سيجد الهجاؤون من الطرف الطائفي المقابل ـــــ الشيعي أو الكردي ـــــ مادة دسمة لهجائهم في التصريحات الصادمة التي أدلى بها رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي من واشنطن. لكنّهم سيتناسون طبعاً أنّ أول من هدد وخطط ونادى بإنشاء إقليم اتحادي قائم على الانتماء الطائفي في العراق، هو حزب إسلامي شيعي معروف الاسم والتاريخ والارتباطات. إنّه حزب المجلس الأعلى بقيادة الحكيم الأب، ومن ثم الابن. وحين نبذ الجمهور ـــــ في الجنوب والوسط خصوصاً ـــــ هذه الدعوة، وتحوّل الحزب الذي نادى بها إلى مجرد قوة هامشية ومعزولة، أدرك البعض أنّ الخلل لم يكن في مواصفات خاصة أو برنامجية لأصحاب مشروع الأقلمة، وهي الصيغة المخففة لعبارة «دويلات الطوائف»، ولا في مؤامرة خارجية مزعومة، بل في مواد الدستور الاحتلالي. دستور أشرف على دَسْتَرَتِهِ الخبيران الأميركيان، فيلدمان المعروف بصهيونيته، وغالبريث الذي بلغت فضيحة تلقيه رشى ضخمة من الزعامات الكردية العراقية مقابل دسه لمواد دستورية خطيرة تصب في مصلحتها، محاكم لندن والصحافة العالمية.

في هذا الدستور تبيح المادة 119 لكل محافظة عراقية إنشاء إقليم شبه مستقل. الإجراءات لتحقيق ذلك أكثر من سهلة، فلا يتطلب الأمر سوى دعوة عُشر الناخبين أو ثلث أعضاء المجلس المحلي في أية محافظة أو مجموعة محافظات، إلى إقامة الإقليم، ليُجرى الاستفتاء عليه. هنا في هذا الدستور الملغوم نجد ما يمثّل الخطر الأكبر على وحدة العراق ومستقبله. وبناءً على هذا، يمكننا تفسير تصريحات أغلب المسؤولين والبرلمانيين والكتّاب الذين علقوا سلباً أو إيجاباً على تصريحات النجيفي الأخيرة، فاتفقوا جميعاً على دستورية هذه التصريحات، ثم كرروا مخاوفهم وهواجسهم بصيغ إنشائية سطحية شتى! قد يقول البعض بأنّ دستورية المطالبة بإقامة إقليم اتحادي، لا تعني السماح بإقامته على أساس طائفي أو قومي، بل على أساس جغرافي. وهذا قول صحيح شكلاً، أما الأكثر دقة فهو القول إنّ الدستور لا يدعو إلى السماح بقيام إقليم اتحادي على أساس طائفي أو قومي، ولكنّه أيضاً لا يمنعه بالنص. فها هو إقليم «كردستان» قائم على أساس قومي، كأمر واقع. هناك مَن ربط بين تصريحات النجيفي من واشنطن، وصعود احتمالات تأليف حكومة أغلبية تهيمن عليها الأحزاب الإسلامية الشيعية، بقيادة المالكي والقومية الكردية بقيادة الثنائي بارزاني وطالباني. وفُسِّرَت تصريحات النجيفي بأنّها تعبير عن الخوف من الإقصاء والتهميش ضد مكونات قائمة علاوي السنية واقعاً، وتجمع النجيفي من بينها. هذا الربط قد لا يبدو مستبعداً تماماً، ويمكن أن نرى فيه خيطاً واضحاً لهواجس طائفية تشي برفض الأمر الواقع الجديد الذي أوجده الاحتلال وفقدت بموجبه فئة طائفية معينة امتيازاتها القديمة لمصلحة فئة أخرى، وبدأت تشعر بأنّها تعامل معاملة «المواطنين من الدرجة الثانية»، كما قال النجيفي حرفياً. إنّ الاتهامات بالإقصاء والتهميش واقعية وحقيقية، وهي أمر متوقع من زعامات طائفية في الجهة المقابلة. غير أنّ تحديها والوقوف ضدها لا يكون بتبني الموقف الطائفي المضاد الذي لن يؤدي إلا إلى الضمور والانكفاء والهجرة، بل يكون بتبني الموقف الوطني العلماني الفاقع، والمنادي بالمساواة بين جميع العراقيين، وإعادة كتابة الدستور الاحتلالي من جديد وعلى نحو شامل.
غير أنّ هناك ربطاً آخر يلوح، أقوى وأعمق من الربط بين تصريحات النجيفي وحكومة الأغلبية، وهو الذي يربط بينها وبين جلاء قوات الاحتلال نهاية العام الجاري خصوصاً بعد أنْ ساد شبه اتفاق علني على الأقل ـــــ يستثنى منه الطرف الكردي ـــــ على رفض التمديد لبقائها. صدرت بيانات جازمة من أحزاب عدّة ترفض التمديد. الواضح أنّ هذه التطورات رجحت كفة ميزان رافضي التمديد، الأمر الذي سيعني أنّه سيكون في موعده، مع أنّ الباب ظلَّ موارباً حتى من قبل المالكي بخصوص ضرورة بقاء قوات أميركية، تتولى الفصل بين مكونات ما يسميه الكرد «مناطق متنازع عليها»، وأهمها محافظة كركوك النفطية. وربما اضطر المالكي إلى طلب مساعدة «الأصدقاء الأميركان» في ميدان حماية الأجواء العراقية والحدود، كما سرَّب أحد المقربين منه.
