تظهر مؤشرات وتصريحات صدرت في الآونة الأخيرة ان المواجهة مستمرة بين إيران والمملكة العربية السعودية في المنطقة. وستكون اكثر قساوةً بعد الاتفاق النووي عما كانت عليه قبله. ويبدو ان لبنان يشهد اول احتدام لهذا الصراع كون حزب الله هو اداة اساسية، عسكرية وسياسية، للجمهورية الاسلامية وقد توسّع دوره وحضوره ليمتد من حدود جبال طوروس شمالاً حتى المحيط الهندي جنوباً. ومن بحر الخليج شرقاً حتى البحر المتوسط مروراً بالبحر الاحمر.


من المؤشرات الاساسية لاحتدام المواجهة في لبنان استقبال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وكبار قادة المملكة لرئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في لقاء لم يكن مدرجاً على جدول لقاءات هذا الاخير خلال زيارته الاخيرة للملكة العربية السعودية. أما في التصريحات، فأبرزها كلمة امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الاخيرة التي دعا فيها تيار المستقبل الى التحاور مع العماد عون «كي لا يضيع البلد». كما وجّه تحذيراً الى «بعض وسائل الاعلام» (التي يعتبرها الحزب مموّلة او موجّهة من قبل تيار المستقبل وفريق 14 آذار عموماً) التي تعمل على «تشويه حزب الله وقادته ومجاهديه...». وهذا التشويه بحسب السيّد «هو للاغتيال المعنوي»! رد رئيس كتلة المستقبل النيابية فؤاد السنيوره أتى على مستوى تحذيرات السيّد واتهاماته. فاتّهم حزب الله بالوقوف خلف «محاولة الانقلاب» الذي ينفذّه التيار الوطني الحرّ على الدستور والحكومة.
السؤال لماذا تحتدم المواجهة بين المملكة وايران بعد «تطبيع» الدول الغربية علاقاتها مع هذه الاخيرة بعد الاتفاق النووي؟
لا شك ان العالم العربي «السنّي»، الذي تقوده المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة هو اوّل الخاسرين من الاتفاق النووي الايراني. فالاتفاق محصور بملف إيران النووي فقط. ولا يتطرّق الى نفوذها ولا الى سياستها في الشرق الاوسط. وقد أكدّ ذلك الرئيس الاميركي باراك اوباما بعد ساعات من توقيع الاتفاق في مقابلة اجراها معه الصحافي توماس فريدمان ونشرتها جريدة «نيويورك تايمز». من جهته اكّد المرشد الاعلى للثورة الايرانية السيّد علي خامنئي ان ايران مستمرة في دعم حلفائها في العراق وسوريا واليمن والبحرين وفلسطين ولبنان. ما يعني أن شيئاً لن يتغيّر في الصراع على النفوذ في المنطقة، وبنود الاتفاق لا تجبر ايران على الانسحاب من العالم العربي. لا بل ان الاتفاق سيزيد من قدراتها المالية والاقتصادية لتتوسّع اقتصادياً وسياسياً في عوالم جيوسياسية اخرى مجاورة لها مثل القوقاز وآسيا الوسطى (حيث ستكون المواجهة مستقبلاً مع تركيا وروسيا). كيف؟
لقد اصبح معلوماً ان الاتفاق ينصّ على تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة خمسة عشر عاماً، على ان ترفع في المقابل عن ايران جميع «العقوبات الاوروبية بشكل فوري، والاميركية بعد نظر الكونغرس فيها، والدولية تدريجياً...» علماً ان العديد من رؤساء الشركات الاميركية والاوروبية يناقشون منذ اشهر في طهران استثماراتهم المستقبلية. ومن شأن هذه الاستثمارات تطوير الاقتصاد الايراني ولحاقه بركب الدول الاقتصادية الكبرى نظراً للموقع الجيوستراتيجي لايران وقدراتها البشرية وفي مجال الطاقة. بالتالي، اذا ما اردنا إضافة كلمات الى اسم الاتفاق، فيمكن القول بأنه «الاتفاق النووي واستعادة ايران قوّتها الاقتصادية». هذا لا يعني ان الجمهورية الاسلامية ستتحوّل في الغد القريب إلى قوة اقتصادية اقليمية او عالمية. ولكن بالتأكيد ستصل الى هذه المرتبة في المدى المتوسط والبعيد. ما سيزيد من قدراتها المالية. وهذا سيؤدي حتماً الى زيادة حجم «استثماراتها» العسكرية والسياسية في المنطقة. وهي كانت قد نجحت في إقامة هذه «الاستثمارات» وتطويرها خلال العقود الثلاثة الاخيرة بالرغم من تزايد الضغوط السياسية والاقتصادية ضدها. فكم بالحري بعد ازالة الحصار الاقتصادي عنها وعودتها الى منظومة العالم الاقتصادية واستعادة انتاجها ما يمكن لآبارها انتاجه من النفط والغاز، وتطوير بناها التحتية في مجال الطاقة، وتطوير بناها التحتية في مختلف المجالات الاخرى...؟!
