من جملة الأمور التي أعادت الانتفاضات العربية خلطها، تقسيماتنا المدرسية الساذجة. تقسيمات أسرفت في نمذجة ثلّة من الدكتاتوريات «المتماثلة»، من دون أن تعي أنّ النمذجة على أساس التبعية للغرب من عدمها، لا تصلح وحدها لتشريح بنية تلك النظم المتماثلة في تسلّطيتها وقابليتها للسقوط. والقابلية للسقوط صفة يمكن تعميمها على كلّ الدكتاتوريات العربية من دون استثناء. فالأنظمة التي سقطت أو تكاد، لم يحصل لها ذلك بسبب تبعيتها الاقتصادية والسياسية للغرب، أو لأنّ هشاشتها المفرطة باتت تمثّل عبئاً عليه فحسب، بل لأنّ هذين البعدين كان لهما امتدادهما الداخلي القوي والصلب. فلو لم تنطلق الشرارة من الريف التونسي، الذي همّشته سياسات بن علي النيوليبرالية، لما كانت المدن التونسية تحرّكت، ولما وجد الغرب نفسه مضطراً إلى احتواء الانتفاضة الشعبية عبر أزلامه داخل النظام الحالي (الباجي قائد السبسي واحد منهم طبعاً). معنى ذلك أنّ دينامية الداخل هي التي فرضت نفسها على الخارج الإمبريالي، لا العكس. والوقوف على هذه الخلاصة بات ضرورياً اليوم، في ظل الخلط المتمادي بين نظريتين اثنتين في تفسير الطور الحالي من أطوار الحقبة الثورية العربية. النظرية الأولى تقول إنّه من السذاجة بمكان الاعتقاد أنّه لا يد للغرب في كل ما يحصل اليوم من تحوّلات بنيوية على الساحة العربية. وقد بات لهذه النظرية أنصار كثيرون اليوم. صحيح أنّ سرديتهم ناقصة بعض الشيء، وبحاجة إلى مزيد من التماسك المنطقي، إلا أنّ ما يحدث في ليبيا يومياً من فظاعات (يتقاسم المسؤولية عنها الناتو وعملاؤه في الشرق، والقذافي وكتائبه في الغرب) يفاقم من عزيمتهم على تبخيس الفعل الثوري العربي، وردّه إلى مكون واحد ووحيد: الغرب واستراتيجيته التقسيمية (تقسيم ليبيا، تقسيم سوريا، تقسيم اليمن، تقسيم العراق... الخ). في المقابل هنالك نظرية أخرى، تحاول أن تبدو أكثر تماسكاً في مقاربتها للانتفاضات العربية. تقول تلك النظرية إنّ الشوط الذي قطعته انتفاضتا مصر وتونس، بدأ يهدد جدياً مرتكزات السيطرة الغربية على المنطقة. سيطرة قوامها الأساسي ممرات النفط الآمنة، وأمن إسرائيل. لذا كان لا بد من أن يبدأ الرد من هناك. فكان الاجتياح السعودي المدعوم خليجياً (قطرياً وإماراتياً وكويتياً وعمانياً) للبحرين، وكانت أيضاً محاولة إبقاء الانتفاضة السورية عند حدود معينة (أي عند حدود الاحتواء النفطي القطري ـــــ السعودي لها). ويمكن أيضاً إدراج محاولات السعودية احتواء الحراك المصري في الإطار ذاته. فسلالة آل سعود تبدو في حيرة من أمرها، بعد فقدانها أعز الأصدقاء في مصر وتونس. ولكي تروّض تلك الحيرة وتحاول أقلمتها، كان لا بد لها من التكيّف مع الوضع الجديد الناشئ بأقل خسائر ممكنة. فإيران لا تزال على الأبواب، والغرب لم يعد في وارد تغيير نظامها، بعدما فشلت كلّ محاولاته السابقة في ذلك.