إنَّ احتمال جلاء غالبية القوات المحتلة سيعضد احتمال قيام حكومة أغلبية، وهذا ما يثير هواجس طائفية عبّر عنها النجيفي، وأخرى قومية يعبّر عنها يومياً المسؤولون الكرد، المطالبون ببقاء قوات الاحتلال إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً!
النجيفي في تعبيره عن تلك الهواجس وجه لطمة معنوية ومادية شديدة للوحدة الوطنية المفترضة، ولشعارات الهوية العراقية المنسجمة المزعومة التي يتغنى بها الجميع في قاعات الاجتماعات وعلى منصات الخطابات الرسمية. كذلك ألحق بمكون العرب السنة بعامة، لوثة الأقلمة والتقسيم السيئة السمعة، بعد أن كانوا براء منها وأشد مناهضيها. ما يضاعف مشاعر الأذى والانزعاج لدى جمهور مناطق غرب العراق العربي وشماله أنّ هذه المناطق معروفة بسيادة الفكر والتراث القوميين العروبيين، منذ عقود. كذلك، «العرب السنة» ليسوا مكوناً طائفياً هامشياً وضعيفاً لا دور له، بل يشهد تاريخ العراق المعاصر أنّهم هم بناة الدولة العراقية المعاصرة وقادتها، وخصوصاً بعد أن قررت المرجعيات الإسلامية الشيعية مقاطعة هذه الدولة الفتية في العشرينيات من القرن الماضي، بذريعة تبعيتها للاستعمار البريطاني غير المباشر. والنجيفي ذاته، لم يكن منسجماً في تصريحاته تلك مع نفسه وتراثه العائلي، ولا مع مدينته. فهو من أسرة ثرية ومعروفة اجتماعياً واقتصادياً على نطاق واسع في الموصل. صحيح أنّها لم تنجب رجال دولة وسياسيين وعسكريين معروفين، لكنّ تأثيرها في ميدان التجارة والعقارات كان كبيراً على مرِّ العهود، وقد عرفت بسمعتها العروبية الحسنة، ولم تتلوث بمجازر الدكتاتورية البعثية الصدامية قبل الاحتلال.
بعد يوم على إدلائه بتصريحاته هذه، تنصلت منها قائمة علاوي بعبارات قوية، وانسحب أحد النواب من كتلته احتجاجاً. ثم جاءت محاولة قيادة التجمع تبريرها، والقول إنّ زعيمها كان يقصد العكس ويحذر من قيام الإقليم. بعد هذا كلّه توقع الكثيرون أنْ يتراجع صاحب التصريح خطوة إلى الوراء، أو أنْ يزعم تحويراً لتصريحاته من الصحافة، كما اعتاد السياسيون أن يفعلوا، ولكنّه فاجأ الجميع بإصراره على مضامين تصريحاته السابقة، وزاد عليها. لقد كررها ثانية في اليوم التالي، وطالب بوضع الحلول لما سماه التجاوزات والتهميش ضد «أبناء السنة». هذه العبارة التي تتكرر في أدبيات تنظيم القاعدة، تترك مشاعر معينة لدى سامعها العراقي، وتوحي بدلالات مؤسفة. أكثر من ذلك، إنّ النجيفي استخدم كلمة «الانفصال»، لا «تشكيل إقليم»، وتلك كلمة يخشى حتى الساسة الكرد استعمالها، لأنّها غير دستورية. وقد حاول أحد مساعديه، النائب محمد الخالدي، تبريرها لجريدة «الشرق الأوسط» السعودية في 30/6/2011 بزعم أنّ رئيسه لم يقصد تلك الكلمة مع أنّه قالها، ولكنَّ تبريره ظل دون نجاح يذكر.
إنّ مشروع إقامة «الإقليم السني» ليس جديداً تماماً، فقد بذلت جهود سياسية وتنظيمية خلال السنوات القليلة الماضية، مِن قبل مَن وصفوا برجال أعمال عراقيين من المنطقة الغربية، يقيمون في الأردن، لإقامة «الإقليم السني» في تلك المنطقة، ولكنَّ الجميع كان ينفي تلك الأنباء والتسريبات أو يتنصل منها. الواضح الآن، أنَّ إصرار النجيفي على فكرته وإطلاقها علناً من واشنطن، وبشكل مطالب واجبة التنفيذ، ستعطي لمحاولات رجال الأعمال السالفة الذكر دفعاً جديداً أقوى، وزخماً إضافياً. ولكن هل يعوّل هؤلاء حقاً على الإدارة الأميركية، مثلما عوَّل عليها الكرد؟ وماذا سيكون الثمن الذي ستطالبهم واشنطن به، لقاء تحقيق رغبتهم الانفصالية الطائفية تلك؟ هل ستطالبهم بجعل إقليمهم محمية فعلية لقوات الاحتلال؟ وهل هناك إجماع أو شبه إجماع في مناطق غرب العراق وشماله على تلك المطالب، أم أننا سنشهد اقتتالاً بين دعاة الإقليم الطائفي والتيارات الوطنية والعروبية ذات الحضور الجماهيري الكاسح في تلك المناطق؟ تلك أسئلة لم تعد مبكرة، أو مبالغاً في دلالاتها بعد اليوم.

* كاتب عراقي