-1-


حرّر غاندي صناعة الملح في الهند من احتكار المستعمر البريطاني لها، وكسر مارتن لوثر كينغ أقفالاً عنصرية ارتجت بوجه سود أميركا، وفتحت إيران نافذة في جدار حظر الغرب وإسرائيل حيازة أي من شعوب المنطقة معرفة علمية متقدمة.
أستذكر اليوم قولاً للدكتورة معصومة ابتكار، نائبة الرئيس الإيراني خاتمي، في مؤتمر «المرأة والتقاليد» (تشرين الثاني /نوفمبر 2005، مدرج رضا سعيد في جامعة دمشق): «مشروعنا هو تعلم فن الحياة»، وأضافت في حديث جانبي: «الديمقراطية أقوى من القنبلة الذرية».

ينعش إعطاء قيمة رئيسة لفن الحياة الآمل باحترام البشر لبعضهم بعضاً، بمستقبل من مفرداته السعادة... وأغلب الظن أن ذلك هو ما أقلق حكام السعودية يقينا منهم أن «رعيتهم» سترحب بفن الحياة إن أتيحت الفرصة... خصوصاً النساء، ولطالما كان اكتساب المعرفة وتوظيفها بما فيه نفع للناس من أهم فنون الحياة.
في العقد الأول من القرن الراهن شكلت إسهامات البلدان العربية البحثية المنشورة حول تكنولوجيا النانو صفر في المئة... واحتلت إيران المرتبة التاسعة عشرة عالمياً. قال عالم سوري حضر مؤتمراً حول رياضات «فينمان»: «كان واضحاً تربع شابة إيرانية تلقت كل علومها داخل إيران على عرش ذلك المؤتمر». يفسر ذلك مرجعية كيسنجر في تغليبه خطر إيران المستقبلي على خطر داعش العابر (1)، فقلق الغرب الرئيس لم يكن من احتمال حصول إيران على قنبلة نووية، وخوف إسرائيل الأعمق لم يكن حتى من حيازتها لها، بل من نهضة علمية قد تفتح بوابات حقول التقانة العليا في ميادينها المتنوعة، من منهج سلوكي وتنظيمي يضع مؤسسات وهيئات المجتمع المدني في موقع المشرف والمصوب لأداء السلطات التنفيذية والتشريعية، وتجعل الدولة (الديمقراطية) عصية الانكسار على الضغط. لمنع حصول أيّ منهما في المنطقة، أقيمت دولة وظيفية بوعد اتسق مع سايكس - بيكو. دولة باتت مهددة بفقد وظيفتها إن نجحت إيران وعمت العدوى دول المنطقة. منطقي أن تعارض تلك الدولة توقيع الاتفاق، أن تراه بداية لمسار سيفقدها إن استمر نموه امتياز خدمة النظام العالمي لتغدو مكلفة بذاتها... ربما تراءى ذلك لنتنياهو كبداية لنهاية، فحاول جاهداً اعتراضها بالدولة اليهودية متجاوزاً عمق الصراع الداخلي الذي نشب حول هوية الدولة: ديمقراطية علمانية أم يهودية... بعد اغتيال رابين. هي حالة تبرر التساؤل: هل مقتنع نتنياهو أن الاستمرار على ما أسست عليه إسرائيل بات معوقاً؟

-2-


تتطلع الدول المتصدرة للنظم الرأسمالية لمستقبل لا تمتلك الدول المتخلفة أدوات ملامسته ناهيك عن صنعه. ومكرر جداً أنه مستقبل معاق بأزمة اقتصادية مزمنة تتفاقم مهددة النظام الرأسمالي بالانفجار على حد تعبير العديد من الباحثين (2). حل الليبرالية المتوحشة المقترح لتبريد مرجل الأزمة والحفاظ على المشروع، هو استسلام الشعوب والدول الأضعف لرغبات الأقوى بنهب ثرواتهم وإخضاعهم، وتدمير «المارقين» منهم.

هل نتنياهو مقتنع
بأن الاستمرار على
ما أسّست عليه إسرائيل
بات معوقاً؟

والحل الآخر الذي يقترحه مفكرون وأكاديميون وهيئات المجتمع المدني وقوى سياسية من خارج منظومة الليبرالية تلك، هو تهذيب ذلك المستقبل رجوعاً إلى المقولة الأميركية الشهيرة «عش ودع غيرك يعيش». يحتدم الصراع بينهما، والتشريعات التي اعتمدتها بعض ولايات الشمال الشرقي الأميركية حول البيئة نموذجاً، وكذلك اليونان.
الرؤية الإيرانية التي عبرت عنها الدكتورة ابتكار تشكّل تهديداً للثقافة الرأسمالية المتوحشة ولمشروعها الاستراتيجي. أمر لا يفوت رصده أحد المؤسسين لها، كيسنجر، فثقافة تطرح تعلم فن الحياة ستجذب الناس إليها، وربما تنقذهم من «ثقافة البؤبؤ» التي تقدمها لهم حضارة التوحش الرأسمالي، والتي تعزل الإنسان حتى عن أفراد أسرته ناهيك عن الطبيعة لتربطه بـ«أي باد Ipad». وستذكّر بصيرة تفضل الديمقراطية على حيازة سلاح نووي، برفض طلب تقدم به عشرات العلماء وعلى رأسهم «زيلارد» لوزير الدفاع الأميركي لمقابلة الرئيس الأميركي ترومان ليناشدوه وقف العمل في مشروع إنتاج قنبلة ذرية بسبب أهوال ستنتج من صناعتها. ستضفر تلك الرؤية جهد الكثير من هيئات المجتمع المدني لفضح الليبرالية المتوحشة التي تبخل على الضمان الصحي وتمدد سن التقاعد وتغدق على تطوير الأسلحة وتنمي «الفاشية اللينة» (3) ولا تكترث لتخريب البيئة وتهدد البشرية بولادة نظام فاشي كوني. فاشية استشفها جاك لندن في روايته «العقب الحديدية»، وقدم نموذجاً افتراضياً لها المخرجان السينمائيان، وودي ألان في فيلمه «الطاغية» وستيفان سبيلبرغ في فيلمه الرائع «ذكاء اصطناعي» (4).


