لا بد من صياغة الشعارات التي يطلقها المحتجون السوريون في الشوارع، أي تلك التي تكسو شعار إسقاط النظام، بأسس النظام البديل. المسألة هنا ليست عبثية، فالتعبير عن تلك الأهداف من خلال الشعارات سيفرض إنهاء التشويش الذي يُلقى على الثورة، سواء من خلال تحويلها إلى صراع على السلطة فقط، لتكون ثورة من أجل طرد فئة طائفية لمصلحة الإخوان المسلمين والأصولية الإسلامية، أو من خلال عدم لمسها لمشكلات فئات مفقرة لم ترَ في الشعارات ما يقنعها بأنّها معنية بكلّ ذلك الحراك. لقد أثارت بعض الشعارات، والكثير من الإعلام «الخارجي»، تحسسات لدى فئات اجتماعية، بعضها من طوائف وأديان أخرى غير الإسلام، وبعضها علماني، وأفضى تغييب المطالب الأساسية للطبقات الشعبية إلى تحوّل ذلك إلى خوف من لعب النظام على تعزيزه من خلال العمل على تخويف الطوائف من أصولية إسلامية سلفية «زاحفة»، ومن مجموعات إرهابية سلفية. وإذا كانت هذه الفئات لم تكسر حاجز الخوف بعد فإنّ فهم أنّ الثورة تهدف إلى تغيير اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي عميق، سيفتح الأفق لانخراطها في الثورة. فقد تصاعد التخويف، وازداد الضغط على الطوائف، بهدف عدم الانخراط في الثورة، وللدفاع عن النظام، وجرى استخدام الكثير من الديماغوجيا لتكريس الطابع «الأصولي» للثورة، وبالتالي لا بد من التركيز على توضيح الشعارات التي تعبّر عن الأهداف الحقيقية. فالإسقاط بات شعاراً واضحاً، لكن لمصلحة أي بديل؟ لمصلحة العشائر والحرائر والدولة الدينية؟ هذا ما يجب أن يتوضّح من خلال الشعارات لكي يكون واضحاً أنّ البديل هو الدولة المدنية الديموقراطية التي تتضمن حلّ المشكلات المجتمعية، وتستطيع تحقيق مطالب الطبقات الشعبية.

وإذا كانت الظروف الداخلية هي التي يجري تناولها في مواجهة السلطة، إذ إنّ التفارق الطبقي الذي نشأ يفرض تمركز التناقض هنا، فإنّ المسألة الوطنية تدخل في الديماغوجيا التي تواجه الثورة، وخصوصاً أنّ النظام يصنّف بأنّه «ممانع»، وفي تحالف مع قوى تصارع الإمبريالية والدولة الصهيونية (إيران، حزب الله، وحماس). لكن كان واضحاً موقف الثورة من أميركا في الشعارات التي طرحت، وكذلك في تلك التي تناولت الجولان. ولا شك في أنّ الطبقات الشعبية تعي الدور الإمبريالي، وتتلمس أخطار التدخل الإمبريالي، وتتوق لتحرير الجولان (وفلسطين)، ولقد دعمت المقاومة ولا تزال. ويرى الشعب أنّ مآسينا نتاج السيطرة الإمبريالية والوجود الصهيوني، ورأى نتائج الاحتلال الأميركي للعراق.
لكن ظهور الثورة بمظهر الذي يريد إسقاط نظام «ممانع» يوجد تشويشاً ما، يغذي الدعاية التي تقول بأنّ خلف الثورة «مؤامرة إمبريالية». ولقد جرى اللعب على هذا الوتر في سوريا، وأكثر في بعض البلدان العربية. وإذا كان كلّ من يلعبون على هذا الوتر لا يريدون رؤية الوضع الاقتصادي الذي أوجدته الفئة المسيطرة، ويتمسكون بوجود تعارض معيّن فرض الاختلاف مع الإمبريالية الأميركية، وكان يدفع السلطة إلى البحث الحثيث عن نقاط التفاهم، حتى وإنْ جاء عبر الدولة الصهيونية، فإنّ التعبير عن الموقف الوطني للطبقات الشعبية هو أمر ضروري، لا رداً على هذا الخطاب الديماغوجي، بل ليكون واضحاً أنّ التغيير الذي يهدف إلى تغيير الوضعية الاقتصادية التي تشكلت لن يتحقق إلا في الصراع مع الإمبريالية.
