عندما أمسك الأميركي أبراهام زابرودر كاميرته لتصوير موكب الرئيس الأميركي جون كينيدي في الثاني والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 1963، لم يخطر له أنّه سيصور حدثاً آخر وهو اغتيال الرئيس. حفظت الصورة التي التقطها زابرودر واقعة الاغتيال، ومثلت المادة الوحيدة لأرشفة الحدث، ما دفع صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية في مقال نشر في 2007 الى اعتبار، أبراهام زابرودر، أول مواطن صحافي. اكثر من أربعين عاماً مرت على «فَعلة» زابرودر، كانت كافية لتطوُّر شكل جديد من الصحافة، قوامه مواطنون هواة، لا صحافيون يمتهنون مهنة المتاعب. هي صحافة المواطن، أو صحافة من دون صحافيين، او صحافة تشاركية، كما يُطلق عليها، وقد أسهم في صعودها تطوّر تقنيات الاتصال الحديثة التي سمحت، بحسب الصحافي والكاتب الاميركي دان غيللمور، لرجل الشارع «بأن يحل مكان الصحافي المهني في عملية انتاج المعلومة، وذلك لامتلاكه، أدوات تسجيل شخصية كالهاتف النقال والكاميرات الرقمية وآلات التسجيل الصوتي، إضافة الى وجود وسائل للنشر الفوري، منها: منصات لتبادل المحتويات، المدوَنات، وأدوات التدوين الجزئي». فالشبكة الإلكترونية تضم مواقع متنوعة تتيح للمواطن ممارسة العمل الصحافي من خلال نشر الأخبار والصور والتعليق عليها، كما ومشاركة الآخرين فيها. يمكن هنا ذكر المواقع الاجتماعية كيوتيوب وتويتر وفايسبوك، اضافة الى المدوَنات الشخصية التي قد تتحوّل الى صفحات ينشر عليها المستخدمون الأخبار المستقاة من محيطهم الخاص. لكن الاهتمام بهذا النوع من الممارسة الصحافية الصادرة عن مواطنين هواة، تُرجم بإطلاق مواقع إخبارية يغذّيها المواطنون أنفسهم، كما هي الحال في الموقع الإخباري الكوري الجنوبي Ohmynews، الذي يسهم المواطنون في رفده بالأخبار، وموقع AgoraVox الفرنسي الذي يعتمد على مقالات قراء متطوعين. تلك المواقع الإخبارية الإلكترونية تتبنى فلسفة مشاركة المواطنين في نقل المعلومات والأخبار، وعدم حصر النشر بطائفة الصحافيين والكتاب أو المحللين. أما الصور وتسجيلات الفيديو، فلها مريدوها أيضاً، كما تفعل وكالة Citizenside الفرنسية للصور الفوتوغرافية التي تؤدي دور الوسيط بين الوسائل الاعلامية والأفراد، فهي تتلقى الصور التي يلتقطها المواطنون بهواتفهم النقالة او كاميراتهم الرقمية، وتقوم بالاتصال بوسائل الاعلام الراغبة في شراء تلك الصور. في 2011، اشترت جريدة صن البريطانية من Citizenside شريطاً مصوّراً يظهر جون غاليانو، المدير الفني السابق لدار «ديور»، مخموراً داخل احدى الحانات وهو يشتم اليهود. لقد أدى الفيلم الذي صوّره أحد رواد الحانة بهاتفه، الى طرد غاليانو من الدار الفرنسية العريقة. تلك المواد الصحافية التي تُنشر تُظهر أنّ المواطن العادي لم يعد مجرد متلق للأخبار من وسائل الاعلام التقليدية، بل أصبح هو الآخر ناقلاً للأخبار من محيطه، ومحملاً لها على مواقع الشبكة الإلكترونية، ما جعل بالتالي الفصل بين المتلقي والمرسل أكثر غموضاً. وحيث يعجز الصحافي عن الوصول الى مكان الحدث، ثمة مواطن