في خطوة قد تكون مفاجئة تماماً، أعلنت وزارة الخارجية السورية «اعترافها بالدولة الفلسطينية في حدود عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية، على أساس الحفاظ على الحقوق الفلسطينية المشروعة». وفي الوقت ذاته، رحب الرئيس الفلسطيني بالخطوة، مشيراً إلى أنها دفعة للجهود الفلسطينية في التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على عضوية كاملة للدولة الفلسطينية في المنظمة الدولية.

من المعروف أنّ الأسرة العربية اعترفت بالدولة الفلسطينية المعلنة في 1988، باستثناء سوريا ولبنان. وهما البلدان العربيان الوحيدان اللذان كانا يتصدران قائمة تضم اثنتين وثلاثين دولة، تعترف بنحو أو بآخر بالفلسطينيين، دون أن يرقى الاعتراف إلى مستوى اعتراف بالدولة الفلسطينية؛ إذ تستضيف دمشق وبيروت مكتباً تمثيلياً لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وبالعودة إلى قرار الاعتراف السوري، تداعت الأسئلة المشروعة، من قبيل: «لماذا في هذا الوقت بالذات؟»، وخصوصاً أنّ النظام في سوريا بقي معارضاً ومتحفظاً على كلّ خطوة فلسطينية تصب في هذا السياق، ابتداءً من إعلان دولة فلسطين في 1988 في الجزائر، وصولاً إلى اتفاقات أوسلو، وإنشاء السلطة الفلسطينية، وحتى الجهد الفلسطيني الأخير في العودة إلى طاولة المفاوضات وما تلاه.
ربما كانت سوريا تحاول في الاعتراف هذا توجيه رسائل متعددة الاتجاهات داخلياً وعربياً ودولياً، تصب كلّها في خدمة النظام السوري، للخروج من أزمته الداخلية العاصفة التي شهدت تصاعداً في حجم القمع الدموي والضحايا الذين سقطوا في الأيام الأخيرة.
تبدو الرسالة الأولى موجهة إلى التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، من خلال الاقتراب أكثر من خصومه الفلسطينيين، والتهديد بترك جناحه الفلسطيني، أي حركة حماس، بدون رعاية، بسبب موقف الإخوان من الأزمة في سوريا، والاشتراك الفاعل للفرع السوري في تنظيم الإخوان بأعمال المعارضة السورية ونشاطاتها.
الرسالة الثانية موجهة داخلياً، إلى الجمهور الفلسطيني المقيم في سوريا، وهو الجمهور الذي نال انتقادات حادة من المعارضة السورية، لعدم اشتراكه في الأنشطة المعادية للنظام، ونال حصته كذلك من اتهامات النظام ذاته في بداية الأحداث، باعتباره عاملاً خارجياً في الأزمة. ومن هذا الاعتبار يعزز النظام رؤيته له بالاعتراف بدولة فلسطينية، بما يتبعها من مرجعية قانونية للفلسطيني. مع ضرورة التنويه بعدم الانجرار إلى وهم تغيّر التعاطي السوري مع العامل الفلسطيني في سوريا، من الأمني إلى السياسي؛ إذ إنّ السياسي لا يزال مغيباً في العلاقة الفلسطينية ـــــ السورية، على حساب الحضور المكثف للتعاطي الأمني، وخصوصاً في الظرف الحالي الذي يمر به النظام.
الرسالة الثالثة موجهة إلى الأسرة العربية، مفادها أنّ عهد الخروج السوري عن الإجماع العربي قد بدأت نهايته، وأنّ الإجماع العربي في الموضوع الفلسطيني سيكون تاماً، بعد الاعتراف السوري، واحتمال الاعتراف اللبناني، بعد زوال العقبة السوريّة. وبهذا ستنكفئ دول عربية عن انتقاد النظام السوري، وخصوصاً تلك الدول المشتركة في اللجنة العربية لمتابعة مسار عملية السلام في الشرق الأوسط. فالاعتراف السوري ذاك، يوفر إجماعاً عربياً للقرار المتخذ بالتوجه إلى الأمم المتحدة لطلب عضوية كاملة لدولة فلسطين، ما يعطي قوّة للطلب العربي. في المقابل، إنّ الأسرة العربية مطالبة بتوفير حماية من نوع ما للنظام في سوريا، في وجه الضغوط الدولية الممارسة عليه.
الرسالة الرابعة موجهة إلى المجتمع الدولي، ومفادها أنّ السلوك السياسي للنظام السوري يتغيّر، وأنّ الحجج الخفيّة والظاهرة التي تؤخذ دولياً عليه، في طريقها للزوال. فالاعتراف ذاك مفاده أنّ النظام في سوريا لم يعد قريباً جداً من الإيديولوجيا الإيرانية في المنطقة، المتعلقة بالنظرة إلى إسرائيل كياناً سرطانياً تجب إزالته. وبالتالي إنّ حالة التماهي بين السياسة السوريّة وحزب الله قد تغيّرت. كذلك، يوحي الاعتراف أنّ النظام في سوريا يتجه لأن يكون منسجماً مع المجتمع الدولي في ما يخص الصراع العربي الإسرائيلي، باعتبار هذا الانسجام شرطاً للتعاطي الدولي مع سوريا، وأنّ حماس لم تعد أقرب من فتح والسلطة الفلسطينية إلى دمشق. ويوحي ذلك أيضاً أنّ اعترافاً سورياً بدولة فلسطينية على حدود 1967، يعني تجديد الاعتراف السوري بالقرار 242 الذي على أساسه قامت عملية السلام في المنطقة. وهو ما يبعد سوريا عن «التهمة» الملازمة لنظامها من أنّه يحمي ويرعى منظمات «الإرهاب» في المنطقة، على حساب القوى المعتدلة في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي.
مما لا شك فيه، أنّ الاعتراف السوري سيزيد عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية، في خطوة باتجاه الحصول على ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يسهل على القيادة الفلسطينية توجهها في ما سمي «استحقاق أيلول». لكن هذا الاعتراف هو مجرد خطوة أولى في اتجاه تصويب العلاقة الفلسطينية ـــــ السورية، وإحياء مرتكزاتها الأساسية المشتركة بعيداً عن سياسة الوصاية والاستحواذ واللعب على المتناقضات، وفي الابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية الخاصة لكلّ طرف، مع الاعتراف بضرورة العمل على المواضيع المشتركة من منظور عربي وفق القواسم المشتركة
للطرفين.
هل يمكن النظام السوري أن يتخلى عن تاريخ تعاطيه مع القضية الفلسطينية باعتباره مسؤولاً أوحد عنها؟ وهل يمكنه أن يتجه أعمق في تصحيح علاقاته العربية بدءاً بالمسار الفلسطيني؟ أم أنّ خطوة الاعتراف تلك ما هي إلا ضربة نظام يجاهد للخروج من أزمته الأساسية من خلال قرار قد يتراجع عنه في أول انفراجة سياسية؟
* كاتب فلسطيني مقيم في باريس