لذلك، لا بد من التوكيد على المسألة الوطنية في الشعارات، خصوصاً أنّ الجيش بدل أن يحرر الجولان بات يحرر المدن من الشعب. لا بد من أن يكون واضحاً أنّنا لا نريد التغيير من أجل نظام عميل، أو من خلال قوى إمبريالية، بل نريد تغييراً وطنياً. نريد أن تنكسر السلطة من خلال صلابة الشعب، وليس من خلال تدخل إمبريالي. إذ إنّ تحقيق مطالب الطبقات الشعبية يفترض الصراع مع الإمبريالية، التي تصوغ العالم وفق مصالحها فلا تبقي شيئاً للشعوب، ولا تحسب مصير الشعوب أساساً. كما أنّ المشكلة التي أفضت إلى الإفقار، نشأت منذ أن تحقق الانفتاح على النمط الإمبريالي، والتمفصل معه، وتوفير مجال كبير للنهب الذي تقوم به طغم مالية. وبالتالي، نحن نريد نظاماً قادراً على تحرير الجولان، ومواجهة الإمبريالية في كل الوطن العربي، ويقطع مع النمط الإمبريالي لتحقيق التطور والحداثة.
إذن، لا بد من برنامج يطرح مطالب الطبقات الشعبية، ويشير إلى النظام البديل الذي تسعى إلى تحقيقه. ولا بد من أن تتأسس الشعارات على هذه المطالب لكي توضحها، وليكون المطلوب كذلك تنظيم نشاط الانتفاضة، وتوحيد الحراك بما يعطيه القوة، ويسمح باستمراريته. ولأنّ الحراك بدأ عفوياً فقد كان دون تنظيم، ثم بُدئ في تشكيل تنسيقيات محلية ومناطقية. لكن السرية التي تحكم النشاط في ظل القمع الوحشي فرضت أن يكون التعارف بين التنسيقيات بطيئاً، أو يمرّ من خلال «مفاصل» لها رؤياتها، مما أوجد إشكالات في التجربة، جعلت التنسيق دون مستوى الفعل، ويظهر أنّه يُستغل لمصالح قوى بذاتها، رغم الميل العام لدى الشباب إلى الابتعاد عن القوى السياسية. لذلك لا يزال التنسيق دون المستوى، ويظهر فارقاً بين الفعل المحلي، والشباب الذي ينظمه، والتنسيقيات التي يبدو أنّها تمثل نخباً لها «أيديولوجياتها». ورغم أنّها تساعد على تنظيم الحراك وتطوير تواصله يميل البعض منها إلى تجيير هذا النشاط لسياسات «حزبية»، أو حتى فئات وسطى لها مصالحها. فالسريّة هنا تسمح بالتشويش وبعمليات استغلال، وتجيير، وربما يفضي ذلك إلى توترات مع التنسيقيات المحلية التي تعبّر حقيقة عن الحراك، وتعي بحسها السليم ما تريد تهديمه، وتشير إلى ما تريد.
رغم كل ذلك، لا بد من تطوير التنسيقيات. لا بد من إيجاد تنسيقيات في كلّ منطقة وحي ومدينة. كذلك يجب إيجاد الصيغ التي تؤسس لنشوء هيئة عليا تنظم العلاقة بين كل تلك التنسيقيات. طبعاً تقف السرية عائقاً أمام كل ذلك، لأنه ليس من الممكن ارتقاء التنظيم دون المعرفة المباشرة بين الأفراد.
من الضروري اليوم:
1) التوافق على الأهداف العامة للانتفاضة. الأهداف التي تعبّر عن الطبقات المشاركة فيها وليس عن النخب والفئات الوسطى فقط. كذلك فإنّ الأهداف الاقتصادية المطلبية أساسية، لأنّها هي مطالب الطبقات الشعبية المباشرة والأكثر أهمية، ويوصل حلّها وحده إلى استقرار مجتمعي. هنا لا بد من التركيز على البطالة، وتدني الأجور وغياب الضمان الاجتماعي والصحي، وانهيار التعليم. كذلك يجب التركيز على النهب والفساد وتمركز الثروة بيد أقلية ضئيلة وإفقار الطبقات الشعبية، وعلى انهيار الزراعة وتدمير الصناعات، وعلى السيطرة على الأرض وتحويلها إلى عقارات، وعلى الأسعار التي باتت خارج مقدرة الشعب. والخدمات السيئة ومرتفعة السعر.
