بعد مرور أقل من ستة أشهر على الغزو الأميركي للعراق، والتدمير الوحشي الذي لحق به، نشرت مجلة «فورين أفيرز» التي يصدرها «مجلس العلاقات الخارجية» في الولايات المتحدة (عدد تشرين ثاني/كانون أول 2003) مقالة رئيسية بعنوان «هل يجب أن يكون حزب الله التالي؟». و بعد عامين تقريباً (نيسان 2005) نشرت المجلة ذاتها ما سمته «تحديثاً» للمقالة السابقة، من جانب الكاتب نفسه (دانيال بيمن) بعنوان «معضلة حزب الله»، يناقش فيه استراتيجية التخلص من تأثير حزب الله وسلاحه، من خلال تركيز الضغط على سوريا، لكون الخيارات التدميرية غير ممكنة، وغير متاحة، كما ثبت بالتجربة. اهتمام «مجلس العلاقات الخارجية»، صاحب التأثير المهم في صنع السياسات، الذي يعود تاريخ تأسيسه الى عام 1921، ومجلته التي تصدر كلّ شهرين، بحزب الله يتضح من مدى التركيز على الحزب في ما ينشر في المجلة. فبحسب محرك البحث في المجلة وحدها، هناك 178 مقالة، عنوان، تعليق، مراجعة كتاب، ورسائل للمحرر تتضمن ذكر الحزب. يكفي أن يتعرف القارئ على تاريخ مجلس العلاقات الخارجية، خلفية أعضائه وعضوية مجالس إداراته المتعاقبة، ومدى تأثيرهم في صنع السياسات، ويتصفح بعض المقالات (وبعض العناوين التحريضية والحربية، مثل مقالة بيمن السالفة الذكر) ليدرك أنّ حزب الله ليس مستهدفاً فقط، بل هو على رأس قائمة الاستهداف الأميركي.

غير أنّ «مجلس العلاقات الخارجية» ليس مركز الأبحاث الوحيد الذي يضع حزب الله في سلم أولوياته كما يبدو، وهو ليس أكثرها تطرفاً في كلّ الأحوال. فـ«معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الموالي تماماً لإسرائيل، الذي أسسه اللوبي الصهيوني (أيباك) في 1985 بواجهة مركز أبحاث يتوخى «الموضوعية البحثية» ليبدو كأنّه محصن من الانحياز لرؤية المؤسس والممول السياسية وغير ممثل لها، ينشط جدياً في استهداف حزب الله. ومحرك البحث الخاص بالمعهد، مثلاً، سيعطي 905 نتائج تتضمن كتباً، مقالات، وموضوعات (إِما نشرها المعهد أو مؤسسات أخرى وأعاد المعهد نشرها) ذات علاقة بحزب الله، عناوينها ومضامينها أشد هجوماً من المادة التي يمكن قراءتها في مجلة «فورين أفيرز» بكثير. في 2004، مثلاً، صدر عن المعهد ما سمي «دراسة» عن قناة المنار لـ«آفي جوريتش» الباحث، سابقاً، في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، والعامل لاحقاً في ما يسمى «مؤسسة الدفاع عن الديموقراطية،» وهي مؤسسة مشابهة في توجهاتها وميولها الصهيونية، وتحوّلت الدراسة لاحقاً إلى كتاب بعنوان «منارة (فنار) الكراهية».
