رغم أن الإدارة الأميركية حزمت خيارها باتجاه محاولة السعي لاحتواء إيران وسياسة قيادتها عبر الإصرار على التفاوض معها ومن ثم التوقيع على اتفاق بشأن ملفها النووي (أصبح دولياً بعد أن أقرّه مجلس الأمن)، ورغم ما ستبذله واشنطن في الاتجاه نفسه، أيضاً، بعد توقيع الاتفاق، فإن مجريات الوضع الداخلي الإيراني كانت حاضرة بقوة، هي الأخرى، في مجمل التطورات التي أخرجت الاتفاق إلى حيِّز الوجود في 14 تموز الماضي.


لا شك في أن العقوبات والحصار وتراجع أسعار النفط قد لعبت، جميعها، دوراً مهماً وأساسياً في دفع طهران نحو التفاوض كخيار ينبغي المضي فيه حتى النهاية. عزَّز من ذلك أيضاً تزايد أعباء إيران الخارجية، السياسية والمالية والعسكرية، في كل من العراق وسوريا (خصوصاً) واليمن... مهّد ذلك، بين أمور أخرى، لإحداث تحول في موقف النواة الحاكمة في طهران. ظهر ذلك بشكل واضح في الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي حصلت قبل سنتين، حين دعم المرشد السيد علي خامنئي ترشيح وانتخاب الرئيس حسن روحاني. حصلت المفاجأة الكبرى على حساب «المتشددين» الذين تفرّقت صفوفهم بسبب سوء تقديرهم للوضع العام المتدهور في البلاد وللمشهد الانتخابي نفسه الذي بات على صلة وثيقة بمسعى تفاوضي للخروج من الأزمة.
صادف ذلك تحولات مهمة في السياسة الخارجية الأميركية واظب على التعبير عنها الرئيس الأميركي باراك أوباما، في فترة رئاسته الثانية، بشكل خاص. كان أوباما قد سحب القوات الأميركية من العراق، ثم وقّع اتفاقاً مع القيادة الأفغانية لسحب تدريجي لمعظم القوات الأميركية من أفغانستان أيضاً. وهو، أيضاً وأيضاً، اجتاز بنجاح عدم التدخل العسكري المباشر في الأزمة السورية (رغم الضغوط الخليجية والصهيونية والتركية والأوروبية...). وكان، في خلال ذلك، مرة جديدة، قد رفض استخدام القوة ضد مواقع نووية إيرانية، كما منع قيادة العدو الصهيوني من توريطه في ذلك عبر قصف تبدأه تل أبيب وتكمله واشنطن، وفق ما كانت تخطط له حكومة نتنياهو.
إن تخلّي الإدارة الأميركية عن اللجوء إلى القوة المباشرة، بالغزو والأساطيل... في مواقع عديدة من منطقة الشرق الأوسط خصوصاً، وأماكن أخرى من العالم عموماً، رغم الضغوط الهائلة من الخارج، ورغم المزايدات «الجمهورية» في الداخل، قد شكل أبرز ما كرّسه الرئيس الأميركي في سياسته الخارجية، مبلوراً «عقيدة أوباما الجديدة» التي يعود أساسها إلى توصيات لجنة «بيكر/ هاملتون» (قبل حوالى 10سنوات) التي حققت في «إخفاقات» سياسة الرئيس جورج بوش الابن في العراق والشرق الأوسط. حصل ذلك أيضاً رغم أن خصوماً ومنافسين لواشنطن قد مارسوا تدخلات عديدة وفعالة وغير مسبوقة في ملفات دولية وشرق أوسطية؛ عنينا، بشكل خاص، القيادتين الروسية والإيرانية.


