«يقول هيغل في مكان ما إنّ جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تأتي، إذا جاز القول، مرتين في التاريخ. وقد نسي هيغل أن يضيف: المرّة الأولى تأتي كمأساة والمرّة الثانية كمهزلة»

كارل ماركس

يقال إنّ التجارة فنّ برع فيه اللبنانيون ولا يزالون. طول عمره اللبناني تاجر. في هذه المقولة، تنميط ببغائي بلا شك، لكن يجب الاعتراف باختزانها شيئاً من الحقيقة، خاصة عندما نتكلّم عن الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، والممثلة اليوم بفريقي الثامن والرابع عشر من آذار. فهي طبقة ذات ايديولوجيا تجارية بامتياز، تبيع وتشتري في كلّ شي، بدءاً بالبشر والحجر، وصولاً الى تسليع التاريخ نفسه.
لقد أتقنت 8 آذار سمسرة التاريخ عندما كانت بورصتا الثورتين المصرية والتونسية مرتفعتي الأسهم، فلم يكن الشعب المصري وقتها، وبحسب منظّري ذاك الفريق يتظاهر إلّا من أجل «نقض اتفاقية كامب دايفيد» و«انتصاراً لثقافة المقاومة». كانت 8 آذار حينها، تشتري أسهم الثورات العربية. أما حزب الله، وهو الحزب المقاوم نفسه الذي قاتل اسرائيل ببسالة طوال عقدين، ثم انتصر عليها في عدوان تمّوز 2006، فكان خلال كلّ ذلك أميناً لبنيته المذهبية والإيديولوجية، ولم يتوانَ عن «استملاك» الثورة البحرينية من جهة، وتقديمه للثورات العربية كلّها (ما عدا الانتفاضة الشعبية في سوريا)، على أنّها «صحوة اسلامية»، وذلك عوضاً عن قراءتها في إطارها العربي بإجماليته وبموضوعية. فالموقف الأخير للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من الثورة السورية، في وقوفه صراحة الى جانب النظام، كان له أثر بالغ السوء في نفوس الكثير من السوريين. لا ريب في أنّ السيّد نصر الله يدرك ذلك. لقد حاول بعضنا تبرير ذلك سياسياً، لالتزامنا تأييد المقاومة في قتالها اسرائيل، ومعرفتنا مقدار تضحية المقاومين. لكن يبقى أنّ الموضوع لا يبرّر أخلاقياً كيفما اتفق. فلو أنّ شخصاً بغير الوزن المعنوي والتاريخي للسيّد نصر الله في نفوس السوريين والعرب، قال ما قاله، لما كان ليكتسب هذا الأثر. وهذه ليست إلا الحقيقة.
رغم الحضور الدائم للقضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية، لم تستطع قوى الثامن من آذار، و«حزب الله» تحديداً، النظر الى الثورات العربية بوصفها ردّ فعل طبيعياً على الاستبداد السياسي والفروقات الطبقية الآخذة بالازدياد، اللذين هتكا البنية الداخلية للمجتمعات العربية، وأفقدا مواطني تلك المجتمعات كرامتهم. إنّ ما حدث ليس الا تتويجاً لمسيرة تاريخية عربية طويلة، منذ هزيمة حزيران 67 حتى اليوم. ومن الواجب القول إنّ الناس لم ينتفضوا من أجل فلسطين مباشرة، وهذا الرأي تفرضه الموضوعية هنا، ولو أنّ ديموقراطية أكثر ستعني حكماً عداءً أكبر للكيان الصهيوني على المدى الطويل. لقد أضحت كلمة «فلسطين» عند هذا الفريق، بدافع من ايديولوجيته الممانعة وحساباته السياسية، من محددات التسعيرة لتقييم صلاحية بضاعة «التاريخ» العربي الثوري الذي يصنع اليوم. اصطدمت التجارة «الممانعية» للثورات العربية بزمن الثورة السورية، فطُرح السؤال الفخ: «كيف نكون مع ثورة ليس فيها كلمة فلسطين؟». هكذا، تحوّلت الثورة فجأة إلى «مؤامرة» لتنخفض أسهم الثورات عند الثامن من آذار، بما أنّ ايديولوجيتها الوحيدة هي «الممانعة»، فكان عليها أن تبيع كثيراً من عملة ايديولوجيا «المؤامرات» الرخيصة للتخفيف من خسائرها. رغم كلّ ذلك، اعترف النظام السوري فجأة، ومنذ أيّام «بدولة فلسطين عاصمتها «القدس الشرقية» على حدود ما قبل حرب 1967»، وقد هاجمه في ذلك الرئيس سليم الحص الشجاع صوتاً وحيداً، فيما لم نسمع موقفاً من «حزب الله» حول ذلك. هنا كان لا بد من السؤال وبصوت عالٍ: أليس في ذلك تخلّ مبدئي عن تحرير فلسطين كاملة، واعترافاً بالكيان الصهيوني وعاصمته «القدس الغربية»، وما استلحقه من «عملية سلام» استعمارية؟ (انظر في هذا الصدد مقالة حسان حيدر في «الحياة» بعنوان «تهافت الشعارات» بتاريخ 21 تموز).