ومؤسسة الدفاع عن الديموقراطية، المؤسسة الصهيونية بامتياز، تذكر على صفحتها أنّ من ضمن الإنجازات الناتجة من برنامجها أو مشروعها «التحالف ضد إعلام الإرهاب» ـــــ سي آي تي أم ـــــ أو «كاتم» ـــــ كما يليق اختصار الاسم ـــــ ما يلي: قرار وزارة الخارجية في 2004 بإضافة المنار واذاعة النور والشركة الأُم، المجموعة اللبنانية للإعلام، إلى لائحة الإرهاب، قرار المفوضية الأوروبية في 2005 باتهام المنار بمخالفة تعليمات مناهضة الكراهية، قرار وزارة الخزانة الأميركية بتصنيف المنار والنور والمجموعة اللبنانية للإعلام مؤسسات إرهابية عالمية، توقف عشر من ثلاث عشرة شركة أقمار صناعية عن استقبال المنار، وبالتالي توقفها عن البث في مناطق مختلفة من العالم، و«كاتم»، كما تقول، «تتعهد الاستمرار في العمل لإزالة المنار من الشركات الثلاث الباقية»، إقناع العديد من الشركات بوقف الإعلان على محطة المنار والتسبب في خسارة المحطة 12 مليون دولار، إقناع الحكومة الألمانية في 2006 بمنع المنار وفق مواد الدستور الألماني، الاتفاق في 2008 مع أكبر مزودي التسلية للفنادق الأوروبية لإزالة المنار وقناة الأقصى من أكثر من 2000 فندق، تقديم «كاتم» في 2009 مساعدة أدَّت إلى إدانة مالكين لشركات توزيع القنوات الفضائية في نيويورك لتسويقهم قناة المنار. ومنذ 2004، كتب رسميون من «كاتم» ونشروا مقالات رأي مؤثرة جداً في دوريات وصحف رئيسية، وظهروا على مجموعة من وسائل الإعلام الرئيسية (لمعرفة من يمول هذه الهجمة على حزب الله، انظر قائمة الداعمين لمركز حماية الديموقراطية على صفحة «سنتر فور أمريكان بروغرس»، أنظر أيضاً تعليق ستيف والت «من يدفع» على صفحة «فورين بوليسي» بخصوص الموضوع).
وجوريتش السالف الذكر هذا، يبدو معنياً على نحو خاص بشيطنة الحزب عبر التركيز على الكتابة عن قناة المنار على طريقة ومنهجية السياسة التحريرية لما يسمى «معهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام» (ميمري)، الذي يستهدف إسكات كلّ صوت عربي وتجريمه (مؤسس ومدير هذا المعهد، يغال كارمن، لا يعرف بخلفية بحثية أو أكاديمية لا في موضوع الشرق الأوسط ولا في موضوع الإعلام، بل يعرف بكونه ضابطاً سابقاً في الاستخبارات الإسرائيلية (1968 ـــــ 1988)، وبكونه شغل منصب القائم بأعمال رئيس القسم العربي في ما يسمى «الإدارة المدنية» ـــــ اقرأ العسكرية ـــــ في الضفة الغربية (1977ـــــ 1982). للمزيد عن تحريف ميمري انظر، مثلاً، بريان وايتكر: اختيارية ميمري. الغارديان 12 آب/ أغسطس 2002). وليس بمحض الصدفة (على حد قول مظفر النواب) أن يترافق نشر مقالة وكتاب جوريتش عن المنار، مع قرار وزارة الخارجية الأميركية في كانون الأول 2004 بضم القناة إلى قائمة «الإرهاب»، بل هي جزء من حملة كبيرة كما يشير مشروع «كاتم». وإتباع جوريتش لهذا القرار لاحقاً بمقالة «تلفزيون الإرهاب»، التي تدعو إلى أن يكون هذا الحظر مجرد البداية لا النهاية، ليس أيضاً مجرد تخاطر أفكار على ما يبدو اليوم.
والمتصفح لبعض المقالات التي تعمل جاهدة على شيطنة حزب الله، سيدهش من مدى التشابه بين بعض عناوينها ومحتوياتها، وما يردده ويتداوله السياسيون المحليون والعرب المعادون للمقاومة من شعارات ومواقف، كأنّهم يتلقون التوجيهات ذاتها، أو يتشاركون (بمحض الصدفة أيضاً) الاهتمامات ذاتها مع مراكز الأبحاث ذات الميول الصهيونية (مثلاً «نزع سلاح حزب الله: تعزيز استقرار المنطقة»، فورين افيرز، كانون الثاني 2010، «طابور (ضوضاء) السكود: لماذا سيبقى حزب الله مسلحاً وخطيراً»، فورين أفيرز، أيار 2010، «حكومة الظل في لبنان: كيف يربح حزب الله حتى حين يخسر»، فورين أفيرز، أيلول 2009).
