تتراوح التحليلات في النظر إلى الاتفاق الدولي حول القدرات النوويّة الإيرانيّة بين حكم رئيس وزراء العدوّ الذي فصل بأن الاتفاق يشكّل تهديداً «وجوديّاً» لإسرائيل، وبين جيش معلّقي أنظمة الخليج الذي يعيب على الاتفاق أنه يقدّم تنازلات جمّة وهائلة إلى أميركا والعدوّ الإسرائيلي. وبين هذيْن الحكميْن المتناقضيْن، تندرج معظم التعليقات خصوصاً العربيّة. لكن الحكم على الاتفاق مرهون بسنوات من تطبيقه، كما أنه مرهون بتطوّرات سياسيّة قد تقضي عليه في مدّة زمنيّة غير طويلة.


مَن يذكر الاتفاق الذي أعلنه بيل كلينتون عام 1994، والذي تضمّن «تجميد» البرنامج النووي الكوري الشمالي، كما انه مهّد —بحسب كلام كلينتون— لشبه جزيرة كورية خالية من السلاح النووي؟ وكان الاتفاق يتضمّن تفتيشاً دقيقاً للمنشآت النوويّة الكوريّة، ويمدّ كوريا الشمالية — في المقابل— بمساعدات تجاريّة وإزالة للعقوبات المفروضة عليها. لكن مسار الاتفاق لم يكن كما رُسم له. خلفت الإدارة الأميركيّة بوعودها وتملّصت الحكومة الكوريّة الشماليّة من الاتفاق وزادت الحكومة الأميركيّة من حزمة العقوبات المفروضة عليها. وعليه، لا يمكن اليوم البتّ بمصير الاتفاق والفصل القاطع في الحكم عليه، خصوصاً أن مساره محكوم ليس فقط بمجريات التطبيق وإنما أيضاً بتطوّرات سياسيّة أميركيّة وإيرانيّة قد تحدّد مصيره، فشلاً أو نجاحاً.
سارعت أبواق أنظمة النفط والغاز بالحكم على الاتفاق بأنه سلّم كل ما لدى إيران من قوّة إلى الحاكم الأميركي والحليف الإسرائيلي. ووسم ردّ فعل أبواق أنظمة الخليج مفارقة: أخذ هؤلاء على الاتفاق أنه قدّم تنازلات مهمّة إلى الإدارة الأميركيّة كأن أنظمة الخليج في موقع الحكم على موضوع التنازلات للإدارة الأميركيّة، أو كأن أنظمة الخليج باتت فجأة حريصة على كرامة وعزّة المفاوض الإيراني تجاه أميركا. لكن الإعلام الخليجي ليس هو المكان الذي يمكن الركون إليه في مسألة مناقشة موضوع الاتفاق: وهي تحكم بالعكس بين يوم وآخر عندما يأتي الأمر الأميري. وأبواق أنظمة الخليج تجزم ان الاتفاق خدم أعداء العرب والإسلام، فيما يهرع مسؤولو تلك الدول إلى أميركا من أجل التعبير عن حالة الذعر التي سادت في أوساط تلك الأنظمة على إثر توارد أخبار وشوك الاتفاق، أي ان هناك هوّة تفصل بين حكم أبواق أنظمة الخليج وبين حكّام أنظمة الخليج في النظر إلى الاتفاق. لكن النفاق سمة ثابتة: فحكّام الخليج يطلقون العنان لأصوات الذعر من الاتفاق —ومن منظور وعكسه— فيما يجاهر حكّام الخليج بعد لقاءات مع مسؤولين أميركيّين بدعم الاتفاق والإطراء على مساعي الحكومة الأميركيّة —الحميدة دوماً. وزير الخارجيّة القطري لم يحتج إلى أكثر من ساعة من اللقاء مع جون كيري كي يعلن أنه أفضل الخيارات المتاحة.
