الأهمية التاريخية والاستراتيجية للاتفاق بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسداسية الدولية تتطلب حتماً مناهج جديدة في تحليله. فلم تعرف العلاقات الدولية وتاريخ الصراعات بين الأمم مفاوضات شبيهة بالذي عاينّاه ولا اتفاقاً كالذي استوى على جودي النزال. بكل ما تعنيه الكلمة يعكس الاتفاق ملامح واضحة لحالة النظام العالمي الحالي، ولمستقبل النظام الآتي. النظام الراهن يتداعى والنظام القادم يشهد بدايات محمومة مأخوذة بالحدث المذكور، وكثيرة هي مراكز الأبحاث والتفكير التي بدأت ترقب المتغيرات وتقيس حركة التحولات على الساحات المحلية والإقليمية والدولية بناءً على الحصيلة النهائية التي خرجت بها إيران في فيينا.


في هذه المقالة نحاول بإيجاز أن نرصد أبرز تأثيرات هذا الاتفاق على أوضاع المنطقة وحلفاء إيران فيها.
أولاً: لن تستمر الولايات المتحدة الأميركية في أداء دور اللاعب الأوحد والمتصرّف المنفرد بأوضاع المنطقة، ليس من زاوية التسليم بقوة إيران الصاعدة فحسب، بل حتى من زاوية عدم امتلاكها لاستراتيجية فعّالة لمواجهة التحديات التي تراكمت في السنين الأخيرة، وعدم قدرتها على معالجة الأزمات المتفاقمة التي يمكن وضعها في إطار أزمة القيادة التي تعاني منها منذ مدة، والتي تجلّت بنحو ما من خلال التراجع عن ضرب إيران عسكرياً والتوجّه إلى التفاهمات الدبلوماسية بعدما كانت ترفض الجلوس على طاولة التفاوض إلا بإذعان إيران لشروطها. يمكن القول إنّه لم يكن بمقدور الإدارة الأميركية بعد سنوات من التعبئة والحشد وسياسات العداء والمواجهة أن تحسم الصراع لمصلحتها، سواء من خلال العقوبات الاقتصادية أو التهديد باستخدام الوسائل العسكرية أو أي وسيلة أخرى، فجاءت التسوية النووية لتحدّ من تعالي الولايات المتحدة الأميركية وكبريائها وشوفينيتها، ولتقلل من نفوذها وأحلامها واستغلالها لموارد المنطقة من جانب، ولتضمن من جانب آخر تقدّم إيران استراتيجياً وتفتح أمامها باباً واسعاً من الفرص والاختبارات الواعدة.