ما العمل إذاً؟ هذا السؤال هو الذي يحرك اليوم السياسة الخارجية السعودية في ظل انعدام الخيارات التقليدية في مواجهة إيران، لكنّه تحرك بليد وعقيم وعديم الخيال، كالعادة. ثمّة مشكلة حقيقية لدى آل سعود وأبواقهم في ابتلاع هذه الحقيقة. هم ما زالوا يقاربون شؤون المنطقة كما لو أنّ شيئاً لم يحدث. «يحاولون التكيّف»، لكن من موقع آفل، دفنته الثورات العربية، وأهالت عليه أطناناً من التراب. لم يلحظوا بعد أنّهم باتوا تحت الأرض، وأنّ ألوفاً من الشباب اليانع والمنتفض في تونس ومصر واليمن والبحرين والمغرب (وسوريا أيضاً كما أتمنى) يدوسون استراتيجيتهم الهزيلة، ليل نهار. الشباب المصري اليوم بات يجاهر برفضه المليارات السعودية التي تحاول أن تصادر ثورته، وتلحقها بالأجندة الأميركية. أما شباب تونس، فيطالبون آل سعود بتسليمهم دكتاتورهم المخلوع الذي يقبع في مكان ما في الرياض (أو كما سماها عبد الباري عطوان مرّة مكبّ الدكتاتوريات). وكذلك الأمر مع الشباب اليمني الذي يرفع اليوم شعارت تطالب صراحة بوقف التدخل السعودي ـــــ الأميركي في الشؤون اليمنية، لكن ماذا عن شباب سوريا؟ علينا أن ننتظر قليلاً تبلور المشهد هناك، فالتشويش الحاصل من الخارج والداخل يحجب الرؤية بعض الشيء، لكن في النهاية، لا بد من أن تبلور الانتفاضة موقفاً واضحاً من الدكتاتوريات السلالية في الخليج، وإلّا فلماذا ينتفض المرء، إذا كان سيستعين على دكتاتورية بأخرى، وعلى أوليغارشيا مافيوزية بأخرى، أكثر مافيوزية وعمالة للغرب.
وموقف الكتل الجديدة المنتفضة من التوظيف السعودي (والقطري كذلك) لحراكها، ليس منفصلاً تماماً عن مواقف الكتل الجديدة الآخذة في التبلور داخل الدول النفطية ذاتها من ذلك. طبعاً لا يمكن التعويل تماماً على نواة هشّة كهذه، في ظل شروط «غير ناضجة» أصلاً للتحوّل الديموقراطي هناك. في هذا الموضع تحديداً، يمكن المحاججة «بافتراق النموذج الخليجي النفطي عن باقي النماذج العربية»، ليس تقليلاً بالطبع من حجم التناقضات التي تعتمل داخل تلك البنى المغلقة والممسوكة فوقياً، بل إدراكاً لحجم الإمساك الغربي بها، وبمفاتيحها. فالسادة البيض في أميركا وأوروبا، يعرفون تماماً ما معنى أن تنفتح تلك البنى، وتتحرّر من قبضتهم. ولأنّهم يعرفون ذلك يوعزون إلى أتباعهم في الخليج بسلوك منهج الإصلاح الصّوري (كما يحدث في البحرين اليوم). إصلاح سيؤجل الانفجار، لكنّه لن يمنعه. ووقوعه لاحقاً (أي الانفجار) في البحرين، أفضل ألف مرة من وقوعه في السعودية أو الإمارات أو قطر، حيث الاحتياطات النفطية والغازية التي تسيل لعاب الغرب.
إذاً ما يحدث هنا أنّ «الاستثناء الخليجي» ليس استثناءً تماماً. هو «استثناء» بمشيئة الغرب فحسب. معنى ذلك أنّ الغرب ضالع فعلاً في ما يحدث في المنطقة من تحوّلات، لكن إلى أيّ من النظريتين أعلاه ينتمي ضلوعه؟ إلى نظرية الاحتواء أم إلى نظرية المؤامرة؟ دعونا نلاحظ شيئاً هنا: غالباً ما يسيل لعاب الغرب الكولونيالي عندما يتحرك شيء ما داخل السلالات الجمهورية، لكن عندما ينتقل الحراك إلى المحميات والمستعمرات النفطية في الخليح، لا يعود يبدي أي اهتمام. بلى هو يفعل ذلك، لكن باستحياء شديد (اقرأ: «الإصلاح» في البحرين واضطهاد المرأة في السعودية). طبعاً سيدرج البعض هذا السلوك في خانة ازدواجية المعايير التقليدية لدى الغرب. لا يا سادة. الأمر هنا يتعدى كونه كذلك، إذ إنّ سلالات النفط في الخليج هي آخر قلاع النيوكولونيالية في المنطقة، والحفاظ على أمنها واستقرارها، هو حفاظ على أمن الغرب واستقراره. لم يعد هذا الغرب مستعداً لمزيد من