والاتفاق النووي لا بنود سريّة فيه غير الأحكام التقنيّة التي تتعلّق بآليّة النظر في خروقات أو في فحص عيّنات التربة في مواقع معيّنة. لكن الاتفاق سيُحمّل ما حُمّلت اتفاقيّة «سيناء» في صيف 1975، والتي تضمّنت بنوداً سريّة، والتي نجحت —بالمقياس الإسرائيلي— في تحقيق إنجازات لم تكن الاتفاقيّة متعلّقة بها شكلاً أو عنواناً. لكن الأحكام السريّة ستكون عنوان التعليق على الاتفاقيّة في الإعلام العربي، لأن مدرسة نسب المشاكل والمصائب إلى العدوّ الإسرائيلي —وهي مدرسة حكيمة في الثقافة السياسيّة العربيّة— خلفها مدرسة نسب المشاكل والمصائب العربيّة — كلّها من دون استثناء— إلى النظام الإيراني وحده. (وليس بروز المدرسة الثانيّة وما تؤدّيه من خدمات جليلة للعدوّ الإسرائيلي من باب الصدفة بل هو جزء من الحلف الوثيق بين النظام السعودي وبين العدوّ الإسرائيلي). لكن تطبيق الاتفاقيّة ومسارها (أو تطويرها خصوصاً بعد مرور العقد الأوّل من مدتها أو ما بعده) محكوم بتطوّر علاقة إيران بالغرب، أو الوضع الداخلي الإيراني.
والجدال حول الاتفاقيّة يجرى في حلبات الصراع السياسي في كل من إيران والولايات المتحدة وكل طرف يُدلّ على نجاحاته.


لن تقدّم إيران
بيانات وكشوفات عن كل مسار التصنيع والأبحاث النووي السابق

والعدوّ الإسرائيلي قرّر ان الاتفاق في غير مصلحته وقد عبّأ منظمة «إيباك» (اللوبي الإسرائيلي الرسمي) ضد الاتفاقيّة بالرغم من تمتّع الاتفاقيّة بصلاحيّة تقرير الرئيس الدستوريّة في نطاق السياسة الخارجيّة، مع ان الرئيس في مساومة مع الكونغرس منحه حق رفض الاتفاقيّة في غضون ستين يوماً، مع احتفاظ الرئيس بصلاحيّة نقض التصويت (ولا تملك معارضة الاتفاقيّة قوّة الثلثيْن المُرجّحة لردّ النقض الرئاسي). والمساومة تلك كانت بسبب سنّ الكونغرس لقوانين معاقبة إضافيّة ضد إيران (علاوة عن تلك التي أقرّها مجلس الأمن الدولي). ولم تخف الحركة الصهيونيّة الأميركيّة أن ملايين قد رُصدت من أجل التحريض ضد الاتفاق على صعوبة منع تمريره.
لا ينكر إلا الدعائي الخليجي أن النظام الإيراني فاوض الغرب بحزم وصلابة لم يعرفها المفاوضون العرب (وهم من أسوأ المفاوضين، خصوصاً المفاوضين المصريّين في كامب ديفيد أو المفاوضين الفلسطينيّين في سلطة عرفات وعبّاس). روت «نيويورك تايمز» في حكاية الأيّام الأخيرة للمفاوضات بين كيري وظريف ان الأخير صرخ بوجه الأوّل: «إيّاكَ أن تهدّد إيرانيّاً». هذه الصرخة لا يمكن ان تصدر عن أي مسؤول عربي (ممانعاً كان أم خليجيّاً). ينحني أرفع مسؤول عربي أمام مساعد نائب مساعد وزير الخارجيّة الأميركي. لكن الحكم الإيراني يعبّر عن كبرياء وطنيّة (قد تكون شوفينيّة أيضاً) لم تعد مألوفة في السلوك العربي الدبلوماسي منذ وفاة جمال عبد الناصر. لكن هذا في الشكل، أما في المضمون فيمكن قبل عقد الجردة مقارنة الاتفاقيّة بما ماثلها من الاتفاقيّات التي حكمت تعاطي الحكومة الأميركيّة مع السلاح السوري الكيماوي وأسلحة الدمار الشامل العراقيّة والسلاح النووي الليبي. في