ليس خافياً على أحد الصراع الدائر محموماً بين إمبراطورية الحاضر القلقة، وإمبراطورية المستقبل الطامحة، أي الولايات المتحدة الأميركية والصين، حتى إنّ كثيراً من سياسات الطرفين التي تدور خارج نطاق المواجهة المباشرة إنما ترتبط بحسابات هذا الصراع بشكل أو بآخر. ذاك التنافس والصراع ليسا إلا تجسيداً للقاعدة التي تحكم علاقة «قوة الستاتيكو» الساعية إلى حماية النظام الدولي أو الإقليمي الذي صنعته تجسيداً لمصالحها، و«القوة الصاعدة» التي تسعى إلى تغيير النظام القائم بوصفه يقيّد تمددها، ولا يعترف بمصالحها. وعليه، لم يكن مفاجئاً تلميح كلينتون الأخير حول ضرورة أن تتوخى أفريقيا الحذر من «استعمار جديد» يتمثل في توسع الوجود الصيني في القارة السوداء، من دون الحاجة لذكر الصين بالاسم، ما أوجب رداً صينياً سريعاً عبر الناطق باسم وزارة خارجيتها عن أنّ «الصين، حالها حال الدول الافريقية، كانت تاريخياً ضحية الاحتلال والقهر الاستعماري، وتعلم جيداً ماذا يعني الاستعمار.

ينطبق التنافس الاميركي ـــــ الصيني بنحو مثير على إحدى أشهر المقولات المتربطة بأفريقيا، «في كلّ صباح أفريقي، يستيقظ غزال وهو يدرك حاجته للجري بسرعة تتجاوز الأسد الأسرع، وإلا يقتل، وفي كل صباح يستيقظ أسد وهو يدرك وجوب أن يسبق الغزال الأبطأ وإلا يموت جوعاً، إذاً، لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً لأنّه عندما تشرق الشمس من الأفضل لك أن تكون قد بدأت بالركض». تستفيق كلا القوتين يومياً، وهما تدركان عمق وقوعهما في هذه المطاردة المرهقة والمصيرية، وإن كانت الولايات المتحدة تستشعر يوماً بعد يوم أنّها «الغزال»، وهو موقع لم تألفه منذ زمن، ويمنعها غرورها من الإقرار به. لذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى الإفلات من هذه المطاردة عبر جملة استراتيجيات وتكتيكات، أبرزها إقناع الجميع، لا سيما في آسيا وأفريقيا، بأنّهم «الغزال» الذي تطارده الصين «الأسد»، وأنّه لا مجال للنجاة إلا بالتكتل والتحالف معاً، تحت عباءة القيادة الأميركية. تدرك الصين تلك اللعبة الأميركية، ولذا تروج لمبدأ «الصعود السلمي» لبث الاطمئنان والثقة، إلا أنّه في واقع التجربة التاريخية للقوى الصاعدة الساعية إلى كسر الوضع القائم «الستاتيكو»، كان العنف والسعي إلى السيطرة والتمدد سمة ثابتة.
ليست إشارة كلينتون إلى الصين و«الاستعمار الجديد» إلا تكراراً لمفردات مماثلة تزرعها الإدارة الأميركية بعناية في دول شرق آسيا، لشيطنة الصين بوصفها التهديد الفتاك لسيادة تلك الدول ومصالحها الحيوية وأمنها الإقليمي. وهي تستغل في سبيل ذلك، الصعود الصيني المذهل، والتمدد العسكري، وخلافات بحر الصين الجنوبي وحوادث التاريخ الغابر للامبراطورية الصينية وطبيعة النظام الحاكم. إنّ التمعن في قراءة سياسات الولايات المتحدة تجاه القوى الإقليمية الأخرى المناوئة لواشنطن، كإيران وروسيا، يكشف نموذجاً مشابهاً لذلك المتبع بوجه الصين. إذ تجهد الولايات المتحدة في خلق ورعاية الخوف والهلع في المحيط الحيوي ومناطق التأثير والنفوذ الإستراتيجي لكل من إيران (دول الخليج ـــــ الشرق الأوسط ـــــ جمهوريات آسيا الوسطى) وروسيا (شرق أوروبا ووسطها ـــــ البلطيق ـــــ القوقاز ـــــ جمهوريات آسيا الوسطى). تؤلف تلك السياسة جزءاً من إستراتيجية القوة الناعمة الأميركية التي تحقق نجاحات متفاوتة تجاه تلك القوى الثلاث: الصين، إيران وروسيا.