بات على استعداد لنقل ما يراه بالصوت والصورة، ليتحوّل الى منتج فعلي للمعلومة وموّزع لها. وكما يقول الكاتب والصحافي الإسباني اغناسيو رامونيه « كلّ مواطن في المجتمع ـــــ الشبكة الجديد بات قادراً على أن يصبح صحافياً». إنّ الإنتاج الذاتي للمعلومة وفرته التقنيات الحديثة للاتصال، وساعدت الشبكة الإلكترونية على صعوده، مما أسهم في ظهور جيل جديد من المواطنين الصحافيين. لا يحتاج هؤلاء إلى امتلاك «ثقافة معلوماتية» متقدمة حتى يتمكنوا من استخدام التقنيات الحديثة، او الولوج الى صفحات الإنترنت، فبعض تلك الادوات يتسم بالسهولة وبالابتعاد عن التعقيد، اما مواقع الشبكات الاجتماعية، فباتت تقدم للمستخدم صفحات متكاملة وجاهزة ذاتياً لاستقبال انتاجاته. الى هذا العامل «التقني»، تضاف مجموعة عوامل، أسهمت بدورها في صعود صحافة المواطن، ومنها وقوع أحداث عالمية تطلبت سرعة في نقل الوقائع، كما حصل مع التسونامي الآسيوي، حيث إنّ الصور الاولى التي بثتها وسائل الإعلام التقطها مواطنون صودف وجودهم في المكان لحظة الكارثة. لكن ذاك الحضور للمواطن الصحافي، سيكتسب أهميته مع التزام هذا الأخير قضايا الشأن العام، وانخراطه في الممارسات السياسية والاجتماعية المكِّونة للفضاء العام. لقد كان الاحتلال الاميركي للعراق من الأحداث التي فتحت الباب امام انتشار التدوين السياسي، فخرجت على المدوّنات الأصوات المنددة بالحرب، وفضحت الممارسات التي يقوم بها الجنود الاميركيون، بخلاف ما كانت تروّج له وسائل الإعلام الأميركية. أما اليوم، فإنّ الأحداث الجارية في أكثر من بلد عربي كشفت الدور الذي يؤديه المواطنون في إيصال المعلومة، بعيداً عن رقابة السلطة. فالصور التي يلتقطها المواطنون ويحمِّلونها على يوتيوب، والأخبار التي يبثونها على تويتر وفايسبوك وغيرها من المواقع الالكترونية، كلّها كوّنت إعلاماً «مضاداً» للسلطة ولإعلامها، بل إنّها في حالات كثيرة مثلت مصدراً وحيداً لمعرفة ما يجري في ظل التعتيم الاعلامي الذي تمارسه السلطات القمعية. هي أحداث لم يستطع الصحافيون الوصول اليها، وإن كان البحث في درجة صدقيتها هو اليوم من الاسئلة التي تُواجَه بها صحافة المواطن على نحو عام. لكنّها أسئلة لا تخفي حقيقة انّ هذه الصحافة وهي من المواطن وإليه ، قد ساعدت هذا الأخير على إيصال صوته كما يرغب هو، لا كما تفعل وسائل الاعلام. إنّها أحد مظاهر تعزيز الممارسة الديموقراطية للمواطنين، لكنّها ممارسات لا تزال في طور التكوّن، ولم تُفضِ بعد الى تبدلات جذرية. لقد أسهمت إنتاجات المواطنين على الشبكة الإلكترونية في توسيع دائرة الانتاج المعرفي وكسرها لاحتكار النخبوية المعترَف بها تقليدياً على أنّها مصادر للإنتاج الفكري والثقافي (وسائل الاعلام، دور النشر...) وهو ما يجد فيه الكثير من الباحثين شكلاً من أشكال دمقرطة الكتابة والنشر وتوزيع المعلومة. إنّ ما يميّزالنشرالإلكتروني أنّه لم يعد فقط ثمرة عمل يقوم به صحافيون وكتاب ومثقفون، بل أصبح في جزء كبير منه مرتكزاً على عمل أشخاص لا يمتهنون الصحافة والكتابة، أو «هواة» كما يسميهم الكاتب