الاتفاق هو اذاً انتصار، ولو جزئياً، لايران (كونها علّقت تخصيب اليورانيوم مرحلياً) وانتصاراً للدول الخمس زائداً واحداً التي فاوضتها (والتي ستحصل على حصة الاسد في الاستثمارات في ايران). أما باقي الأطراف المعنية بهذا الملف فكانت الخاسر الأكبر. وهذا امر طبيعي في مجال الدبلوماسية، فالغائب عن طاولة المفاوضات يخسر. والدول العربية كانت الغائب الأكبر رغم أنها المتضرّر الاوّل من برنامج ايران النووي الذي رسّخ منذ اكثر من عقد من الزمن، قوة ايران الاقليمية. أما الغائب الثاني عن طاولة المفاوضات فهو اسرائيل بسبب الخلاف العميق بين رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو وادارة الرئيس باراك اوباما. يمكن لتل أبيب التعويض من خلال شبكة علاقاتها القوية في الكونغرس الاميركي ذات الغالبية الجمهورية الذي سيصوّت على الاتفاق. وستحصل ربما على ضمانات اكبر من الادارة الاميركية وعلى حزمة من المساعدات، العسكرية وغير العسكرية. أما الدول العربية فلا حول ولا قوة لها، فهي غارقة في صراعاتها وازماتها الداخلية. «مصرُها» تتعرّض لاهتزازات امنية غير مسبوقة وتتخبّط في ازمة اقتصادية عميقة. و«عراقُها» مقسّم الى دول ثلاث، يسيطر على احداها تنظيم اصولي تكفيري. و«شامُها» غارقة في وحول الصراعات الداخلية وارهاب المنظمات التكفيرية وصراع الدول على ارضها. و«يَمَنها» يقسّم من جديد، وتُرسم حدود دولتيه، او دوله، الجديدة بدماء ابنائه. أما دول الخليج فقد طاولها النفوذ الايراني من خلال الجماعات الشيعية فيها. ولم يبق في «الميدان» سوى المملكة العربية السعودية التي تُستنزف في الصراع اليمني الطويل.
أمام هذا الواقع الجيوسياسي المأزوم لا يمكن للمملكة سوى الاستمرار في المواجهة ضد النفوذ الايراني بانتظار تحسّن ما في الوضع العربي، وبخاصة في مصر. ولبنان هو احدى الساحات الاساسية حيث المواجهة نوعاً ما متكافأة، كونها مواجهة سياسية. لذلك قرّر الملك في اللحظة الأخيرة استقبال الدكتور سمير جعجع الذي زار المملكة بعد ايام على توقيع الاتفاق النووي. فـ«الحكيم» هو ابرز رجالات هذه المواجهة في لبنان بوجه حزب الله. وهو يخوضها منذ عام 2005 من دون انقطاع ومن دون مهادنة، وليس كما فعل غيره في مراحل مختلفة. ولذلك ايضاً كان ردّ الرئيس السنيورة القاسي على كلام السيّد حسن نصرالله التحذيري على رغم جلوس الطرفين الى طاولة حوار يشارك فيها قادة من المستقبل والحزب.
المواجهة الايرانية ــ السعودية عسكرية في العديد من بلدان المنطقة ولكنها لا تزال سياسية في لبنان. ولكن السؤال كيف لهذه المواجهة ان تستمر «سياسية» وان لا تنزلق الى صراع داخلي مسلّح في دولة تحتضر بفعل شغور موقع الرئاسة الاولى، وعدم التئام المجلس النيابي، واختلاف الوزراء على آلية عمل الحكومة؟! الله يستر.
* باحث وأستاذ جامعي