كذلك لا بد من التركيز على طبيعة الدولة بوصفها دولة مدنية ديموقراطية، وهو المطلب العام بين كل المشاركين، لكنّه غير كاف لتصاعد الانتفاضة، وغير كاف بالنسبة إلى الطبقات الشعبية. لا بد من التأكيد على تحقيق أقصى الدمقرطة في بنية الدولة الجديدة، التي تعطي للطبقات الشعبية أقصى الحرية في التعبير عن مصالحها، وفي الدفاع عنها، والسعي إلى تحقيقها. دولة تنطلق من مبدأ المواطنة الذي يعني المساواة بين أفراد الشعب. ومن أنّ الشعب هو مصدر القوانين، والحق في التظاهر والإضراب وكل أشكال الاحتجاج، الحق في تكوين نقابات مستقلة تدافع عن مصالح أفرادها، وحق الأحزاب دون قيود وقوانين تقيّد هذا الحق.
ثم لا بد من أن يكون واضحاً أنّنا لا نريد التغيير فقط وبأي ثمن، بل نريد التغيير من أجل وطن حرّ مستقل، ولذلك، لا بد من تحديد أنّ الجولان يجب أن يتحرر، وأنّه يجب إعادة بناء الجيش لكي يكون قادراً على ذلك. ثم تحديد أنّ سوريا ليست محايدة في الصراع من أجل فلسطين، أو يمكن أن تكون مع قوى النهب العالمي ضد الشعوب. بالتالي فهي حتماً ضد الإمبريالية والصهيونية، وهي مع التحرر العربي العام.
2) لا بد من تحديد الشعارات انطلاقاً من هذه المطالب وعدم الاكتفاء بـ«ارحل»، أو «الشعب يريد إسقاط النظام»، أو «الحرية»، أو التعبيرات الدينية المعهودة. فليست المطالبة بالعمل أو الأجر تقزيماً للشعار الكبير الذي يتعلق بإسقاط النظام، بل هي تحديد وإشارة لما يجب أن يقوم به النظام الجديد، وهي في الوقت ذاته، توضيح لقطاعات مجتمعية لم تشارك بعد، بأنّ المسألة تخصها مباشرة لأنّها تطرح مطلبها. فما يحصل ليس «حقداً» على نظام، بل مسألة بديل يحقق مصالح طبقات وفئات أوسع، ويسقط النهب والاحتكار.
لا بد من التركيز على البطالة والأجور، والتعليم والصحة، والزراعة والوظائف وغيرها. لا ينبغي التخوّف من أن يؤدي طرح ذلك إلى إجهاض الانتفاضة، لأنّ النظام غير قادر على تحقيق تلك المطالب، فهو عاجز عن تحقيقها، ولو كانت لديه القدرة لفعلها منذ زمن، فقد نهب الاقتصاد وصاغه بما لا يسمح بأن يعيد تقديم الحلول للمشكلات الاقتصادية كلّها، لأنّ الحل يقوم على حساب الفئات التي تحكم ذاتها. أزمة السلطة تتمظهر في الاقتصاد أكثر مما تتمظهر في الدمقرطة، لأنّ الدمقرطة سوف تفتح باب المحاسبة على ما نهب، وتسمح بالتركيز على الفارق الطبقي الهائل. ولهذا يمكن أن تقدم «تنازلات ديموقراطية»، لكنّها عاجزة عن تقديم حلول اقتصادية حقيقية.
3) ترتبط تلك المسألة بدور الفئات المسيسة، ولهذا لا بد من أن تقوم بدورها ذاك. إنّ تدمير التسييس الذي قام به النظام في العقود الماضية، من خلال القمع والاعتقال الطويل، جعل الطبقات الشعبية التي تنتفض اليوم دون «مصطلحات سياسية»، وبالتالي، دون مقدرة على التعبير عن المطالب بنحو محدَّد واضح، مما جعل التعبيرات تنهل من المخزون الثقافي «التقليدي»، أو تبتعد عن «السياسة». وإذا كان هناك من رأى أنّ ذلك هو نتيجة «وعي سياسي أصولي»، فإنّ المسألة تتعلق بنقص في الوعي السياسي، أكثر من أي شيء آخر.