اللافت أيضاً أنّ تصاعد تلك الحملة على حزب الله جاء في أعقاب 2001 وأحداث أيلول. ففي الوقت الذي كان ربما سيبدو منطقياً أن يتركز الاهتمام الأميركي على القاعدة (لا المسلمين والعرب كما حصل في بلاد القانون والعدالة)، وَصَف وزير الخارجية الأميركي آنذاك، كولن باول، حزب الله بـ«الفريق الإرهابي الرقم واحد»، حسب ما ذكر مقدم حلقة خاصة من «ستين دقيقة» عن حزب الله على محطة «سي بي أس». وهذا توصيف ردده نائب باول لاحقاً، ريتشارد آرميتاج، مراراً، مضيفاً إنّ «القاعدة هي الفريق الرقم اثنان». هذا التوصيف لحزب الله هو في الحقيقة توصيف اسرائيلي أو «اتهام اسرائيلي بلسان أميركي»، كما أشار السيد نصر الله (ستين دقيقة: 20 نيسان 2003). والهم الإسرائيلي، كما يبدو، كان منصباً على استغلال ردّات الفعل على هجمات أيلول، وتسخيرها ضد عدوه الأول حزب الله، وتَساوَقَ معه في ذلك كلّ من يطمع في الرضى الصهيوني من السياسيين الطامحين المدركين لتأثير «أيباك».
ومن الذين تبنوا التحريض الصهيوني على حزب الله حينها، طمعاً بالرضى الصهيوني، كان السيناتور بوب غراهام، الذي شارك في الحلقة ذاتها من برنامج «ستين دقيقة» (نَص الحلقة موجود في كتاب نيكولاس نو «صوت حزب الله» ص287 ـــــ 293). غراهام ذاك، صاحب الطموحات الرئيسية الخائبة حينها، وفي أوج الحرب على العراق والبحث عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة، أكد للمشاهدين ما يلي: «لو كان السؤال: هل يمثّل صدام حسين أم حزب الله خطراً أكبر على الناس في الولايات المتحدة؟ جوابي سيكون: لا شك أنّ حزب الله هو الخطر الأكبر» (المصدر السابق: ص 288). إذاً، بعد مئات المقالات والخطابات والبرامج والحملات الإعلامية المسعورة والتحريضية التي سبقت الحرب على العراق، ومهدت لها واستهدفت تزوير الوعي الأميركي والعالمي، بعملها على التأثير بقوة في الخطاب العام وشيطنة العراق لتبرير غزوه وتدميره الهمجي، يحرض السيناتور غراهام على حزب الله بادعائه أنّه يمثّل خطراً أكبر من هذا «الوحش» العراقي الذي «يمتلك» أسلحة دمار شامل، ولن يتردد في استخدامها أو تمريرها للإرهابيين، كما زعمت الدعاية الحربية آنذاك.
يمكن انتقاد والاختلاف مع فرضية كتاب ستيف والت وجون ميرشايمر في «اللوبي الإسرائيلي» من ناحية المبدأ. فهناك ما هو أبعد من «اللوبي» حقاً لتفسير العلاقة الأميركية ـــــ الإسرائيلية الخاصة (مثلاً، علاقة اقتصادية ـــــ سياسية، أو دور اقتصادي ـــــ سياسي وعسكري تؤديه اسرائيل نيابة عن الإمبراطورية، التماثل في النموذج الكولونيالي، فكلّ منهما مستعمرة استيطانية نقية تقوم على مبدأ استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ، التشابه في الوعي الجمعي السائد، ففي كلّ منهما يسود وعي المستوطن الأوروبي الأبيض). الأهم أنّ من يحكم أميركا حقاً هو نخبة أو طبقة حاكمة، لا مجموعة من اللوبيات، إلا إذا أفترضنا انّ أميركا مجتمع لا طبقي، كما تصوّر فرضية اللوبي. لذلك فإسرائيل، في نهاية الأمر، مستعمرة أميركية، لا العكس. لكن زعمهما في «اللوبي الإسرائيلي» أنّ اللوبي ليس محصوراً بمنظمات مثل «ايباك» فقط، وليس باليهود فقط، بل يشمل غير اليهود أيضاً، كما يشمل مراكز الأبحاث الممولة جيداً التي تعمل للهيمنة على الخطاب العام والسياسة الخارجية، يفسر حقاً الكثير من أنشطة مراكز الأبحاث.