وفي هذه المناسبة، لم يكن مفاجئاً صمت معظم منظّري «الممانعة» في لبنان، لاعتبار النظام السوري «مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بدمشق سفارة من الآن فصاعداً». أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا السيد أسعد أبو خليل، فتفرغ في مقالته الأخيرة يوم السبت في 23 تمّوز، لمهاجمة الكاتب السوري ياسين الحاج صالح. وصالح لمن لا يعرفه، هو من بين اليساريين النقديين والعروبيين، ملتزم قضية شعبه الذي يُذبح اليوم، وهو لا يحتاج إلى شهادات بالوطنية من أحد. لقد قال الحاج صالح في مقابلة أخيرة أجراها معه قسم الشباب في جريدة «السفير»: «أجزم بأنّ سوريا لن تكون يوماً على ودّ مع اسرائيل»، فما الذي حدا «بالعربي الغاضب» أن «يغضب» كثيراً لجملة كهذه، صحيحة تماماً، وهو الذي اعترف في المقال نفسه بأنّ الحاج صالح له مقالات أخرى سابقة في مهاجمة اسرائيل. لكن في النهاية، لا بأس، فلا الشعب السوري ولا مثقفوه من الشرفاء ينتظرون من «العربي الغاضب» أن يوزّع عليهم شهادات بالوطنية.
أما على المقلب الآخر، فقد فاجأت الثورات فريق الرابع عشر من آذار منذ البداية. تلك القوى ببناها المذهبية والسياسية والمنقسمة بعضها على بعض، تعتمد على الايديولوجيا الوحيدة من اجل الحفاظ على ورقة التوت وهي «العدالة»، وسلاح أوحد هو «المحكمة الدولية»، المرتبطة حتماً بأجندات اميركية وإسرائيلية ـــــ حسب كل فضائح شهود الزور، ووثائق «ويكيليكس» الى اليوم. وهي لا تتوانى عن استعمال التجييش المذهبي ـــــ وفي ذلك تماثل تكتيكي مع ما تفعله معظم قوى 8 آذار ـــــ من أجل الهجوم على سلاح المقاومة الموجّه الى العدو الاسرائيلي وذلك تحت مسميات «بناء الدولة».
لقد ارتبكت قوى 14 آذار كثيراً عندما أنهت الثورة المصرية ـــــ التي لم تتوقف بعد ـــــ الحكم المباركي الحليف خلال 18 يوماً. تماهت مع الثورة المضادة في مصر، وهي أيضاً حينها باعت من أسهم «المؤامرات». الا أنّ زمن الثورة السورية جاء ليرفع من بورصة الثورات عند قوى ادّعت «السيادة والحرية والاستقلال». أما التناقضات المذهبية بين الأكثرية السنية لتيار المستقبل، والأقلية المارونية القواتية والكتائبية، فقد عنت انفصاماً واضحاً في الموقف من الأحداث في سوريا. فتيار المستقبل بنظرته المذهبية للأمور، يرى في ما يحدث في سوريا فرصةً لا تعوض للانقضاض على «شيعة حزب الله»، بينما مواقف المارونية السياسية في 14 آذار أكثر تحفظاً بكثير، بسبب الكوابيس التي تنتاب الأقليات المسيحية تخوفاً (ومنهم العونيون) من حكم «سنّي» في سوريا. في غضون كلّ ذلك، عمل بعض منظري 14 آذار خلال الشهرين الماضيين على الإتجار بدماء السوريين، حتى خيّل الينا أنّ سكان حماه يتظاهرون «من أجل المحكمة الدولية» وأنّهم سئلوا عن رأيهم في «السلاح».
إنّ الإتجار بالدماء السورية المراقة بالقمع، بغية تسجيل نقاط داخلية في الساحة اللبنانية، خدمةً لأجندة أميركية واسرائيلية، تجارة محرمة. الفارق الوحيد عن الثورات الأخرى هذه المرّة، أنّ البضاعة الثورية أقرب جغرافياً من لبنان، وأكثر تأثيراً عليه سياسياً من أيّ ثورة عربية أخرى. لكنّ التجارة بالحرام ليست غريبة عن منطق 14 آذار التي تاجرت بدماء شهدائها. على الأرجح أنّ أشخاصاً مثل سمير قصير وجورج حاوي كانوا سيكونون خارج 14 آذار اليوم، لو كتب لهم البقاء على قيد الحياة، الا أنّ ذلك لا يعني أنّهم كانوا سيكونون على المقلب الآخر. فقوى 14 آذار تبيع من دماء أهل حمص والشام الذين يقتلهم نظام، لم يتردّد الشهيد رفيق الحريري نفسه، والطبقة السياسية اللبنانية بأسرها يوماً في التحالف معه.