الاميركي كلاي شيركي، الذي يرى أنّ النشر الالكتروني تحوّل معهم الى «هواية جماهيرية». فهذا النوع من النشر لا يُلزم نفسه التقيّد بقواعد مهنية كتلك التي تحكم عمل الصحافيين والكتاب المحترفين، وبناءً عليه فإنّ أي مستخدم للانترنت يحظى بفرصة لنشر أفكاره وآرائه، دون الخضوع لمعايير مهنية واضحة ومحددة، باستثناء ما يفرضه كل موقع من شروط لاستخدامه. لذلك قد يرى البعض في صحافة المواطن بديلاً عن الصحافة التقليدية التي تعيد إنتاج الواقع السياسي والاجتماعي وترتب أولوياته وفقاً لأجندتها الخاصة، بينما يتيح النشر الالكتروني الخروج عن تلك الأطر التقليدية، والتحرر من الضواغط السياسية والاقتصادية التي تحكم المؤسسات الإعلامية. لا شك أنّ صحافة المواطن قد أدت الى تحوّلات في الفضاء الإعلامي العام، لكنّها تحوّلات تدخل في إطار «إعادة تشكيل لهذا الفضاء أكثر منها منافسته أو استبداله»، بحسب العديد من الباحثين، ومنهم الفرنسي برنار مياج، الذي يرى أنّ «كل وسيلة إعلامية جديدة لا تستبدل السابقة بل تُضاف اليها». فوسائل الاعلام التقليدية عملت على استيعاب الوافد الجديد ـــــ الإنترنت ـــــ واستثماره لصالحها، من خلال إنشاء مواقع إلكترونية لها، تضم ما يُنشر ويُبث على نسختها الورقية أو السمعية ـــــ البصرية. بل إنّ وسائل إعلامية تلفزيونية عدّة، اطلقت برامج يجري تغذيتها بإنتاجات المواطنين (تسجيلات فيديو، صور، مشاهدات ...) كما هي الحال مع برنامج «مراقبون» الذي تبثه قناة فرانس 24 او iReport على «سي إن إن» الذي يستقبل تقارير يعدها مواطنون عاديون على قاعدة أنّ كلّ مواطن بإمكانه أن يتحوّل الى مراسل يُخبر قصة ما، ويُبدي وجهة نظر مختلفة. ومنذ اندلاع الثورات العربية بادرت العديد من القنوات العربية الى رصد ما يُحمِّله المواطنون على المواقع الاجتماعية والإفادة منه في تغطية الأحداث الجارية، وقد ذهب بعضها الى إنشاء صفحات خاصة بها على فايسبوك، وغيره من المواقع، لاستقبال صور وأخبار من المشاهدين. لقد حاولت وسائل الاعلام التقليدية الاستعانة بالشبكة الإلكترونية من أجل الحصول على معلومات لا تسلك في العادة قنوات الاتصال المتعارف عليها، كما الدخول في تواصل مباشر وتفاعلي مع الجمهور، وذلك على اعتبار أنّ ما يُنشر ويُبث على الشبكة هو مصدر مكمِّل للإعلام التقليدي لا منافس أو بديل عنه. الاستعانة بالشبكة الالكترونية أسبغت اعترافاً عاماً ونوعاً من الشرعية على الانتاج المعرفي الصادر حصراً عن مستخدمي الشبكة. فعندما تلجأ وسيلة إعلامية ما الى المواقع الاجتماعية للحصول على صور أو معلومات، وتستخدمها في إعداد تقرير او مقال، فذلك يعني اعترافاً بالمنشور إلكترونياً وإضفاءً للشرعية عليه، بل إنّ منشورات إلكترونية عدّة أُعادت إنتاجها ورقياً وتلفزيونياً دور النشر وشركات الانتاج المرئي والمسموع، كما حصل مع مدوّنة «عايزة تجوز» للمدوِنة المصرية غادة عبد العال، التي صدرت في كتاب عن دار الشروق المصرية، وتحوّلت الى مسلسل تلفزيوني. أما في فرنسا، فإنّ أحد أشهر المدونين على الشبكة ويدعى «ماكس» حصد شهرة كبيرة بعدما صدرت