كل هذه الحالات، لم تقبل أميركا بأقلّ من تنازل شامل وكامل ومجّاني عن مختلف أنواع الأسلحة وعن البنية الصناعيّة التي انتجتها. الطاغية الليبي ظنّ أنه يتذاكى، أو انه يضمن بقاءه الأزلي في الحكم، عندما فتح بلاده ومنشآتها العسكريّة أمام لجان عسكريّة واستخباراتيّة أميركيّة. سمح لهم بنقل كل المعدّات ووضعها في متاحف أميركيّة للمباهاة بقدرة الحكومة الأميركيّة على انتزاع التنازلات من الأعداء. النظام السوري لم يناقش بل رضخ للشروط الأميركيّة بالكامل مقابل تمنّع الحكومة الأميركيّة عن معاقبته، فيما يستمرّ في عرض خدماته في «مكافحة الإرهاب» (ووليد المعلّم لا يزال يستجدي طلب إذن النظام قبل المباشرة الأميركيّة في عمليّات القصف الجوّالة في سوريا والعراق). النظام العراقي الصدّامي حاول التحايل في البداية لكنه عاد ورضخ بعد كان الخيار أمامه الحفاظ على النظام أو الحفاظ على السلاح.
لا شك أن كلّاً من الفريقيْن له أسبابه للزهو بإنجازاته في تحقيق هذه الاتفاقيّة. والنظام الإيراني أو دعاته يدرجون عن حقّ بعضاً منها، مثل:
أولاً، احتفظ النظام الإيراني بكامل البنية الصناعيّة التكنولوجيّة لصنع قنبلة نوويّة. وقد احتفظت إيران بالمفاعل النووي في فاردو (وهو العصيّ على القصف بالطائرات)، وكان تفكيكه وتدميره في طليعة مطالب أميركا وإسرائيل. ستحتفظ إيران بالمفاعل في فاردو، ولكنّه سيتحوّل إلى غايات البحث العلمي الصرف (لكن التمييز بين البحث العلمي الصرف وبين تصنيع السلاح ليس سهلاً: إن تصنيع القنبلة هو نتاج بحث علمي صرف أيضاً). كما أن العدوّ الإسرائيلي فشل في تحقيق مطلب آخر بإقفال مصنع اليورانيوم في نطنز (سيُخفّض إنتاجه، لكنه لن يُقفل هو الآخر). وكانت إدارة بوش تصرّ على مطلب إزالة كل وحدات الطرد المركزي، لكن إيران ستحتفظ بـ5000 وحدة ستبقى دائرة (وهو نصف العدد الحالي). صحيح ان إيران ستخفّض من نسبة التخصيب إلى 3,7 في المئة حصراً، وستحتفظ فقط بـ300 كلغ فقط من اليورانيوم ذات التخصيب المنخفض. هذا لا يكفي لصنع قبلة لكنه لا يبطل القفز نحو صنع القنبلة، كما طالب العدوّ الإسرائيلي (كانت أميركا تفاوض بالنيابة عن العدوّ الإسرائيلي لكن إيران أبطلت من قدرة العدوّ على إملاء كل شروطه على أميركا، التي كانت تفضّل تحقيق شروط حليفتها. أما دول الخليج فقد فوّضت بالمحصّلة العدوّ الإسرائيلي للنطق باسمه في الملف النووي الإيراني). أما مفاعل أراك (غير المُكتمل) الذي كان يحقّق الوسيلة الثانية لصنع القنبلة النوويّة (عبر إنتاج البلوتونيوم) فلن يتوقّف العمل في إنشائه. هو سيُعاد تنظيمه وتخطيطه ولن ينتج بلوتونيوم لكن البنية الأساس في المصنع لإنتاج البلوتنيوم لن تُسفّر خارج إيران، كما كانت أميركا وإسرائيل تطالب. إن القدرة على تصنيع القنبلة، علميّاً وبنى تحتيّاً، لا تزال في متناول إيران، ما يعطي إيران وضعاً تفاضليّاً في أيّة مفاوضات مقبلة. كما أن إيران ضمنت، على الأقلّ في سنوات الاتفاق لو دامت على مدى 15 سنة، منع أميركا وحتى إسرائيل من شنّ حرب ضد إيران.
