمين وقتلهم في تلك المنطقة. كان مصطفى جحا و«أبو موسى الحريري» (وهو اسم مستعار) ينشران كتباً من الكراهة ضد الإسلام والنصيريّة والدروز. ولم تتصف أيّ من الكتب بالنقد العلمي، أو بالاتزان كي يُدافع المرء عنها من منطلق علماني، لأنّ علمانيّة الاثنيْن كانت غير منسجمة أو مزيّفة. لم يكن مصطفى جحا يكتب من باب الفكر العقلاني الحرّ (على طريقة ابن الراوندي أو أبو بكر الرازي أو أبو عيسى الورّاق)، بل من باب الكراهية الدينيّة. إنّ كتابات جحا مثل كتابات أمثال «إرشاد منجي» في أميركا، وهي تدّعي الانتماء إلى الإسلام فقط من أجل ضخ التعبئة الدينيّة ضده، وإسباغ شرعيّة العارف بالبواطن على تحريضها. لا تختلف كتابات جحا البتّة عن الكتابات المسيحيّة المُعادية لليهود التي سبقت صعود هتلر.
لكن، لنقوّم كتابات جحا عن الإسلام. لم يكن جحا مدرّباً أكاديميّاً، وكان، رغم كثرة استشهاداته وحواشيه، جاهلاً بالعلوم الحديثة عن الإسلام وغيره. وكان، على سبيل المثال، يستعين بمفردات إنكليزيّة في غير معناها الأصلي. إنّ كتاب «محنة العقل في الإسلام» هو أشهر كتبه، وقد لمّح له جان عزيز في مقاله. ماذا نجد بين دفتي الكتاب؟ لم يأتِ الكاتب بجديد على الإطلاق، لكن رواج الكتاب يعود لرواج الكراهية الدينيّة والطائفيّة في لبنان أثناء (وبعد) سنوات الحرب، كما أنّ العقيدة المتنفّذة في «المنطقة الشرقيّة» تبنّت رسميّاً العداء للإسلام (وأبدع فيه بشير الجميّل في «السبت الأسود»، ثم يحدّثك كذابو حزب الكتائب المحترفون هذه الأيّام عن أن حربهم كانت ضد «الغرباء»، والمسلمون غرباء في نظر هؤلاء، وفي نظر من جمعهم البطريرك الراعي أخيراً في بكركي لبحث مسألة بيع أراضي المسيحيّين من «الغرباء» في الوطن).
لم يأت جحا بجديد في كراهيته الدينيّة. لقد استقى ونهل لا من نبع الاستشراق التقليدي الرصين، بل من الثقافة الشعبيّة الأوروبيّة المسيحيّة التي تمرّست في كراهية الإسلام والمسلمين. لكن ما الذي أعجب جان عزيز في كتابات جحا عن الإسلام يا ترى؟ هل في وصفه لشخصيّة محمّد بأنّها خليط من «الهموم والأحزان والوساوس والعقد النفسيّة، والاضطرابات العاطفيّة والكبت والحرمان والأوجاع العصبيّة» والجنون «بالعظمة»؟ (مصطفى جحا، «محنة العقل في الإسلام»، ص. 18). هل هذا يندرج في باب نقد الدين، الذي تحتاج منطقتنا إليه على ألا يوجّه سهامه إلى دين واحد ويجلّ ديناً آخر (على طريقة تبجيل المسيحيّة واليهوديّة في أميركا وتحقير الإسلام. هذه ليست علمانيّة أبداً، لأنّ العلمانيّة عندما تكون انتقائيّة تصبح كراهية دينيّة). إنّ كلام جحا تكرار للمبتذل من الكتابات الغربيّة التقليديّة ضد الإسلام كدين (مثل قوله إنّ «الاعتقاد بأنّ محمداً هو خاتم الأنبياء يعطّل مسيرة الإنسانيّة، كما يجعل الإنسان تافهاً ورتيباً ومطمئنّاً وبليداً»، ص. 49). ماذا كانت «المنطقة الشرقيّة» من بيروت وميليشياتها الطائفيّة ورهبانيّاتها فاعلة بمصطفى جحا لو أنّه قال كلامه هذا ضد المسيح؟ هل كانت قد استضافته ودعمت حقّه في التعبير؟ وهذا التعميم عن أكثر من مليار مسلم، ووصفهم بأقذع النعوت لا يختلف عن تعميمات عزيز في شأن كل العرب، عندما يصرّ على حشر دافع طائفي لكل عربي، حتى لو كان علمانيّاً أو زنديقاً (مثل زكي الأرسوزي). (حتى الشيوعيّون العرب، جعلهم جان عزيز كلّهم طائفيّين ومتديّنين، إلا إذا كان يتحدّث عن شيوعيّي عائلة الحريري. لا يا جان عزيز: هناك شيوعيّون عرب ملاحدة، ولم يكن تقبيل جورج حاوي للصليب وإنحناؤه أمام أحبار الكنيسة يعبّر عن موقف كلّ الشيوعيّين العرب أبداً).