الاتفاق النووي
عكس حجم قوة إيران الدولية، وبعث برسالة إلى دول المنطقة


ثانياً: الاتفاق الذي خرجت منه إيران تترتب عليه حقائق قوة جديدة على شاطئ الخليج، بل في الإقليم كله. وبحسابات القوة الراهنة فإنّ إيران تُعدّ اللاعب الأقوى على ساحة الأزمة السورية وفي العراق واليمن، وهي الداعم الأول لحزب الله الذي أخذ دوره بالتعاظم بعد نجاحه في تكبيد إسرائيل هزيمة نكراء إبّان عدوان تموز 2006، وكذلك بالنسبة إلى الفصائل الفلسطينية المناهضة للمشروع الصهيوني. وبالتالي فإنّه بمقتضى الاتفاق سوف يتوسع نطاق القوة الإيرانية، لا لأنّ الغرب وأميركا اقتنعا أخيراً بضرورة إشراك إيران في الترتيبات الأمنية للمنطقة لتحقيق التوازن والاستقرار أو بسبب صعوبة حسم المعركة مع الجماعات التكفيرية من دونها، بل لأنّ إيران عمدت بنحو متواصل منذ سني الثورة الأولى إلى تنمية القدرات العسكرية لديها، وسعت إلى توسيع دائرة انتشارها الاستراتيجي في البحار المحيطة بها، وتعزيز تحالفاتها مع قوى المقاومة الرئيسية، وإجراء العديد من التفاهمات الأمنية من روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، وصولاً إلى سوريا بهدف حماية نفسها من التهديدات الأميركية والإسرائيلية المستمرة، وضمان أمن الخليج الذي تتدفق منه إمدادات النفط إلى العالم. فهذه النتيجة التسووية ستؤثر حتماً على سياسات وخرائط ونظم الأمن في المنطقة لمصلحة الشعوب فيها، وإن بدت متطلباتها الأولى مؤلمة وقاسية.
ثالثاً: المنطقة شهدت خلال القرون الماضية أكثر من نظام عبر مراحل التطور التاريخي آخرها نظام سايكس - بيكو الذي قسمها وزرع في عمقها كياناً عنصرياً توسعيّاً اسمه «إسرائيل». وإيران تعتبر أنّ هذا النظام لا يعكس طموحات أهل المنطقة وتطلعاتهم ورغباتهم، بل فُرض عليهم فرضاً لتحقيق مجموعة من الأهداف الاستعمارية، وبالتالي إنّ إيران معنية بمساعدة شعوب المنطقة على التحرر من قيود الاستعمار وشروطه من خلال المشاركة في صنع نظام جديد يحقق الأمن السلام والعدل والتعاون ويؤسس قاعدة نموذجية في التعايش والتكامل بين أبناء الإقليم. كذلك يقتضي النظام الجديد إيجاد حل نهائي للقضية الفلسطينية التي لا يمكن أن تحلّ إلا بزوال الكيان المصطنع وعودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه.
رابعاً: تشبيك العلاقات السياسية والاستراتيجية بين إيران وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين وقوات الحشد الشعبي في العراق وجماعة أنصار الله اليمنية، سيكتسب زخماً إضافياً في المرحلة القادمة، وسيكون على هذه القوى أن تنخرط أكثر في مشروع مواجهة التهديدين التكفيري والإسرائيلي، وسيكون عليها أن تربط أكثر بين الاستحقاقات المحلية والاستحقاقات الإقليمية ضمن استراتيجية موحدة. التفاعل المتبادل هو أحد أسباب صمود إيران وحلفائها خلال المرحلة السابقة، وقد أنتج معادلة ناجحة إلى حد كبير في توفير الحماية للدولة السورية من السقوط، ومن توفير المساندة لئلا يقع العراق في التقسيم، ومن إفشال كل المشاريع التي تعصف بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وبالتالي على ما يسمى «محور المقاومة» الذي تقوده إيران أن يستبق التحديات المقبلة بسياسات وإجراءات استباقية، وأن يبني توجهاته على أساس النتائج التي حققها من الاتفاق النووي لا أن تبقى التوجهات محكومة لفترة الحصار والعقوبات السابقة.
خامساً: إنّ الاتفاق النووي عكس حجم قوة إيران الدولية، وفي الوقت نفسه بعث برسالة إلى دول المنطقة، وخصوصاً تركيا والسعودية وإسرائيل بأنّ أعضاء محور المقاومة أقوياء وهم مستمرون بالتقدم وليس هناك حواجز تمنعهم من تحقيق المزيد من الإنجازات في الساحات والميادين التي تجري على سطحها الاشتباكات والمواجهات مع المحور المضاد، وأنّ طريق الحرير لشعوب المنطقة ستعبد بالعزة والكرامة من خلال هزيمة المشروعين التوسعيين التكفيري والصهيوني.
في المحصلة: الاتفاق بين إيران والسداسية الدولية نتاج لتغيرات هائلة في البيئتين الإقليمية والدولية. نحن لسنا أمام «ويستفاليا» جديد لتشكيل الدول ورسم الحدود. نحن أمام نظام قيمي بالكامل يتشكل تدريجياً وننتظر أن تتحول معه قواعد العلاقات الإنسانية وصورة المنطقة والعالم بنحو تصبح فيه القوة سنداً للحق ويصبح السلام بكل أبعاده حقيقة ملموسة لا مجرد أحلام وهمية!
*أستاذ جامعي