4) لا بد من جهد لكسب الفئات التي لم تنضم بعد، ولا تزال مترددة، خصوصاً أنّ سبب عدم انضمام كثير منها ليس وضعها المعيشي، بل تخوفها من البديل، مع إشارة بعض وسائل الإعلام إلى طابع أصولي للانتفاضة. يفرض ذلك العمل في شقين، الأول: تأكيد مطالب المفقرين، وثانياً: مواجهة كلّ المنطق الطائفي والأصولي الذي يتعمم من خلال الإعلام، وفي تصريحات بعض ممن يرى أنّه من الثورة.
5) بذل جهد أكبر لتنظيم التنسيقيات وتحديد طبيعة نشاطها، وتحقيق الترابط في ما بينها، وعدم التشويش من خلال «اختراع» أسماء لتنسيقيات عامة لا تعبّر عما يجري في الواقع، ووقف الانقسامات التي أوجدتها الخلافات السياسية بين أطراف المعارضة.

صيرورة الانتفاضة واحتمالات التغيير

في تونس ومصر، تقدم الجيش لطرد الرئيس، وادعاء تبنّي مطالب الشعب والعمل على تحقيقها. في اليمن، لم يتحرك الجيش، واستطاع الشعب أن يحتل الشوارع، وأن يبقى معتصماً حتى يسقط النظام. ورغم انشقاق الجيش، ثم محاولة قتل الرئيس، ظهر أنّ التغيير يطرح في صيغتين: من «السلطة» بدعم أميركي، كما في تونس ومصر، فتعاد صياغة السلطة على الأسس ذاتها، وربما بالتفاهم مع بعض الأحزاب. ومن الشباب الذي طلب تشكيل مجلس انتقالي. اما في ليبيا، فقد تشكّل مجلس انتقالي، لكي يكون هو السلطة بعد رحيل القذافي.
كيف يمكن أن تتطور الانتفاضة في سوريا؟ وكيف يمكن أن يجري التغيير؟
ربما لن يكون التغيير مثل تونس ومصر، ولا مثل اليمن أو ليبيا، ويمكن أن يكون خليطاً من كل ذلك. فقد استخدمت السلطة العنف والحرب كما في ليبيا، وبدأ «تشقق» محدود في الجيش، كما في اليمن، لكن لا يمكننا أن نتجاهل إمكانية الخيار التونسي/ المصري. فالصراع لم يتحوّل إلى حرب كما جرى في ليبيا، وإمكانية أن يفرض الشباب سيطرتهم على الشارع، كما في اليمن، تبدو صعبة، وليس من الممكن أن يحدث التغيير من دون تحوّل في السلطة عبر الجيش، كما في تونس ومصر.
الواضح أنّ الانتفاضة تتوسع وتتجذر، ولا يبدو أنّ كلّ قوة السلطة قادرة على وقفها أو سحقها. الشباب والطبقات الشعبية في وضع لم يعد يسمح لهم بالتراجع، لأنّهم تحركوا بعد انتهاء خياراتهم الأخرى، وبالتالي لا تراجع قبل تحقيق التغيير وفق «الشعب يريد إسقاط النظام». وقوة السلطة تتآكل كل يوم، ووضع الدولة الاقتصادي يتآكل كذلك. لهذا فإنّ ميزان القوى بات يميل لمصلحة الانتفاضة، بعدما تكسرت قوى السلطة ودعايتها التي هدفت إلى التخويف والتفكيك، وبات واضحاً أنّ الصراع ليس طائفياً، ولا من أجل الإتيان بسلطة أخرى فقط، بل هو صراع نتج من التفارق الطبقي الهائل الذي بات يحكم البلد، وجعل هذه النسبة العالية من الطبقات الشعبية في وضع التهميش.
لقد سقط منطق القوة أمام صلابة وقوة الطبقات الشعبية. وسقط الخطاب التخويفي من السلفية والطائفية، أمام الممارسة اليومية من قبل الطبقات الشعبية التي لم تُظهر أي ميل طائفي أو ميل لنشوء دولة دينية (سلفية). يتركز الاتجاه العام اليوم على مشاركة كل الطبقات الشعبية بغض النظر عن طابعها «الطائفي أو الديني»، لأنّ المسألة لا تكمن هنا، بل في الوضع المزري الذي أوجدته المافيا الحاكمة.