وعليه لا يجوز لبعض السوريين واللبنانيين تقييم الموقف الانتهازي لقوى 14 آذار والمساند للمنتفضين في سوريا على قاعدة مذهبية، على أنّه موقف أخلاقي رفيع. فهو مرتبط أساساً بالتوازنات الداخلية اللبنانية، كما بأجندات خارجية تريد التخلّص من حزب الله. نقول ذلك متذكرين «حفلة الشاي» في ثكنة مرجعيون وأطباق التبولة التي قدمت لكونداليزا رايس. عند هذا الحد كان «الوعي الوطني» لهذه القوى خلال حرب تمّوز، بينما كان أهل الجنوب النازحون يؤويهم الشعب السوري الذي يقتل اليوم. فالشعب السوري عندما يطالب بالكرامة والحرية لا يفعل ذلك كرمى لعيون «الشيخ سعد»، أو تقديراً لمواقف الكتائب والقوات اللبنانية التاريخية «الوطنية». كما لا يفعل ذلك تآمراً على المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل. الأمر المؤكد أنّ تسليف بعض قوى 14 آذار مواقفها «الداعمة» للمنتفضين في سوريا، لا ينبع من الحرص على الشعب السوري وديموقراطيته، خاصة أنّ ديموقراطية هذا الفريق اختبرها اللبنانيون لست سنوات، وأنّ بعض السوريين لم ينس موجة القتل العنصرية للعمّال السوريين في أعقاب ثورة «سيادة حرّية استقلال». بأية حال، مهما حصل في سوريا فإنّ الموقف المعادي للمقاومة هو ما يحدّد موقف 14 آذار من ذلك وليس أيّ شيء آخر. واستناداً الى ما ذكر، فإنّ تجار الثورات العربية من اللبنانيين، ولأي جهة انتموا، يتكئون على مركزيتهم المذهبية من أجل تحديد أسعار الشراء والبيع في بورصة الثورات. وهذا أيضاً وجه آخر من الثورة العربية المضادة التي امتدت لنصف قرن من الزمن. فما يطلق عليه البعض اليوم «الليبرالية العربية» ـــــ وهي تسمية فيها كثير من الإجحاف بحق الليبرالية مفهوماً وخياراً سياسياً، والحقّ هنا على منتقديها ومعتنقيها بالتساوي ـــــ ونخبوية معتنقيها، هي طفل آخر لهزيمة 1967، ووجه آخر للحداثة العربية الرثّة ـــــ وتعبير «الحداثة الرثة» هو لبرهان غليون ـــــ القائمة على الاستبداد. إنّ نقد هذا التيار الذي خسر الكثير من مسوّغاته الفكرية اليوم، بالضبط كما حدث لليسار العربي الكلامي المبتذل، من قبل اليساريين العرب النقديين، هو الشيء الوحيد الذي يساعد على فهم أكبر للواقع العربي وتخيّل فرص تغييره. وذلك بدلاً من تدريج الشتيمة الشخصية، الغير المنتجة، «لليبراليين العرب» على الطريقة الشعبوية، كما يفعل استاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا أسعد أبو خليل، عبر جعل الشتيمة نقداً سياسياً موضوعياً، كما لو أنّ كلمة ليبرالية بحدّ ذاتها هي المشكلة. تتجاهل كتابات السيد ابو خليل كل التنظيرات منذ الهزيمة، حول ضرورة استيعاب قيم المرحلة الليبرالية وأصولها التاريخية من أهم المنظّرين الماركسيين مثل عبد الله العروي والراحل ياسين الحافظ. اذ لا يعقل أن نستبدل النقاش السياسي الموضوعي بحفلة شتائم مقذعة ومضجرة.
يبقى في النهاية أنّ محاولة الحفاظ على عنصرين أساسيين في المشروع الحضاري العربي الذي كتب ياسين الحافظ عنه، وهما الديموقراطية الشعبية، السياسية والاقتصادية، كما مقاومة التغلغل الامبريالي في المنطقة، من العراق المحتلّ الى فلسطين المحتلّة، هو وحده ما سيمكّننا من المحافظة على الوضوح في الرؤية، وسط التناقضات الكبيرة التي تعرّيها الثورات العربية في كل البلدان، وعند كلّ الأطراف.
* باحث لبناني