ثانياً، لن تقدّم إيران بيانات وكشوفات عن كل مسار التصنيع والأبحاث النووي السابق. كانت أميركا تريد أن تقلّد إيران المسلك الليبي في هذا الصدد، الذي كشف ليس فقط دوره بل دور أيّوب خان في باكستان. ولن تقدّم إيران على «صينيّة» كل علمائها للخضوع إلى استجواب أميركي. لكن صيغة مبهمة (قد تكون سريّة) تم التوصّل إليها ويبدو من وصفها بأن ستكون شكليّة فقط من أجل طمأنة صهاينة الكونغرس. لكن هذا التفصيل قد يفجّر الخلاف في حال أصرّ الكونغرس على سبر غوره.
ثالثاً، لم تربط إيران الاتفاق بحقّها في التسليح التقليدي الذي بقي خارج الاتفاقيّة وغير خاضع لشروط الغرب. على العكس، قد يكون من إنجازات الساعات الأخيرة قبل الاتفاق ان إيران حصلت على احترام حقّها في التسليح التقليدي.
رابعاً، لم تقضِ الإتفاقيّة على «مدة الإطلاق» (وهي المدة التي تحتاجها إيران لتصنيع قنبلة نوويّة) بل هي قلّصتها من نحو شهريْن إلى نحو سنة (وهذه المدّة تتغيّر).
خامساً، لم يستطع المفاوض الأميركي نيل المطلب الأساسي في القيام بتفتيش غير مشروط في كل الأراضي الإيرانيّة. هذا البند غير واضح في الإتفاقيّة لكن شروط الولي الفقيه الحمراء أخلّ بها بالتأكيد.
سادساً، حصلت إيران على ربط قانوني واضح برفع العقوبات موازاة مع الالتزام الإيراني بتطبيق الاتفاقيّة، أي ان الاتفاقيّة لم تتفوّق سياديّاً على اتفاقات خاصة بالدول العربيّة المذكورة أعلاه، بل حتى بالاتفاق المتعلّق بكوريا الشماليّة. تعلّمت إيران من تجربة كوريا الشمالية ولم تثق بوعود عامّة من أميركا. كما ان رفع العقوبات تحوّل من يد الكونغرس إلى مجلس الأمن، كما ان الكونغرس الصهيوني فشل في فرض رفع تدريجي بطيء للعقوبات.
سابعاً، حافظت إيران على قدرتها على الحصول على اعتراف متأخّر بحقّها في الطاقة النوويّة وحقّها في البحث العلمي المتطوّر الذي لا تسمح أميركا بمثيله حتى في أنظمتها عربيّة الأدوات.
ثامناً، باتت آليّة تطبيق عقوبات جديدة في حال الإخلال بالاتفاقيّة معقّدة وصعبة إلا في حالات الخروق الكبيرة.
تاسعاً، خلافاً لمزاعم الإعلام القطري والسعودي (والحريري التابع) رفضت الحكومة الإيرانيّة البحث في ما يُسمّى بـ«دبلوماسيّة الربط»، أي معالجة قضايا إقليميّة غير مرتبطة بالملف النووي. لم يتم البحث في أي من قضايا الخلاف بين أميركا وإيران في الأشهر الطويلة من المفاوضات كجزء من المحادثات الرسميّة. وكان الربط مطلباً إسرائيليّاً ــ سعوديّاً.