يشير ذلك إلى عدم إمكانية نشوء صراع طائفي، كما تهذي بعض النخب، أو دفعٍ لحدوث صراع طائفي من أجل تدخل إمبريالي. وكذلك لا يشير إلى إمكانية ألّا تفرض قوى الانتفاضة الحسم، وبالتالي الوقوع في حالة من الاهتلاك المتبادل، بل إلى تطور الانتفاضة وضعف السلطة. وإذا لم يكن ممكناً للانتفاضة أن تنتصر فتفرض بديلها، كما يحاول شباب اليمن، فإنّ تطورها سيفرض ضعف السلطة وتفككها، لأنّها ستكون إزاء خيارين: إما تصعيد العنف والتدمير والقتل في وضع دولي بات يشير إلى إمكانية التدخل (ربما عبر تركيا)، وهذا يعني نهاية السلطة ومصيراً أسود لأفرادها عموماً. أو تفكك السلطة وتحوّل قطاع منها إلى قبول «المطالب الشعبية» كما جرى في تونس ومصر، وبالتالي فتح أفق لتعديل وضعها. وهنا ربما تتبع الطريق المصري، أو ربما التونسي، لكن في كلّ الأحوال، سيصار إلى التخلي عن طابع السلطة الراهن، والدعوة إلى بناء دولة «ديموقراطية»، والدخول في مرحلة انتقالية يتحكم فيها هذا القطاع، وربما بالتنسيق مع قوى معارضة.
في كل الأحوال، لن يخرج البديل السوري عن ذلك كما أظن. فانتفاضة الشعب ستنعكس على الجيش، وضغطها سيفرض تفكك «النواة الصلبة» في السلطة، وكلاهما سيفرضان تحقيق تغيير «سلطوي»، لكنّه يفتح الأفق لديموقراطية ما، دون تعديل جدّي في الوضع الاقتصادي، كما حدث في تونس ومصر، وما يمكن أن يحدث في اليمن. وهو الأمر الذي سيفرض استمرار الصراع لتغيير عميق، وليس من أجل تغيير شكل السلطة جزئياً، ومشاركة أحزاب لا تحمل برنامجاً يتضمن إمكانية حل مشكلات الطبقات الشعبية والاقتصاد عموماً.
بالتالي، سوف ينفتح الأفق لمسار ديموقراطي، ربما مشوش ومقزّم، ومنضبط، لكنّه سيفتح على إمكانية إعادة بناء الأحزاب السياسية التي تعبّر عن الطبقات الشعبية، وخصوصاً العمال والفلاحين الفقراء، الذين سيكون أمامهم دور أساس بعدئذ، لأنّهم القادرون على تحقيق التغيير الجذري، المتعلق بتغيير النمط الاقتصادي الذي تكوّن بالترابط مع النمط الإمبريالي.
في هذا الوضع لا بد من التأكيد أنّ المطلوب واقعياً هو التالي:
أولاً: تطوير الانتفاضة وتوسيعها، لكي تشمل الطبقات الشعبية كلّها خصوصاً، وبالتالي السيطرة على المدن والبلدات والمناطق. وهذا يعني كسر قوة السلطة عبر الحراك المستمر، اليومي. فليس من أفق واضح دون ذلك، إلا إذا تفككت السلطة أسرع من ذلك، نتيجة تأثر بنية الأجهزة والجيش بالحراك، وشعور أطراف في السلطة بأنّ لا خيار سوى بالتغيير المنضبط. إنّ توسيع الانتفاضة هو الهدف الآن، وهو الضرورة.
ثانياً: تنظيم الانتفاضة عبر تطوير التنسيقيات وتكوينها في بنية متماسكة، وتحويلها إلى قيادة فعلية للحراك.
ثالثاً: يجب الدفع نحو تحقيق ديموقراطية قصوى، من خلال فرض مرحلة انتقالية من قوى فعلية يحددها المجلس العام، أو من خلال الضغط على من يحاول أن يغيّر من قوى السلطة. المهم هنا، وفي ظل موازين القوى الطبقية القائمة، هو ان تكون الديموقراطية أساساً لنضال الطبقات الشعبية، من أجل تحقيق مصالحها. إنّ غياب القوى السياسية المعبّرة عن تلك الطبقات، يمثّل نقطة ضعف كبيرة في سياق الوصول إلى ما هو أبعد من ذلك. ولذلك لا بد من التركيز على أقصى ما يمكن من دمقرطة. ليس من السهل تحقيق ذلك، لأنّنا في كل الأحوال الممكنة للتغيير سنصطدم بقوى سياسية ليست ديموقراطية، أو تريد الالتفاف على الانتفاضة للحفاظ على مصالحها.

* كاتب عربي