الخضّات الاقتصادية، بعد انكشاف هشاشته جراء الأزمة الرأسمالية الأخيرة، وتداعياتها الراهنة في اليونان واسبانيا وايرلندا والبرتغال و... الخ. وهزّ استقرار الخليج (عبر تحوّلات ديموقراطية راديكالية داخله، أو نزاع مع إيران) يعني أنّ الشريان النفطي الذي يغذّي ما بقي من اقتصادات أميركا وأوروبا، سينقطع جزئياً، ويخضع لرقابة حكومات وطنية لا يريد الغرب لها أن توجد أصلاً. من المبكر حتماً افتراض سيناريوهات مماثلة، وخصوصاً في ظل الشروط غير المؤاتية للحراك الديموقراطي في الخليج، غير أنّ ما عشناه من تحوّلات بنيوية وجذرية حتى الآن، ينبئ بأنّ ما كان بالأمس افتراضاً، لم يعد كذلك اليوم. حتى البنى العشائرية والولاءات القبلية الراسخة في الخليح، يمكن خلخلتها إذا ما أراد الشعب ذلك، لكن مجدداً نطرح سؤال: أيّ شعب؟ لا يبدو أنّ الشروط الموضوعية التي تعيشها شعوب الخليج قد نضجت لاحتمال كهذا (كما أسلفت)، إلا أنّه يبقى احتمالاً وارداً. من كان يتصور قبل أشهر قليلة أنّ نظام آل خليفة في البحرين سيتعرض لهزّة مماثلة؟ سيخرج علينا طبعاً من يحاجج بفرادة التركيبة الديموغرافية في البحرين، وانعدام وجود مثيل لها في قطر أو عمان أو الكويت أو الإمارات، وهذا أمر صحيح، لكن صحته جزئية وناقصة. فانعدام وجود أقليات أو أكثريات محرومة في تلك الدول (باستثناء السعودية حيث توجد مشكلة جديّة في شرقها الشيعي) لا يعني أنّ الحراك فيها أقلّ أو أكثر. والحراك هنا قد يتخذ أشكالاً مختلفة ومغايرة عن السائد النمطي. هكذا يعتقد من يعرف تماماً نمط الإنتاج الريعي والمستورد للعمالة الأجنبية هناك. نمط حوّل سكان الخليج الأصليين إلى أقلية، وعمالتها الوافدة إلى أكثرية! بالمناسبة هل من يجرؤ على التدقيق في نمط الإنتاج الكارثي في الخليج؟ هل هنالك من يعرف أصلاً وضع العمالة الأجنبية في هذه الدول؟ لا حاجة إلى السؤال طبعاً، فالهيمنة السعودية ـــــ الإماراتية ـــــ القطرية على الإعلام العربي كفيلة بإخراج تلك الإشكالية من حيّز التداول أساساً. وإذا حصلت معجزة، وطرحت للنقاش، فستكون على نطاق ضيق للغاية، وفي وسائل إعلام غربية مستقلة، وغير خاضعة لأجندة حكومات تنسق اقتصادياً أو عسكرياً أو سياسياً مع سلالات النفط. هذه العمالة اليوم، وبحكم تموضعها الاستثنائي هي التي «ستفرض» جزئياً شكل الحراك المستقبلي في الخليج (هنالك من يشكّك في هذه الفرضية). فمن ناحية، هي غير مرتبطة بشبكات ولاء تقليدية تقيّد حراكها المطلبي (المستقبلي طبعاً)، ومن ناحية أخرى، يتيح لها نموّها الديموغرافي المذهل شروطاً أفضل للاندماج في أي دينامية مستقبلية، ينهض بها أبناء الخليج المحرومون حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية... الخ، لكن يبقى أيّ حراك في هذا الاتجاه مشروطاً برغبة أبناء الخليج الأصليين في إدماج العمالة الوافدة في ديناميتهم الافتراضية تلك.
ثمّة من يقول الآن (وأكاد أسمعهم): «اترك الخليج وشأنه.. هو خزّان نفط(نا) ومصدر عيشـ(نا) ومنفانا الاختياري». ولهؤلاء «المنفيين» أقول: هو كذلك اليوم فحسب، وحراكنا في الجمهوريات العربية الجديدة هو بالضبط حراك «لتقييد» تلك الوجهة الرجعية في التفكير، ولتغيير نمط اشتغالها بالكامل. ومن يقول إنّه نفط(نا) ومصدر ثروتـ(نا)، وباقي الترّهات الريعية، فعليه أن يتأمل قليلاً في تفاصيل صفقة السلاح التي ستبيع بموجبها الولايات المتحدة السعودية سلاحاً ثقيلاً ونوعيّاً (ما هي وجهة استخدامه يا ترى؟). أما ثمن هذا السلاح، فيكاد يوازي ميزانيات الجمهوريات العربية مجتمعة: ستون مليار دولار!
* كاتب سوري