لا تزال الحكومة البريطانية بقيادة المحافظين والديموقراطيين الأحرار تلملم آثار أعمال الشغب التي اندلعت في السادس من الشهر الحالي في توتنهام، شمالي العاصمة لندن، إثر مقتل الشاب مارك دوغان على يد الشرطة. ورغم أنّ الأحداث انتهت تقريباً، إلا أنّ تأثير ما حصل قد يمتد لسنوات، مع تخوّف لدى المنظمات الحقوق من استغلال الحكومة ما حصل لتشديد الخناق على الناس، وخصوصاً المهاجرين، بذريعة حماية الأمن، قبل الألعاب الأولمبية التي تستضيفها العاصمة البريطانية العام المقبل. واستغل بعض الصحافيين والمحللين الفرصة لنشر المقالات التي تقارن بين بريطانيا والربيع العربي، مع تمييز الحالة الإنكليزية ودوافعها، وما يمكن أن تؤول إليه


سرقات الليل والنهار



ناومي كلاين *
لا أنفك أسمع مقارنات بين الشغب في لندن وما يحصل في مدن أوروبية أخرى: تحطيم النوافذ في أثينا، أو إحراق السيارات في باريس. هناك بالطبع أمور مشتركة، وتحديداً عنف الشرطة، ووجود جيل يشعر بأنّه منسيّ.
تميّزت تلك الأحداث بدمار كبير، مع نهب على نطاق ضيّق. لكن كان هناك عمليات نهب جماعية في السنوات الماضية، ربما وجب أن نتحدث عنها أيضاً. هناك بغداد في أعقاب الاجتياح الأميركي، حيث حدثت موجات إحراق ونهب جنونية، أفرغت المكتبات والمتاحف. شملت الموجة أيضاً المصانع. في 2004، زرت ما كان في السابق مصنعاً للبرادات. لقد نهب عمال المصنع كل ما هو قيّم، ثم أحرقوه حتى أضحى المخزن منحوتة من الصفائح المعدنية الملتوية.
حينها، اعتقد الناس على قنوات التلفزة أنّ النهب هو سياسي بامتياز. قالوا إنّ هذا ما يحصل حين يفقد أي نظام شرعيته في عيون شعبه. بعد أن شاهدوا لفترة طويلة صدام وأولاده يأخذون ما يريدون، شعر بعض العراقيين بأنّه أصبح من حقهم فعل الأمر نفسه. لكن لندن ليست بغداد، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ليس صدام. لذلك، لا يوجد أي شيء لنتعلمه من ذلك المثل.
ماذا عن بلد ديموقراطي؟ الأرجنتين في 2001. كان الاقتصاد آنذاك يتراجع بقوة، وهاجم آلاف المواطنين ممن يعيشون في مناطق فقيرة (مناطق كانت صناعية مزدهرة قبل فترة النيوليبرالية) المتاجر التي يملكها الأجانب. خرجوا من تلك المتاجر يجرون عربات تسوّق محملة أغراضاً لم يعودوا يستطيعون شراءها، مثل الثياب والأدوات الإلكترونية واللحوم. فرضت الحكومة «حالة حصار» لإعادة النظام العام. لم يعجب ذلك الناس، فأطاحوا الحكومة.
سُمِّي النهب الجماعي في الأرجنتين «إل ساكيو»، أي السلب. استخدام تلك العبارة سياسي بامتياز؛ إذ هي نفسها التي استخدمت لوصف ما فعلته نخب البلاد التي باعت موجوداتها في صفقات خصخصة فاسدة، وخبأت الأموال في حسابات خارجية، ثم صدقت على قانون تقشف قاسي، يخضع له الناس. عرف الأرجنتينيون أنّ نهب المتاجر لم يكن ليحصل لولا نهب البلاد، وأنّ السارقين الحقيقيين كانوا المسؤولين في السلطة.
لكن إنكلترا ليست أميركا اللاتينية، وأعمال الشغب التي تحصل فيها ليست سياسية، أو هذا ما نسمعه على الأقل. فهي تتعلق بشباب خارجين عن القانون يستغلون موقفاً ما لأخذ ما ليس لهم. ويقول لنا كاميرون إنّ المجتمع البريطاني يكره ذاك النوع من التصرفات.