-3-


«كان ياما كان»



في القرن الثاني عشر الميلادي وضع بديع الزمن الجزري مخططاً لمضخة ترددية، وصنع نموذجاً منها في بغداد رفع الماء لعلو عشرة أمتار. ووضع مخططاً لتحويل الحركة الترددية لدورانية (5). وكانت مكتبات حواضر عربية وإسلامية منارات علم وبحث (مكتبة بني عمار في طرابلس لبنان نموذجاً)، وكان أن ضرب طغيان الحكام وفكر الجبريين دعائم تلك القوة، فصدع الفساد البنيان كما جرذان سد مأرب وساد دعاة الجهالة أعداء فن الحياة، ودفع بطشهم بعض من اقتنوا كتباً في منازلهم لإتلافها أو طمرها في باطن الأرض كما تطمر الحنطة. لاحقاً دمرت مكتبة بني عمار وأسيل دم مكتبات بغداد. وخلال قرون تلت قول عمر الخيام: «لا تجادل السفهاء... لأن من شأنهم أن يصنفوا كل من ليس من عشيرة الحمير... بالمارق والكافر». اقتصر جل الاهتمام بالعلوم على ما يثبت سلطة «الخلفاء الطغاة». ربما كانت هزيمة الأسطول العثماني الساحقة عام 1571 في معركة «لوفانتو» هي من حرك السؤال في السلطنة وصولاً لطرح اجتثاث الاستبداد وبناء دولة ديمقراطية كحل لا بديل منه لتدارك الانهيار. حمل مدحت باشا راية ذلك في القرن التاسع عشر، لكن قوى الاستبداد العثماني ودول غربية حالا دون ذلك. خنقاً داخل غرفته في السجن قتل حامل الراية الذي وصفه بسمارك بأنه «أعظم العظماء اللذين أنجبتهم تركيا». وأفشلت محاولة محمد علي الذي تنبه باكراً لخطر الوهابية على كل ماله صلة بالتحديث والحداثة. ولاحقاً سمّم الكواكبي، ولاحقاً أيضاً قتل الديمقراطي مصدق رائد تحرير الثروات الوطنية في إيران والمنطقة من قبضة شركات الدول الاستعمارية وعلى يد عملاء بريطانيا. ولاحقاً رحّب حكام السعودية بضرب إسرائيل لعبد الناصر مؤمم قناة السويس، وصديق الإنسان البسيط: «ارفع رأسك عالياً يا أخي»، وبضرب سوريا التي قررت استثمار النفط وطنياً. في 1968 كتب إيجال آلون رداً عل فكرة رابين «الأرض مقابل السلام»: «لن نعود لحدود كنستها دماء جنود إسرائيل ونحن قادرون على هزيمتهم دائماً، فهم (العرب) لن يتمكنوا من حل مشكلة التعليم حتى لو ساعدهم الاتحاد السوفياتي». حول العلم والتعليم يدور الصراع مع قوى من خارج المنطقة... في داخلها ما زال كلام الخيام راهناً، في نهاية حرب حزيران 1967 صلى الشيخ شعراوي ركعتين شكرا لله على هزيمة الكافر عبد الناصر (6).

-4-


على بساط نسجه من قطن هندي جلس المهاتما غاندي وعلّم الهند والعالم فن الحياة وقدم لهما حلاً للخروج من جنون الكراهية الذي يستعر. أمام شعوب هذه المنطقة، عرباً وتركاً وفرساً وكرداً وأرمن... فرصة كي تضمن لنفسها وجوداً كريماً بعد نضوب النفط تتمثل بمشروع تشاركي جامع يخرجها من حفر الكراهية ويضعها في عربة ديمقراطية بوصلتها فن الحياة. يتطلب ذلك عشاق للحرية والعدالة سبق لتلك الشعوب أن أنجبت العديد منهم، وليس نخباً تتلون كما الحبار وتتجر بالأوطان من أجل حفنة من الدولارات وبقعة ضوء. ثمة فرصة، وثمة من قال: «إضاعة الفرصة غصة».

الهوامش:

1ــ إيران خطر جيو ــ سياسي و«داعش» خطر عابر. هنري كيسنجر، «الحياة»، 10-9-2014
2ــ لم يتردد أحدهم باستعارة مصطلح الانفجار الكوني الأعظم «بيغ بانغ» لتوصيفه.
3ــ راجع «الذبابة والمستحاثة والضفدع»... مجلة «شرفات الشام»
4ـ راجع «السينما تزيح الأفق من مكانه»... «شرفات الشام»
5ــ وثّق ذلك ستة أساتذة من جامعة أركنساس في الولايات المتحدة في كتاب أصدروه حمل عنوان: «عبقرية الحضارة العربية الإسلامية».
6ــ راجع: الإخوان أسقطوا الوسطية والليبراليون الجدد التشاركية وداعش إلى قمة جبل العنف... «بيت العودة للبحث والخيارات»
* كاتب سوري