بإمكان من يريد، أن يزعم ما يريد بخصوص «طهارة» العدالة الدولية و«موضوعية» الرجل الأبيض، لكنّهم لن يستطيعوا تفسير التمييز والعنصرية المفرطة في «نظام العدالة» الأميركي ذاته، اللذين يعرفهما كل أبناء وبنات الأقليات العرقية والاثنية، ووثّقهما الباحثون الأميركيون بكثافة، في بلاد بدأ التمييز والعنصرية فيها منذ صياغة النسخة الأولى لدستور كتبه ملّاك العبيد. ملّاك شَرَّعوا في نسخة الدستور الأولى استعباد البشر وقوننوا الاتجار بهم. تلك اللحظة التأسيسية لأميركا أسهمت لاحقاً في إنشاء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نراها اليوم، لتجعل من العنصرية والتمييز طريق حياة وطريقة تفكير وجزءاً من الروتين وعمل المؤسسات.
لكن هناك من يدعي أنّ «العدالة الدولية» هي حقاً دولية، لا أميركية ـــــ صهيونية، وموجودة فعلاً في فراغ حيث لا سياسة ولا مصالح ولا أيديولوجيا ولا دور وأهمية للترتيبات الإقليمية ولا صراع قوى، ولا هيمنة لـ«منطق أبيض» يرى في غير البيض وممارساتهم وثقافتهم وعلومهم وقوانينهم وأديانهم وأخلاقهم، وحتى وجودهم، شذوذاً عن «الطبيعة»، وحيث تتساوى أو تختفي فعلاً جميع القوى وتأثيراتها (انظر مثلاً، جو فيغين: أميركا العنصرية). هؤلاء فَتَنتهم أميركا وسَحَرهم الرجل الأبيض ذو التاريخ الدامي، وأعماهم المنطق الأبيض، وسقطوا في وحل قناعتهم بدونيتهم.
لكن، لا يمكن لعاقل أن يتجاهل التحريض العنصري الذي عمل ويعمل على نحو مؤسساتي، وباسم «مراكز الأبحاث»، وبتمويل كبير من موالين وداعمين للصهيونية (كما يشير إيلي كلفتون من مشروع «ثِنك بروغرس» على صفحة «سنتر فور أمريكان بروغرس») لشيطنة حزب الله. ولا يمكن لعاقل أن يتجاهل ازدياد الهجمة على نحو لافت بعد 2001، مع محاولة الكيان الصهيوني تجيير أحداث أيلول في الولايات المتحدة ضد حزب الله، على نحو خاص. ليس ما يسمى «المحكمة الدولية» مسألة قانونية بحتة، ولا يجوز أن يجري التعامل معها على هذا الأساس البحت، إلا للمصابين بمرض السذاجة المزمن (هذا عدا كل القصور القانوني والتزوير الذي شاب العملية/ الفضيحة منذ البداية، كما وثق الكثير من القانونيين، ورغم كون فكرة المحكمة ذاتها هي انتهاك للسيادة الوطنية). المحكمة هي قضية سياسية بامتياز، هدفها كما يبدو العمل والضغط ليتوقف حزب الله عن أن يكون حزب الله، حين اقتنع البعض بأنّ القضاء على حزب الله بالطرق التقليدية مستحيل (انظر دانيال بيمن: «معضلة حزب الله»، فورين افيرز، نيسان 2005).
في أعقاب كربلاء، سأل أحدهم الإمام علي زين العابدين: «من الغالب؟» أجاب الامام: «إِذا رُفِعَ الأذان، عَرَفتَ الغالب». ولمن فاته سماع الأذان في أيار 2000: «وَلّى زمن الهزائم».

* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ـــــ بارك سايد