قيل ذلك بكل جديّة. كأنّ إنقاذ المصارف بأموال كبيرة لم يحصل قطّ، مترافقاً مع عمولات هائلة، في تحدٍّ واضح. هل تذكرون اجتماعي دول الثمانية ودول العشرين؟ إثر ذلك، حين قرر القادة بالإجماع، عدم فعل أي شيء لمعاقبة المصرفيين بسبب كل ما حصل، أو القيام بأي أمر لتلافي أزمة مماثلة مستقبلاً. على العكس، عادوا إلى بلادهم وفرضوا تضحيات على الفئة الأضعف. فعلوا ذلك عبر طرد موظفي القطاع العام، والأساتذة، وإغلاق المكتبات، وزيادة الرسوم التعليمية، والتراجع عن العقود مع النقابات، وتخصيص ممتلكات عامة بنحو سريع وخفض المعاشات التقاعدية. ومن ظهر على شاشات التلفزة ليعظنا بشأن عدم التخلي عن «مستحقاتهم»؟ المصرفيون ومديرو صناديق التحوط، بالطبع.
ذاك هو النهب الكبير، ووقت السلب العظيم. بسبب شعور مرضي بأنّ ذلك من حقهم، قام الكبار بالسرقة في وضح النهار، كما لو أنّه لا يوجد شيء لإخفائه. لكن بعضهم يتذمر. في بداية تموز، نقلت صحيفة «وال ستريت جورنال» عن استطلاع للرأي أنّ 94 في المئة من أصحاب الملايين خائفون من «العنف في الشوارع». تبيّن أنّ ذلك كان خوفاً مبرراً.
بالطبع، شغب لندن لم يكن احتجاجاً سياسياً، لكن الناس الذين يرتكبون سرقات ليلية يعرفون أنّ النخبة تسرق في النهار. النهب معد.
المحافظون على حق حين يقولون إنّ الشغب ليس بسبب الخفوضات في الإنفاق الحكومي. لكن الشغب يتعلق بما تمثله تلك الخفوضات: أي الطرد من العمل. فالمشاركون في الشغب محتجزون في طبقات دنيا تتضخم، لا طرق هروب منها، سوى قلّة. طرق هروب قدمت سابقاً وهي وظيفة نقابية، وتعليم لا بأس به، وتُغلَق تلك الطرق بسرعة. الخفوضات هي رسالة. فهي تقول لقطاعات كاملة من المجتمع: أنتم عالقون في مكانكم، تماماً كالمهاجرين واللاجئين الذين نمنعهم من دخول بلادنا.
ردّ فعل ديفيد كاميرون على الشغب هو تحويل هذا الاحتجاز إلى أمر فعلي، عبر الطرد من المساكن العامة، التهديد بمنع وسائل الاتصال، وسجن لفترات طويلة (خمسة أشهر سجن لامرأة لأنّها قبلت بنطالاً مسروقاً). تُرسَل رسالة واحدة: اختفوا، وقوموا بذلك بهدوء.
خلال «قمة التقشف» الخاصة بالدول العشرين العام الماضي في تورنتو، تحوّلت التظاهرات إلى شغب وحُرقت سيارات شرطة عدّة. لا يمكن مقارنة ذلك بلندن 2011، لكن أحدث الأمر صدمة للكنديين. الأمر المثير للجدل آنذاك كان صرف الحكومة 675 مليون دولار على «أمن» القمة (لكنّهم لم يستطيعوا إخماد تلك الحرائق). حينها، نبه بعضنا إلى أنّ قسم من الترسانة الحربية الجديدة المكلفة التي اشترتها الشرطة (مدافع مياه، قنابل صوتية، قنابل غاز ورصاص مطاطي) لم تكن فقط من أجل المتظاهرين في الشوارع. استخدامها على المدى الطويل سيكون لتأديب الفقراء، الذين في أوقات التقشف سيكون لديهم القليل ليخسروه.
هذا ما أخطأ بشأنه ديفيد كاميرون، فلا يمكنك أن تقتطع من ميزانية الشرطة في الوقت نفسه الذي تخفض فيه الإنفاق كلّه؛ إذ حين تسرق من الناس القليل الذي لديهم، لحماية مصالح من يملكون أكثر مما يستحقون، يجب أن تتوقع مقاومة: تظاهرات منظمة أو سلباً عفوياً.
هذا ليس سياسة، إنّه الفيزياء.

