أفضت التسويات في مرحلة ما قبل تأكّد اتجاه «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان» نحو اتهام عناصر من حزب الله بتنفيذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إلى تعايش دعم «المحكمة» مع دعم المقاومة. كانت تلك التسويات ثمرة تفاعل عوامل داخلية وإقليمية، أدّت دوراً شديد التأثير فيها العلاقات السورية ـــــ السعودية. انهارت تلك التسويات بسبب الإصرار الأميركي خصوصاً، على إخراج المحكمة من دائرة المساومة، ووضع قرارها الاتهامي المباشر، ما أمكن، في خدمة السياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. أدّى ذلك، في لبنان، إلى إسقاط «حكومة الوحدة الوطنية» برئاسة سعد الحريري، في امتداد مخاض تبلورت معه أكثرية جديدة حملت النائب نجيب ميقاتي إلى السلطة على رأس حكومة تمثّل هذه الأكثرية. يجسّد نصّ البيان الوزاري استمرار التمسّك بمعادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، فيما جاء التعامل مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مشروطاً وفاتراً ومتوجّساً من تأثيرها السلبي على «وحدة لبنان وسلمه الأهلي».

ما يعنينا هنا هذا الشق الباقي من التسوية السابقة، بعدما سقط الشق الثاني، أي شق الالتزام الكامل بالمحكمة الدولية. وسنتجاوز راهناً ما طبع الحياة السياسية اللبنانية من كذب وتكاذب: التكاذب في حال الاتفاق، والكذب في حال الخلاف. ويصحّ العكس أيضاً على الحالين. فمن قبيل الكذب مثلاً، ما يعد به البيان الوزاري للحكومة الحالية من التزام بـ«تطبيق الدستور، واستكمال تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذاً كاملاً»، كما أنّه من قبيل التكاذب أيضاً ما ورد بشأن «مرجعية الدولة في كلّ القضايا المرتبطة بالسياسة العامة للبلاد»، وكذلك حصرية الأمن بحماية «السلاح الشرعي»، دون أن يشاركه أيّ سلاح آخر... ونماذج الكذب والتكاذب أكثر من أن تُحصى في تعهدات البيان الوزاري الحالي، والبيانات الوزارية السابقة. وهي، في تعدّدها وتكرارها، تعبير عن خلل مستمر ومتفاقم في حياتنا السياسية، كما أنّها شكل من أشكال تكريس التوازنات المعطلة والأزمات المتنوعة والعجز القاتل عن الشروع في بناء وطن موحّد وسيد وحصين وديموقراطي.
ليس هذا حكماً مسبقاً على الحكومة الجديدة. إنّه في الواقع، تحذير من تكرار الأخطاء نفسها، بل هو، في شكل من الأشكال، إطلاق تحدٍّ لجعل معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» عملية متكاملة، لا مجرّد تكريس لدور أحد أطرافها على حساب الطرفين الآخرين. ويجب تحديد أنّ الطرفين الآخرين، أي الجيش والشعب، هما في الواقع طرف واحد، وهو «الدولة» التي يتّسع مفهومها ونطاقها لهذين الطرفين ولسواهما، على نحو يفي بالغرض المنهجي، وعلى نحو كاف ومقنع من الناحيتين المنهجية والعملية معاً. والتباين والتناقض ما بين الدولة والمقاومة أمران ليسا مفتعلين. فلطالما حضرت المقاومة الشعبية حين غابت السلطة الرسمية للدولة. أما في لبنان، وبعد «اتفاق الطائف»، فلقد كان ضرورياً أن تحضر الدولة والمقاومة معاً، ووفق «تناغم» جرت الإشارة إليه مراراً. كانت الحرب الأهلية قد دمّرت الدولة، وكانت الاعتداءات الإسرائيلية قد استدعت تأسيس مقاومة. وكانت المصلحة والتوازنات الواقعية تقضي بأن تتعايش عملية ترميم الدولة مع عملية تعزيز المقاومة. لأسباب تتعلق أيضاً بسياسات وتوازنات وتكليفات، نظمت الإدارة السورية للبنان هذا التناغم، إلا أنّه، وفيما نجحت القوى التي توّلت عملية تنظيم المقاومة (على نحو فاعل)، في تحقيق مهمّتها، فشلت القوى التي تولّت عملية إنهاض الدولة، فشلاً ذريعاً في تحقيق المهمة المقابلة.
في زمن ما، كانت المقاومة غير معنية ببناء الدولة. هذا الزمن بكلّ أسبابه وملابساته، انتهى الآن. وهو غير قابل للتكرار، وخصوصاً بعد استغراق الوضع السوري في أزماته الداخلية الخطيرة والمتفاقمة.