يستعجل فريق روحاني الآن
تطوير اندفاعته الهجومية على مستوى ملفات المنطقة

لا شك في أن ذلك قد شجَّع القيادة الإيرانية على الانفتاح أكثر على الإدارة «الأوبامية». مجال اختبار التعاون «الميداني» (في المرحلة الراهنة) كان، مرة جديدة أيضاً، في العراق، حيث برز «التناغم» الأميركي الإيراني جلياً: عبر نشوء ودور قوات «الحشد الشعبي» المدعومة من إيران، من جهة، وعبر استقدام المستشارين والطيارين الأميركيين للعمل في العراق براً وجواً بموافقة الجميع، من جهةٍ ثانية.
في امتداد ذلك كانت تطورات ميدانية وتفاعلات واتصالات عديدة تؤكد حيوية الدور الإيراني في مرحلة الدفاع والهجوم والانكفاء والتقدم. هذا فيما كان حلفاء واشنطن التقليديون يعانون من ارتباك وتخبّط وضعف وفئوية مفرطة. عنينا بهؤلاء خصوصاً كلاً من القيادة الصهيونية والخليجية اللتين بدتا في موقع العاجز عن أي فعل خاص، فيما هما يحاولان استخدام واشنطن وزجّها في سياسات وإجراءات لم تعد قادرة عليها أو حتى راغبة فيها من الأساس.
الدينامية الإيرانية، الناشئة منذ انتخاب الرئيس حسن روحاني قبل سنتين حتى الآن، لها، كما ذكرنا، مبرراتها وآليتها الداخلية وليس الخارجية فقط. إن الاستفادة من تراكم الصعوبات الاقتصادية ومن تعدد الأزمات التي تنخرط فيها القيادة الإيرانية، قد حفزت فرصة تغيير في المشهد الإيراني، أجازها وتبنّاها بقوة أيضاً المرشد السيد خامنئي، صاحب القرار الذي لم يشاركه فيه أحد في مرحلة ولايته المستمرة منذ عام 1989. فقد كان رؤساء الجمهوريات الذين تعاقبوا أقرب إلى موظفين إداريين كبار، خصوصاً إذا كانوا من «الإصلاحيين»، فيما الملفات الكبرى في الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية... تبقى تحت إدارة وإشراف المرشد وفريقه بالكامل.
ينبغي، في امتداد ذلك، ملاحظة أن الصعوبات التي واجهتها إيران بسبب تعاظم الالتزامات والنفقات، من جهة، وتضاؤل المداخيل والصادرات، من جهة ثانية، قد شجعت فريق روحاني على أن يكون شريكاً في السلطة لا مجرد حامل مبادرات وأفكار يتولى سواه البتّ بشأنها، قبولاً أو رفضاً أو تعديلاً. إن هذه الشراكة المستجدة في السلطة هي ما يحاول تكريسها وتطويرها الفريق «الإصلاحي المعتدل» الذي يمثله الرئيس روحاني الذي احتفل على طريقته الخاصة، بمرور سنتين على انتخابه، حينما ربط، بتفاخر شديد، ما بين مجيئه إلى الرئاسة في 4 آب 2013 وتوقيع الاتفاق النووي في 14 تموز 2015. قال الرئيس روحاني، منذ أيام، إن النجاح في توقيع الاتفاق النووي فاق «ما تخيّله قبل سنتين». وهو يستند في ذلك إلى مناخ إيجابي راجح في إيران حيال الاتفاق، أمكن بسببه إسكات أصوات تقليدية «متشددة» كانت ذات باع ومبادرة، لمدة طويلة، في محاصرة «الإصلاحيين» واتهامهم بالتخريب وحتى بالعمالة للخارج (جريدة «كيهان» مثلاً).
يستعجل فريق روحاني الآن تطوير اندفاعته الهجومية على مستوى ملفات المنطقة. فإيران، كما ذكرنا، اجتازت امتحان العضوية في نادي الكبار الإقليميين (ليس بفضل «الإصلاحيين» أساساً) وكرسها الاتفاق النووي لاعباً مؤثراً في ملفات المنطقة وأزماتها. وهو، أي فريق روحاني، يحاول توظيف كل ذلك لإحداث انعطافة مهمة في السلطة وتوازناتها، والسعي لتظهير وملمسة ذلك في الانتخابات البرلمانية في شباط القادم.
ملفت طبعاً أن السيد الخامنئي ما زال يشجع ويدعم فريق روحاني. هو، على الأقل، لا يمارس أي تدخل يشي بموقف مغاير. وها هي الحكومة الإيرانية تتقدم الآن بمبادرات هنا وهناك، في اندفاعة ديبلوماسية جعلت طهران صاحبة مبادرة يتطلع إليها الجميع، بمن في ذلك الأميركيون أنفسهم (ينبغي للمبادرة الإيرانية أن تتكامل مع الجهد الروسي لتحسين فرص النجاح، وهذا أمر ممكن جداً).
ليست الأمور سهلة بالطبع. لكن الاتفاق النووي قد فتح بالفعل آفاقاً جديدة وطرح تحديات مختلفة مما لا يمكن التعامل معه، كما أكد الرئيس روحاني نفسه، بأفكار «غير منطقية»، من نوع «أن لدينا خيارين فقط أمام العالم: إما هزيمته أو الاستسلام له».
التغيير بدأ في الموقف الأميركي. وهو أصاب الموقف الإيراني بنسبة ليست بسيطة، كما تجلى من خلال مفاوضات الملف النووي الإيراني. حصل تغيير أيضاً في العراق. ثمة بدايات تغيير مؤخراً في الموقفين التركي والسعودي (ماذا عن الموقف السوري؟).
لم يحصل التغيير (الحالي والمتوقع والمطلوب) في مواقف الأطراف لولا الأزمات والخسائر والتهديدات، وأبرزها الإرهاب والتكفير. لا يمكن إحداث تغيير في المشهد العام من دون إحداث تغيير في مواقف ومقاربات الأطراف المؤثرة. من وجهة نظر مصالح شعوب المنطقة، لا ينبغي أن يكون التغيير على حساب الأساسيات، لكنه أكثر من ضروري لوقف المسار الكوارثي الراهن، الذي قادت إليه أخطاء، رغم تفاوتها، لم ينج منها أحد!
* كاتب وسياسي لبناني