إنّ كتابات جحا عن محمّد هي عبارة عن إهانات وتحقير، وعزيز يحتاج لتفسير إعجابه بها؛ إذ إنّ جحا يقول مثلاً: «هذا (النبي)، الذي لا يملك سوى التخويف من النار والتهويل بها، كيف ترضاه الإنسانيّة خاتم الأنبياء» (ص. 56). يبدو أنّ الجهات المسيحيّة المتعصّبة التي استضافت وروّجت لجحا ميّزت بين نار الإسلام ونار المسيحيّة، كي تقبل بالسخرية من الأولى فقط. لكن جهل جحا لا يقتصر على العلوم الاجتماعيّة؛ إذ إنّه جاهل أيضاً بالعلوم الطبيعيّة. فهو يكرّر أسطوانة مبتذلة من القرون الوسطى تحاول أن تعزو ما يعدّه المسلمون والمسلمات لحظات نبويّة في الإلهام الربّاني إلى داء الصرع. وجحا الجاهل قلّد الكتابات المسيحيّة القديمة ضد الإسلام ناسياً: 1) أنّ التأريخ المعاصر لسيرة محمّد يتفق أنّه لم يبدُ على محمّد أي من عوارض داء الصرع (راجع مثلاً سيرة محمّد لمكسيم رودنسون أو تلك لمونتغمري وات). 2) أنّ داء الصرع ليس عيباً، وهو لا يؤثّر على القوى العقليّة للمصاب، لكن مستوى إدراك جحا الطبّي لا يتعدّى مستوى الكهنة في قرية أوروبيّة في القرون الوسطى. 3) إنّ جحا يدرج الصرع في باب ما يسمّيه جهلاً «الشذوذ النفسي» (ص. 109).
ويستفيض جحا في إهاناته ويتحدّث عن اغتصاب محمّد لـ«الطفلة عائشة»، ويعيد رواية زينب بنت جحش، وكل هذا يؤكّد أنّ جحا لم يأت بجديد من عنده إطلاقاً، بل ترجم إلى العربيّة إهانات مبتذلة، صدرت عن مجتمعات غربيّة مسيحيّة عبر القرون ضد الإسلام والمسلمين. إنّ كلّ إهانات جحا ورواياته (حتى عندما يتحدّث عن موقف محمّد من الأثرياء) معروفة لمن درس الكتابات المسيحيّة باللاتينيّة عن الإسلام والمسلمين (يجب مراجعة كتاب أر. دبليو سذرن، «النظرات الغربيّة للإسلام في القرون الوسطى»)، وهو يتجاهل كل القرائن التي لا تخدم قضيّته السياسيّة الدينيّة (كأن يشوّه موقف الإسلام من الفقراء أو كنز الأموال، إلخ). لكن كتابات جحا فيها بعض الهزل المضحك: عندما يتطرّق إلى تحليلات فرويد إو إلى علم الاجتماع. هنا، تعلم أنّ مهمة مصطفى جحا من قبل ماكينة الحرب الإسرائيليّة في «المنطقة الشرقيّة» تعثّرت بسبب جهله العميق بالموضوعات، وافتقاره إلى العلم والمعرفة. والطريف أنّ جحا يستشهد بكتابات «أبو موسى الحريري»، وهي مثل استشهاد أنطوان لحد بمواقف سعد حدّاد.
صحيح، إنّ نقد الأديان وخدش مشاعر المؤمنين (والمؤمنات) والملحدين (والملحدات) أمر صحّي، ويدخل في حيّز النقاش العام وحريّة التعبير. ومن المؤسف أنّ بغداد في بعض سنوات العصر العبّاسي شهدت انفتاحاً ورحابة صدر لا تشهدهما المجتمعات العربيّة اليوم. والنفوذ الهائل للمؤسّسات الدينيّة (لا الإسلاميّة فقط) في بلادنا يحتاج إلى تقويض، على الأقل. لكن الانتقائيّة في نقد الدين، وخصوصاً عندما تصدر عن جهات سياسيّة ذات تاريخ عريق في التعصّب والكراهيّة، تفضح النيّات السياسيّة لمشروع يزيد من حدّة التوتّر في المجتمعات. لم يخطئ جان عزيز عندما طالب بالحديث عن مصطفى جحا. لكنّه أخطأ في إسباغ صفة نبل وعقلانيّة على مشروع لا يتصف بالنبل ولا بالعقلانيّة.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)