لكن التنازلات التي حصلت عليها إيران يجب ان تُقاس بقدرة الحكومة الأميركيّة على فرض شروط خاصّة بها، وهل هي في غير صالح إيران، مثل:
أوّلاً، خرق أميركا «الخطوط الحمراء» التي وضعها الوليّ الفقيه، من حيث قدرة المجموعة الدوليّة على فرض تفتيش في مختلف المواقع الإيرانيّة، وإن وفق شروط محدّدة ومعقّدة، ووفق برنامج زمني قصير. كما أن الاتفاق ضمن حق الدول المشتركة في التحقيق في تفتيش موقعيْ فاردو ونطنز على مدار الساعة. أما مدة الـ24 يوماً التي حدّدها الاتفاق لتفتيش مواقع جديدة فهي مزعجة للوبي الإسرائيلي وصحبه، وللإيرانيّين خبرة في التنظيف السريع مع أن المواد المُشعّة لا يمكن تنظيفها في 24 يوماً.
ثانياً، أزال الاتفاق ثلثيْ وحدات الطرد المركزي و98% من مخزون اليورانيوم المخصّب. كما ان تطويل «مدة الإطلاق» إلى سنة يساعد دول الغرب وأعداء إيران في كشف الخرق و«بحث البدائل»، كما لاحظ غراهام اليسون. أي أن لا شيء يمنع التحضير لحرب ردّاً على خرق كبير.
ثالثاً، نجحت الولايات المتحدة والعدوّ الإسرائيلي ودول الخليج في وضع السلاح النووي الإيراني المحتمل على جدول الأولويّات العالميّة من دون البحث في ترسانة أسلحة الدمار الشامل في إسرائيل، او في جدول المشتريات الباهظة من الأسلحة التقليديّة من قبل دول الخليج. (ويُلام النظام الإيراني في إهماله لربط ولو جزئي لبرنامجه بالسلاح النووي الإسرائيلي —الحقيقي والموجود، خلافاً لكلام أخير لأنيس النقّاش في هذا الصدد: والتقليل من حجم ونوعيّة سلاح العدوّ لا يقلّ خطورة عن المبالغة في تقدير حجم ونوعيّة سلاح العدوّ).
رابعاً، إن بنود الاتفاق على تفتيش موقع بارشين العسكري لا تزال سريّة لكن يسمح على الأرجح لبعثة التفتيش بأخذ عيّنات من التربة ومقابلة العلماء وجهاً لوجه — وكان الشرطان من شروط الوليّ الفقيه الحمراء.
خامساً، إن الاتفاق يربط بين العقوبات المتعلّقة بالبرنامج النووي وتطبيق بنوده، ولا يتعلّق بالعقوبات التي لا علاقة لها بالبرنامج النووي. ولقد أعلن بيان لـ«مجموعة درس الاتفاق» في «مؤسّسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» (الذراع البحثية للوبي الإسرائيلي) أن مسؤولين أميركيّين أكدوا للمجموعة أن مَن سيُزال من قوائم العقوبات المتعلّقة بالبرنامج النووي سيبقى على قوائم العقوبات المتعلّقة بالإرهاب، مثلاً.
سادساً، لم تتضمّن الاتفاقيّة تخليّاً رسميّاً من قبل أي كان عن الخيار الحربي ضد إيران، وإن بات ذلك صعباً بوجود الاتفاقيّة. لكن قدرة دولة العدوّ على القيام بعمل عسكري أحادي الجانب - حتى بمعونة دولة الخليج الحليفة - باتت شبه مستحيلة، إلاّ إذا كُشف عن خرق كبير.
