بعد أربع سنوات من الحرب يمكن القول إنّ محصلتها الواضحة ستكون انتصار الدولة السورية بجيشها وشعبها وقيادتها. وهذا النصر يعود إلى العوامل التالية:

أولاً، أنّ الدولة السورية خرجت متماسكة بمؤسساتها وحكومتها ولم تتعرّض للانهيار رغم الحروب المتشعبة والهجمات العاتية التي تتعرّض لها البلاد. فبعد انشقاقات دبلوماسية وعسكرية لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة في ٢٠١١ و٢٠١٢، ها هي الدولة السورية بعد سنوات بحكومتها وقيادتها السياسية والعسكرية وقطاعها العام ومؤسساتها فاعلة ومتماسكة ومستمرة.

ثانياً، إنّ نسبة ثمانين في المئة من سكان سوريا تقيم في مدن ومحافظات وأراضي خاضعة للسطة السورية المركزية بما فيها مدن سوريا الكبرى. وحتى أولئك الذين نزحوا إلى لبنان بسبب الحرب نجدهم يزحفون بالألوف إلى السفارة السورية للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في بلادهم ما فاجأ الجهات السياسية اللبنانية والعربية التي كانت تعوّل على النازحين لتأليبهم ضد دولتهم.
ثالثاً، أنّ المناطق التي تمدّد فيها المسلحون والمرتزقة الآتون من ثمانين دولة هي أراض طرفية أو صحراوية أو خالية من السكان وخصوصاً في الشمال الغربي مع حدود تركيا وفي الشرق مع حدود العراق. فعلى رغم الدعم الهائل والترويج الإعلامي غير المسبوق لتنظيم داعش والإصرار على تسميته «الدولة الإسلامية» وتسمية الدولة السورية «النظام»، فإنّ الوقائع في تدمر والجزيرة السورية وفي الأنبار أثبتت أنّ هؤلاء المرتزقة زوبعة في فنجان وأنّ انتشارهم هشّ وسطحي في أفضل أحوالهم وحتى في الرقّة.
رابعاً، أنّ سوريا انتصرت على تركيا وقطر. فبعدما وعدت أنقرة والدوحة أميركا أنّ المسألة ستنتهي خلال شهرين عام ٢٠١١ ثم تغيّر وتقلّب موعد السقوط مراراً طيلة ٢٠١٢. فصمدت سوريا وانكفأ هؤلاء وفقدوا ثقة واشنطن. فلنقارن اليوم أحلام اليقظة التي أصابت رؤوس أردوغان وداوود أوغلو وعبدالله غول عام ٢٠١١ عن «عودة السلطنة العثمانية» و«الباب العالي»، وضياعهم اليوم في مواجهة تفكك الجبهة الداخلية التركية وضعف نتائج الانتخابات وإعادة تركيا إلى حجمها الحقيقي كدولة تابعة للسياسة الأميركية في المنطقة. ولنقارن غطرسة أمير قطر حمد بن خليفة وشقيقه حمد بن جاسم تجاه سوريا واللهجة الحاسمة التي نطقا بها عام ٢٠١١ والدرك الذي وصلته محطتهما «الجزيرة» في التحريض الطائفي، وأين هما اليوم (فعلاً أين هما؟) وأين أصبحت محطتهما.
خامساً، أنّ سوريا انتصرت على السعودية. فبعد هزيمة قطر وتركيا وفشل مخطط أميركي لضرب سوريا تحت ذريعة الكيماوي الكاذبة قام الأمير بندر بدفع جحافل مغولية جديدة عام ٢٠١٤ وأبرزها داعش وشذاذ الأفاق يعاونه دبلوماسياً وإعلامياً الأمير سعود الفيصل. فتعاون الجيشان السوري والعراقي في دحر هذه الجحافل البدائية ووضعاها عند حدّها. ففقدت الرياض ثقة الولايات المتحدة في تنفيذ مخطط اسقاط سوريا ليحصل تغيير كبير في القيادة السعودية فذهب بندر وسعود الفيصل وجاء ملك جديد وطاقم جديد يركّز على... اليمن. وفي النهاية لا بديل من تعاون الرياض مع دمشق لتدعيم الوجود العربي في االمنطقة وتصويب البوصلة نحو القضايا المشتركة.
سادساً، إنّ سوريا حصّنت نفسها إقليمياً ودولياً بسلسلة تحالفات منذ بدء عهد الرئيس الحالي بشار الأسد، مع حركات المقاومة في لبنان وفلسطين ومع الدولة العراقية عربياً، ومع محور البريكس وإيران دولياً وصولاً إلى دول مهمة في آسيا وأميركا اللاتينية. ولقد أثبتت الأيام كذلك أنّ الدول العربية ذات التوجّه الجمهوري قد وجدت نفسها إلى جانب سوريا، بشكل واضح كالجزائر أو بدرجات، كمصر وتونس واليمن ولبنان. فلنقارن إعلان الرئيس الإخواني محمد مرسي الجهاد للقضاء على الحكم في سوريا وتصاعد أصوات كثيرة في القاهرة اليوم لصالح الدولة السورية وعدم انجرار مصر في اليمن والعراق. لقد أعاد صمود سوريا وعدم سقوطها الثقة بالذات لأشقائها العرب وسيكون هذا الصمود عاملاً رئيسياً في عودة التضامن العربي.
سابعاً، إنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي داخل سوريا وفي أوساط النازحين السوريين في لبنان وتركيا والأردن هو مأسوي. ولكن الرهان على انهيار سوريا اقتصادياً واجتماعياً لم يتحقق. فثمّة تهويل بأنّ إعادة إعمار سوريا سيستغرق عشرات السنين، في حين أنّ سوريا ستشهد مرحلة إعمار كبرى ونسبة نمو قد تناهز ٣٠ في المئة سنوياً منذ العام الأول بعد نهاية الحرب. وستكون بيروت منطلقاً مهماً لورشة الإعمار السورية، أكان عبر تمويل القطاع المصرفي اللبناني لمشاريع البنية التحتية في سوريا أو في رسم خطط الإعمار في شركات الهندسة والتخطيط اللبنانية أو في شركات النقل البري والبحري للبضائع والمعدات المدنية. وثمّة أطنان حبر للمقالات وآلاف التقارير التلفزيونية عن حرب أهلية مزعومة في سوريا مع خرائط تقسيم وعن حتمية هذا الأمر، وكل هذا كذب وهراء. ذلك أنّ الشعب السوري نشأ على نهج تربوي وطني منذ عشرات السنين وليس على نهج طائفي كلبنان. وفي كل مكان داخل سوريا يقوم الشعب السوري بكل أطيافه بعون الجيش ضد الإرهاب المسلح والغزو الخارجي المتعدد.
وأخيراً إنّ هذه الأسباب السبعة مبنية على وقائع اليوم ولكنّها لا تلغي حقيقة أنّ أهداف الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة لا تتغيّر وستستمر وفي مقدمها القضاء على أي مسعى عربي سيادي في سياسة النفط وفي الصراع العربي الاسرائيلي وفي الهيمنة المطلقة على العرب وثرواتهم في هذا العصر النيوليبرالي.
ذلك أنّ فشل الخليج وتركيا وإسرائيل في إسقاط الدولة السورية رغم الحرب الكونية الكبرى التي يخوضونها ضد دمشق منذ صيف ٢٠١١، هو فشل أميركا نفسها... أميركا التي لا تغيّر سياستها الدائمة ستعود دائماً بمشاريع هيمنة جديدة.
* أستاذ جامعي