بالعودة الى الدور الصيني في افريقيا فهو دور اقتصادي بامتياز ـــــ لا سيما بعد نهاية السبعينيات وضمور البعد الإيديولوجي في السياسة الخارجية ـــــ يسعى إلى الحصول على الطاقة، وموارد أولية، وأراض زراعية وأسواق للاستثمار وتوظيف فوائض الأرباح وتصريف المنتجات. يتميّز الصينيون بكونهم أكثر صراحةً ووضوحاً وبراغماتية من كل القوى الكبرى السابقة التي يصف القس ديسموند توتو سياستها تجاه القارة المضطهدة، قائلاً: «عندما قدمت الإرساليات إلى أفريقيا كان الإنجيل في أيديهم والأرض في أيدينا، ثم أخبرونا: أغمضوا أعينكم ولنصلّ، وعندما فتحنا أعيننا بعد الصلاة وجدنا أنّنا أصبحنا نمتلك الإنجيل وهم يمتلكون الأرض». أما الصينيون فلا يجدون أي حرج في التصريح بأنّ دورهم في أفريقيا هو اقتصادي بحت، من دون تغليفه أو ستره بادعاءات حقوق الإنسان، والدين، والديموقراطية أو التنمية. لذلك، هم يتعاملون مع الوضع القائم متخففين من أثقال المثالية. إذاً تمتنع الصين نسبياً عن التورط في السياسة، فهو مجال مكلف لها، لذا تتعامل مع قوى الأمر الواقع غير مكترثة بمفردات الشرعية، ولا تدّعي ذلك. لذلك، تفضل كثير من الأنظمة الأفريقية التعامل مع الصين على حساب المؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تسعى إلى فرض شروط تتعدى بأشواط حقل الاقتصاد والتنمية، وتمكّنها من الإمساك الكامل بالدولة والمجتمع الأفريقي بنحو مستدام. بالإضافة الى ذلك، تظهر الصين استعداداً وقدرة مالية عالية على ضخ الاستثمارات والأموال، أكثر من القوى الدولية الأخرى، ولا تمانع في إرضاء البنى الموازية للسلطات الرسمية بما تيسر من «هبات».
تستفيد الصين من كون الدول الأفريقية هي دول ضعيفة عموماً، يسودها الفساد وضعف آليات المحاسبة والشفافية، الى جانب وجود مناطق واسعة مهملة من القوى الكبرى أو تتصف بتواجد محدود لها، مما يقلص فرص الاحتكاك المباشر، بعكس الشرق الأوسط. كذلك يؤدي غياب العداء التاريخي بين الصين وأفريقيا دوراً مهماً في قبول النفوذ الصيني، بعكس القوى الغربية الأخرى. هذا المنهج «الاستعماري» الصيني تستخدمه القوى الغربية ذريعة للتحذير من الانعكاسات السلبية على الديموقراطية، وبناء الدولة في أفريقيا، متجاهلة دور شركاتها الكبرى في أبشع الممارسات النيوليبرالية في مناطق النفوذ الغربي في أفريقيا، من انتهاكات لحقوق العمال، ودعم جماعات مسلحة، وتدمير البنى البيئية واستنزاف الموارد الطبيعية.
تكشف الارقام المتتالية عن عمق التوغل الصيني في أفريقيا وشدّته وسرعة تصاعده. يذكر تقرير صادر عن «المجلس الصيني لتشجيع التجارة الدولية» أنّ 22% من الشركات الصينية التي تستثمر في الخارج كانت من حصة أفريقيا في 2010، مع ميل واضح لتزايد هذه النسبة. تجدر الإشارة إلى أنّ أغلب تلك الشركات الصينية هي شركات مملوكة من الدولة، وهو ما يمثّل هاجساً إضافياً للولايات المتحدة. فيما تشير دراسة أخرى إلى أنّ شركات الإعمار والإنشاءات الصينية قد جنت 20 مليار دولار في أفريقيا في 2008، ووقعت عقوداً أخرى في السنة ذاتها بقيمة 40 مليار دولار. ويعدّ هذا القطاع بالإضافة الى قطاعي الزراعة والطاقة من أكبر مجالات الاستثمار الصينية في أفريقيا. وفي مؤشر إلى نمو الاستثمار الصيني، قدرت مجموعة «ستاندرد بنك» الأفريقية أن تزيد نسبة تلك الاستثمارات بنسبة 70% بين 2009 و2015 لتبلغ قيمتها 50 مليار دولار سنوياً، فيما ستبلغ قيمة التجارة المتبادلة 300 مليار دولار. ويخلص المستشار الاقتصادي في البنك الدولي هاري برودمان، في كتابه «طريق الحرير الأفريقي: الجبهة الاقتصادية الجديدة للصين والهند» الصادر في 2007، الى أنّ هذه الزيادة هي جزء من توجه عالمي في النمو المتسارع للتجارة بين دول الجنوب النامية (علاقة جنوب ـــــ جنوب).
نستخلص من ذلك، أنّ فرضية إمكان التعاون الأميركي ـــــ الصيني تتهاوى حدثاً بعد حدث، وأنّ التنافس والصراع (لا الحرب) بين القوّتين يتقدمان بثبات. ثانياً، إنّ هذه المواجهة ستتمدد الى خارج النطاق الآسيوي، في محاولة من كلا الطرفين للإفلات من قبضة الآخر والسعي الى تحقيق توازن قوة عبر الضغط على المنافس في نقاط ضعفه الجيو ـــــ سياسية. ثالثاً، إنّ النتيجتين السابقتين ستدفعان الصين الى تجاوز سياستها التقليدية في الشرق الأوسط القائمة على «رؤية نفقية»، محصورة بالطاقة، نحو استراتيجية أكثر تدخلية وذات أبعاد استراتيجية وأمنية أشمل، وذلك في سبيل ممارسة ضغط مواز على الولايات المتحدة لإجبارها على الانكفاء في المناطق ذات الأولوية بالنسبة إلى الصين. أخيراً، يبقى تساؤل أساسي حول ما إذا كانت افريقيا ستدفع ثمن هذا التنافس على أرضها التي لم تلتئم جراحها بعد من ويلات الحقبة الاستعمارية.

* كاتب لبناني