مدوّنته «صحيفة ماكس» في كتاب. المدونَة التي يسرد فيها يومياته كرجل اعمال باريسي مع زبائنه ومع زميلاته من النساء، نشرت في كتاب حمل عنوان « مدوَنة ماكس» عن دار روبير لافون، وقد لاقى الكتاب اهتماماً خاصاً من جانب المدونين ووسائل الاعلام، على حد سواء، فاستُضيف صاحبه في لقاءات تلفزيونية وإذاعية. وتمثّل التغطية الاخبارية للثورات العربية الحالية مثالاً جيداً للتعاون بين شبكات التواصل الاجتماعية ووسائل الإعلام التقليدي، فهذه الأخيرة تتكل على نحو كبير على تسجيلات المستخدمين وعلى المعلومات التي يضعونها على مدوَناتهم الخاصة أو على مواقع فايسبوك وتويتر ويوتيوب. لقد تحوّلت بعض تسجيلات الفيديو التي التقطها مستخدمو الانترنت الى مواد ترويجية تلفزيوينة، ترسخت في الوجدان الجماعي العام، كما أسهمت تسجيلات وصور المواطنين في فضح ما يجري على يد السلطات القمعية. لا شك أنّ الدور الصحافي الذي يؤديه المواطنون يسهم في الإضاءة على أحداث ليس بالمقدور الوصول إليها، كما هو حاصل اليوم في أكثر من دولة عربية، ولاسيما في البحرين وسوريا، فجُل ما نراه في النشرات والتغطيات الإخبارية جرى التقاطه بعدسات المواطنين أنفسهم. أما السؤال المطروح دوماً عن صحة تلك الصور، فيقودنا الى إشكالية الصدقية التي تتمتع بها صحافة المواطن على نحو عام. فمع هذا النوع من النشر الإلكتروني، حيث لا قواعد مهنية تحكم عمل المستخدمين، ترتفع الشكوك ويصبح التحقيق في صحة ما يُنشر فعلاً واجباً على من يريد الأخذ به. خلف الشاشة الإلكترونية تضيع هويات المستخدمين الفعلية ويصبح مصدر المعلومة مجهولاً، ما يسهِّل انتشار الشائعات وإختلاق وقائع غير موجودة، وهو ما يشير إليه الباحث الفرنسي فيليب برتون بقوله «إنّ وسائل الإتصال الحديثة كالانترنت تمثل أداة مثالية لنوع من التلاعب [...] وبناءً عليه لا يمكن اعتبار أي معلومة تنتشر على الشبكة على أنّها موثوق بها». إنّ ما يزيد من سهولة التلفيق على الشبكة انّه لا يمكن محاسبة او ملاحقة الفاعل قانونياً وأخلاقياً لأنّه من الصعب معرفة من يقف وراء ما نشر. ولعل من الأمثلة الساطعة على ما تقدم قصة المدوِنة السورية أمينة عبد الله العمري، صاحبة مدونَة «سحاقية من دمشق»، التي كانت تنشر أخباراً عن الوضع في سوريا قبل أن يتبيّن لاحقاً أنّها شخصية مزيفة، وأنّ من اخترعها هو رجل أميركي. تفادياً لكل تلك الشكوك المحيطة بالنشر الإلكتروني، صار المواطنون/الصحافيون يلجأون الى تسجيل كل ما من شأنه إضفاء الصدقية على صورهم وتسجيلاتهم حتى لا تتهمهم السلطات بالتلفيق. فعند التقاط مشاهد لتظاهرة ما، نجد أنّ الناشطين باتوا يركزون على معالم واضحة في المكان تدل على هويته (لوحات تعريفية، واجهات

محال، نُصب تذكاري...) ويذكرون تاريخ التحرك أثناء التصوير. هذا السعي، من جانب المواطنين، لإضفاء الصدقية على إنتاجهم الإلكتروني، وللتقليل من تهم التلفيق يحتاج إلى أنّ يتطور نحو قواعد اكثر وضوحاً، تفرض توخي الحقائق من دون تكبيل المستخدمين بقيود تحد من حريتهم.

* أستاذة في علوم الاتصال والإعلام في الجامعة اللبنانية