سأضع جانباً رأيي في توظيف الانتفاضة السورية نفطياً، وفي انقسام الشارع حولها «طوائفياً». وهذا أمر ضروري، لأنّ حضور السياسة هنا سيفسد التموضع الفطري إلى جانب مي ويمّ وريما وغيفارا وساشا وأحمد ومحمد وإياد ونضال، وباقي الرفاق. هنا يجب أن تحضر الأخلاق أولاً وأخيراً. وألف باء الموقف الأخلاقي هو أن نتضامن معكم ضد نظام استدعى بالأمس فقط زملاء لكم ليشهدوا على أنّ حواره ليس حوار الدبابات فحسب. طبعاً ما حصل معكم قد جبّ تماماً ما قبله، إلا إذا كان عباس النوري وبسام كوسا يعتقدان غير ذلك. وما حصل بالضبط أنّ موقف معظمكم المعلن لم يعد تماماً كذلك. هو اليوم موقف أخلاقي مسنود بآلية أخرجت رمزيته من حيّز التداول النخبوي، إلى حيّز آخر أكثر حرية ورحابة. هذا الحيّز هو الذي نفتقر إليه اليوم، أو إذا شئتم نفتقر إلى وجودكم فيه. فرغم كلّ الزخم الذي أحدثته «ميادين» الانتفاضة المتعددة، لا يزال الفراغ موجوداً بكثرة. فراغ ملأتموه جزئياً بالأمس.


ولم يكد يمتلئ حتى فرغ من جديد. وعملية التفريغ تلك مقصودة لذاتها، لأنّ بنية النظام لن تسمح بفعل يعيد إنتاج الانتفاضة ويملأ فراغاتها ويحدّ من «تآكل شعبيتها». كيف يمكن أصلاً لنظام ذي بنية تجزيئية أن يسمح لأفراد ينالون إجماعاً شعبياً بأن يدلفوا إلى «الميدان»؟ هذا كابوس حقيقي بالنسبة إلى ذات سلطوية، لم تعتد أن يخرج أيّ منّا عن سرديتها النمطية. سردية لا تكره الإجماع، إلا إذا كان في مواجهتها، ولا تحتمل وجود أفراد يصرخون في وجهها: «هذه سوريا العظيمة لا سوريا الأسد» (هكذا تحدثت مي سكاف مرّة). ما هذه الشجاعة يا مي؟ كثيرون يقولون ذلك، لكنّهم لا يجرؤون على إشهاره علناً كما فعلت. أتحدث هنا عن النخب طبعاً، لأنّ الشارع قد تجاوز تلك الحافة منذ زمن. تجاوزها، لكنّه لم يقع في الهاوية، وتلك هي عبقريته الحقيقية. لا يزال قادراً على أن يحفظ توازنه، رغم الوحشية التي ووجهت بها تحركاته (وردّ عليها أحياناً «بمثلها»). هذا الشارع اليوم استعاد حيويته. هو لم يفقدها أصلاً، لكن الجرعة التي أتته منكم كانت مضاعفة. ظن أنّه يحتضنكم، لا العكس. والعكس يفيد أنّكم أنتم من احتضنتموه. كان يحتاج إلى وعاء مماثل، كي تفيض حيويته على مساحة دمشق كلّها ، لا «الميدان» فحسب. وهذا بالضبط ما أرعب النظام. كلّ المساحات التي «أمّمها» المتظاهرون (وخصخصوا بعضها أيضاً!) في كفّة، ودمشق في كفّة أخرى. ودمشق لن تخرج إلا إذا خرجت نخبتها. ولذلك تحديداً، انتظروكم في «الميدان». لم يعلموا أنّهم خسروا الجولة. وخسارتهم اليوم مضاعفة. فالاعتقالات هذه المرة لن تمرّ كما مرّت سواها. والسبب في ذلك أنّ من طاولتهم رموز عامّة. رموز سينبني على اعتقالهم إجماع عابر فعلاً للطوائف والطبقات والمناطق. حتى الآن لم يحصل ذلك مع أكثر من عشرة آلاف معتقل. وإذا حصل اليوم فسنكون فعلاً على الطريق الصحيح لتصويب الانتفاضة، وتفكيك بنيتها «المذهبية». دعونا «نستغلكم» قليلاً، فبدون هذا «الاستغلال» لن يكتب لموقفكم الأخلاقي أن يعيش طويلاً. نحن اليوم في سباق مع الوقت. إذا لم نوظّف أوراقنا جميعها في الضغط على النظام، وإجباره على تقديم التنازل تلو الآخر، فسيعود من جديد ليبني «شرعيته» التي تآكلت تدريجياً. شخصياً لا أريد لهذه «الشرعية» أن تعود. لقد حاول اللقاء التشاوري الأخير أن يرمّمها جزئياً، لكنّه فشل في ذلك. ومواجهتكم بهذا الكم من العنف بعد يوم فقط من انفراط عقد اللقاء، تؤكد أنّ النية كانت معقودة مسبقاً لحصول ذلك، أي لحصول ما يثبت أنّ اللقاء كان لقاءً للاستهلاك الداخلي والخارجي فحسب. تخيلوا معي هذا المشهد: نظام «يحاور مثقفيه» في مجمع صحارى الفاخر، ويسجنهم ويضربهم بالهراوات والعصيّ في حيّ الميدان الشعبي الفقير! أيّ مفارقة تلك. مفارقة بحاجة إلى عقل حقيقي لتفكيكها. لكن أيّ عقل: عقل ماركس أم عقل كافكا؟
* كاتب سوري