لكن ردود الفعل على الاتفاقيّة لم تتعامل معها على أساس أنها خاضعة لتغيّرات سياسيّة، داخليّة أو دوليّة. إعلام الممانعة جعل من الاتفاقيّة نصراً مبيناً من دون الإشارة إلى أسباب خوض المفاوضات الشاقّة إذا كانت إيران ستخرج منها منتصرة لا محالة. والتعويل على المفاعيل الإيجابيّة للاتفاقيّة سابق لأوانه. هناك الحديث عن إطلاق لمبلغ مئة مليار دولار من الأرصدة الإيرانيّة المُجمّدة، لكن المبلغ قد يكون أقلّ بكثير. هناك من صوّر المبلغ على أنه سيُرصد فقط لدعم النظام السوري وحزب الله. إن الأجندة الماليّة للنظام الإيراني وتطوير البنى التحتيّة للاقتصاد الإيراني الذي عانى طويلاً من العقوبات الجائرة تحتل أعلى سلم الأوليّات. وقد ورد خبر قبل أيّام عن أن إيران تعتزم شراء نحو 80-90 طائرة نفّاثة من شركة بوينغ و«إير باس»، كما ان الأسطول الجوّي المدني الإيراني يحتاج إلى صيانة جذريّة وتتحمّل العقوبات الغربيّة المسؤوليّة عن حوادث تحطّم طائرات إيرانيّة لأن صهاينة الكونغرس أصرّوا على أن العقوبات يجب ان تشمل الطيران المدني الإيراني. وفي رد على الجمهوريّين في الكونغرس أوضح وزير الخزانة الأميركي ان مبلغ الأرصدة المُجمّدة لن يزيد على 50 مليار دولار لأن هناك مبالغ مرتبطة بعقود مع الصّين بالإضافة إلى تسديد قروض كبيرة. كل هذا يجب ان يُأخذ في الحسبان. وفي المقابل، هناك الإصرار الخليجي الذي يتراوح بين اعتناق الخطاب الصهيوني عن أن إيران ستصبح إمبراطوريّة عالميّة بحلول السنة المقبلة وبين الكلام عن استسلام إيراني كامل أمام الراعي الأميركي. أي أن التفاوت في خطاب الدعاية يتوقّف على اللغة وعلى الجمهور: أمام الجمهور العربي يتحدّث دعائيّو آل النفط والغاز عن نشوة إسرائيليّة من الاتفاق، فيما ينقل وزراء خارجيّة دول الخليج مخاوف إسرائيل نفسها من الاتفاقيّة في أحاديثهم مع دول الغرب.
من المبكّر جدّاً الحكم على الاتفاق. هناك عوامل عديدة يمكن لها ان تعرقل تطبيقه أو أن تجهضه في مساره. نحن على أبواب انتخابات رئاسيّة، والمرشّحون الجمهوريّون مجمعون على رفض ومعارضة الاتفاقيّة. صحيح ان الاتقافيّة باتت مُلزمة في أحكامها بسبب تبنّي مجلس الأمن الدولي لها، لكن قدرة أي رئيس أميركي مقبل على العرقلة، حتى بمعارضة مجلس الأمن، كبيرة جدّاً. والسياسة في إيران خاضعة للتغييرات، وانتخاب روحاني أثبت ان الانتخابات الإيرانيّة حتى ضمن شروط وضوابط وقيود من مجلس الخبراء ليست شكليّة مثل انتخابات مجلس الشعب السوري أو تعيينات مجلس الشورى السعودي.
قد يؤدّي الاتفاق إلى دمج إيران في النظام الرأسمالي العالمي وقد يؤدّي إلى تحسين علاقة إيران بدول الغرب. وإيران، خلافاً لدول الخليج كما ذكّرت مجلّة «إيكونوميست»، ذات بنية صناعيّة وتتمتّع بمستوى تعليمي مرتفع لسّكانها بالإضافة إلى خبرات في البحث العلمي، العسكري والسلمي. وقد يؤدّي الاتفاق إلى بداية حوار بين إيران ودول الغرب للاتفاق على جملة قضايا إقليميّة. لكن في المقابل، قد ترى إيران في الوفرة الماليّة - لو تحقّقت - فرصة من أجل تعزيز موقف فريق الممانعة الذي تقوده إيران في المنطقة العربيّة. إن ترجيح فرضيّة مسار على آخر لا يخضع لضرب المندل. هناك متغيّرات أميركيّة وإيرانيّة وعوامل تخريب إسرائيليّة-خليجيّة قد تقضي على مفاعيل الاتفاق. أي ان الحكم على الاتفاق ومضاعفاته ينحصر في هذه البرهة بالوجهة الدعائيّة أو التمنيّات لهذا الطرف أو ذاك.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)