* عن مجلة «ذا نايشن»

■ ■ ■

خبز ولهو



جايمي بارتلت *
لا شيء يجعل العقل السياسي الحائر يركّز، أكثر من العنف. نحن نعيش في عصر افترقت فيه السياسة عن القيم: يكتب المستشارون السياسيون خطابات فارغة، مصمّمة لإهانة أقل قدر من الناس، فيما يعرض رؤساؤهم «سياسات تعتمد على أدلة» كي يجنبّونا معرفة ما يفكرون فيه في الحقيقة. لعقد من الزمن، استطاع ذلك الأسلوب تخدير الطبقة السياسية البريطانية. لكن تجبرنا فترة زمنية من النهب والشغب على مواجهة أكثر الأسئلة السياسية غريزيةً: حين يقوم الناس بأمور سيّئة، كيف يكون شكل توازن المسؤولية بين الفرد والمجتمع؟ الباقي كلّه تفاصيل.
لتلك الأسباب، أطاحت ردود فعل اليسار واليمين على أحداث الشغب في لندن (الأسباب التي تقف وراءها وما يجب القيام به في المقابل) التسييس الضبابي للقضية، وأماطت اللثام عن فروقات سياسية حقيقية. يرى الطرفان أعمال الشغب دليلاً ساطعاً على استياء عميق في المجتمع، لكنّهما يختلفان في تحديد ماهية هذا الاستياء. وكنوع من اختبار، أجرى مركز الأبحاث «ديموس» تحليلاً نوعياً لمضمون أكثر من مئة مقال نشرت في مواقع ومدوّنات يمينية، ولعدد مماثل على مواقع ومدوّنات يسارية، لتحديد الفروقات. كما كان متوقعاً من الطرفين، خانتهما الكلمات التي استخدماها.
كما يتوقع المرء، يميل اليساريون إلى تبنّي تفسيرات بنيوية. يقولون إنّ الشباب المحروم، الغاضب من إغلاق باب التوظيف أمامه وعدم توافر السكن، انتفض أخيراً. أكثر كلمة مستخدمة في تلك المقالات المحللة هي «مجموعة/ ات» (223 مرة)، تليها «اجتماعي/ مجتمع» (220 مرة)، «شاب» (158 مرة)، و«سياسي» (110 مرات). وكان الانتهازي الموسمي المضلل، المرشح العمالي لانتخابات 2012 البلدية، كين ليفينغستون، قد حاول ربط أعمال الشغب بخفض الإنفاق الحكومي (رغم أنّ ذلك لا يمكن أن يكون صحيحاً كليّاً، لأنّ خفض الإنفاق قد بدأ أخيراً).
في المقابل، وعلى نحو متوقع كلياً أيضاً، رأى المعلقون اليمينيون أنّ الشغب دليل على فشل ثقافة منحطة لا تعلّم الشباب المسؤولية الشخصية أو احترام السلطة. ثقافة تخلّى بموجبها الأهل عن واجبهم الأخلاقي تجاه تصرفات أبنائهم. في تلك الفئة تتراجع كلمة «مجموعة/ ات» التي حلّت أولى عند اليساريين إلى المرتبة الثانية عشرة، مع ذكرها 71 مرة فقط. وأتت في المرتبة الأولى «مجتمع/ ات» (167 مرة)، «عنف» (88 مرة) و«مشاغبون» (84 مرة). بالنسبة إلى اليمين، العامل الرئيسي هو الفردية لا المجتمع الذي لا شكل له. كلمة «مشاغبين» هي الثالثة الأكثر استخداماً لدى اليمين، لكن كلمة «شغب» استخدمت لماماً. العكس صحيح لدى اليسار، مع استخدام كلمتي «شغب» و«نهب» بكثرة، وغياب «المشاغبين» و«الناهبين» على نحو غريب. ويحدد التشخيص الدواء. فعند اليسار هناك كلمة «حكومة» غير الموجودة عند اليمين. في المقابل، يكثر استخدام كلمات «قانون»، «نظام»، «ملكية» و«أبناء» عند اليمين، فيما هي شبه غائبة عند اليسار.