عملية بناء الدولة مسألة تحتّمها أمور عدّة، دفعة واحدة: أوّلاً، لأنّ تفتيت بلداننا، ومنها لبنان، على أساس طائفي أو مذهبي... هو خطر داهم من شأن تفاقمه أن يخلّ بوحدة الشعب اللبناني ويدفع بأطرافه المتنازعة إلى الوقوع في شرك الفتنة، وإلى الارتهان قبل (وخصوصاً بعد) للجهات المعادية (وحتى الصهيونية منها، كما حصل سابقاً). والوقوع في فخّ الفتنة يضعف القضية الوطنية للمقاومة ويصرف جهودها عن العدوّ الحقيقي، الذي هو العدوّ الصهيوني وحماته. هذا فضلاً عن أنّ الفتنة تستنزف الطاقة الخاصة والعامة، وتستحضر أكثر مشاعر الخيبة واليأس والانكفاء ضرراً وضراوة.
وفي لبنان، على نحو خاص، يكتسب موضوع بناء الدولة أهمية استثنائية. فلبنان الذي صدّر، في بعض ما صدّر، أوبئة الانقسام الطائفي والمذهبي والتقاتل المذهبي، افتقر بالارتباط مع ذلك سببياً، إلى الروح الوطنية الجامعة والوحدة الوطنية الراسخة والمنيعة. لا يمكن تحميل المسؤولين اللبنانيين وحدهم تبعات الانقسامات التي يعانونها، لكنّهم أثبتوا أيضاً تأصّل النزعة الفئوية لديهم، على حساب المسؤولية الوطنية. وفي النموذج العراقي على الأقل، جرى الدفع بـ«اللبننة» إلى الحد الأقصى، مما جعل هذا البلد، المهم بكلّ المقاييس، ضحية مسار لا ينتهي من الصراعات الدموية والانقسامات المدمّرة والخسائر المرعبة.
بناء الدولة في بلدنا شرط وجود لبقائه. والمقصود بذلك بناء دولة مساواة بين المواطنين، دولة قانون ومؤسسات، لا دولة طوائف ومذاهب وفئويات أخرى. ما هو قائم، حالياً، هو دولة ضعيفة ومفكّكة تخدم في جزء أساسي من دورها وإمكاناتها نشوء دويلات أخرى، لا يستثنى من مسؤولية قيامها أحد، مهما اختلفت المبرّرات أو تعدّدت الأشكال وتباينت القدرات والإمكانات.
في مكان أساسي، باتت المقاومة محتاجة إلى الدولة، بعدما كانت الدولة، بمفهومها الشامل والعام، محتاجة لكي تحرّر الأرض وتستردّ شيئاً من السيادة ومقوّمات الوجود، إلى المقاومة الشعبية المسلّحة. هذا الأمر يجب أن لا يغيب عن الحريصين على معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، ووفق ما تمليه من شروط وأولويات. ولن تقوم الدولة بغير ما أشرنا إليه من قرارات إصلاحية تاريخية جزء أساسي منها مكرّس، على نحو حاسم، في بنود الدستور اللبناني. «إلغاء الطائفية هدف وطني كبير يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية». هذا ما حسم بشأنه الدستور اللبناني في نصوص واضحة، وفي آليات وصيغ كان يجب البدء بها منذ 1992، مع قيام أوّل مجلس نيابي على أساس المناصفة، كما جاء في المادة 95 من الدستور اللبناني.
من هنا يجب أن تبدأ عملية التوقف عن الكذب والتكاذب، أي أن تتوقّف مهزلة، بل كارثة، تحاصص البلد، وسرقة القسم الأكبر من موارده وخيراته من جانب المتاجرين بالطائفية، أصحاب الدويلات التي تأكل من عافية الوطن وتمنع توحيده واستقراره وازدهاره. الإصلاح السياسي هو بداية البدايات، أي بداية إصلاح اقتصادي واجتماعي، أيضاً. ونقيض النظام الحالي، نظام ديموقراطي، هو بالضرورة، نظام مدني لا طائفي، وهو بالطبيعة نظام يسعى تدريجياً إلى بناء عدالة اجتماعية هي بالضرورة كذلك، ثمرة خطة تنمية اقتصادية شاملة. في مرحلة من المراحل، كان امتلاك الإرادة والسلاح والصواريخ والدعم يكفي لتحقيق الانتصار. لم يعد ذلك كافياً الآن للاستمرار في المعركة ولمتابعتها، وحتى للحفاظ على الإنجازات السابقة.
بديهي أنّ هذا الأمر المطروح على المستوى اللبناني، ينسحب بمقاييس أكبر على كلّ قوى «الممانعة». في تجربة القوى الثورية التي قاومت الإمبراطوريات الاستعمارية التي سعت وتسعى إلى الهيمنة خطأ قاتل لا ينبغي تكراره: الفصل التعسّفي ما بين عملية تحرير الأرض وعملية تحرير الإنسان. الوضع السوريّ راهناً نموذج لعدم الاستفادة من دروس التاريخ. خصوصية التجربة اللبنانية تتيح فرصاً أفضل لاشتقاق معادلات جديدة لا يكون فيها «التناغم» بين الدولة والمقاومة من طرف واحد!
ثمّة إشارات إيجابية لا يمكن تجاهلها، لكن المطلوب توجهات واضحة وحاسمة لمصلحة بناء الدولة. واجب القوى الوطنية ـــــ الديموقراطية، كبير في هذا الصدد، وغياب فعلها الموحّد والمؤثر لم يعد مفهوماً!
* كاتب وسياسي لبناني