وكما هي الحال دوماً، هناك بعض الحقيقة عند الطرفين. لكن النقاش المرافق لأعمال الشغب، الذي سيستمر بالتأكيد بعد أن تنتهي الأحداث، يبرهن عن رؤيتين مختلفتين لمستقبل المجتمع البريطاني. يميل النقاد إلى التنديد بالاستقطابات، لكنّها ربما الأمر الوحيد الجيد الذي يمكن أن يبرز من كل الأمور السيئة التي تحصل، فبريطانيا بحاجة إلى نقاش صحي.
هناك نقطة مهمة لم تظهر عند الطرفين: «المرح». أكثر الأمور مرحاً حين يكون المرء في الثامنة عشرة من العمر ويمضي عطلته الصيفية الحارة بضجر مع رفاقه، هو كسر نافذة بحذائه، أو رمي حجارة على الشرطة، أو الهرب بعد سرقة «بلاي ستايشن 3».
العنف يؤدي إلى الثمالة، وخصوصاً إذا كنت تشعر بأنّك فاشل في لعبة الحياة، وإذا كان ذاك العنف موجهاً إلى من تعتقد أنّه تلاعب بالقوانين ضدك. نسمع يومياً عن قصص هروب واحتفالات أبطالها. أحد المشاغبين الأذكياء وضع صورة له على موقع فايسبوك مع الكنز الذي نهبه. كتب آخر «استمتعت كثيراً... خصوصاً أنّنا أظهرنا للشرطة أنّه يمكننا فعل ما نريد»، وهو يقصد شرب النبيذ في التاسعة والنصف صباحاً.
شوهد هذا النوع من الترفيه العنفي في أمكنة أخرى، خصوصاً في بلفاست، وأعمال الشغب التي حصلت فيها أخيراً بين مجموعات شابة لم تشهد بالطبع على «المشاكل» الأصلية بين الكاثوليك والبروتستانت. وجد تقرير صادر عن «مركز دراسات الصراعات» أنّ معظم أعمال العنف في إيرلندا الشمالية هي وسائل ترفيه، أو ببساطة «أمر ما لفعله»، أي ترياق لضجر العطلة الصيفية. وكما حصل في تظاهرات الطلاب في لندن بداية العام، وفي الانتفاضات العربية، سمحت مواقع التواصل الاجتماعي للناس بنشر أفكارهم وتنظيم أنفسهم، بشكل أسرع من قدرة القوى الأمنية على احتوائهم.
لا ينفي ذلك صحة انهماك اليسار بالعدالة الاجتماعية أو اليمين بالمسؤولية الشخصية. لكن تلك القضايا ضبابية ومتباعدة، تتعلق بفورة أدرينالين. لن يصل اليسار أو اليمين إلى أي مكان إذا لم يفكروا جدّياً في ماذا يجب أن نفعل بجيش الشباب الهائج والمصاب بالملل. شباب يعتبرون المزيج السام المكوّن من العنف المبهر واحتقار السلطة جزءاً لا يتجزأ من ثقافتهم. هو جيش يواجه يومياً التناقض بين الوظائف التافهة ذات الأجر القليل وثقافة الاستهلاك المفرطة التي تغذيها الموسيقى والأفلام وثقافة البوب. يجب إيجاد بديل عصري ذي معنى للخبز واللهو. بالتأكيد، يستطيع اليسار واليمين أن يتفقا على ذلك.

* عن مجلة «فورين بوليسي»

■ ■ ■

من القاهرة إلى توتنهام



كارولاين روني *
تفيد أعمال الشغب الحالية في لندن بطرح سؤال عن مدى فشل سياسة ديفيد كاميرون الخاصة بالمجتمع الكبير. الصعوبة في طرح سؤال مماثل تكمن في نقص وضوح نتائج تلك السياسة فعلياً. نظرة إلى احتجاجات القاهرة التي قادها الشباب، وأعمال شغب لندن التي قادها الشباب أيضاً، قد تبرهن لنا ما هو على المحك هنا.
قبل نجاح الثورة المصرية، بررت الحكومات البريطانية والأميركية دكتاتورية مبارك على قاعدة أنّه يحافظ على القانون والنظام، لكن حين كنت أعيش في القاهرة في 2009 و2010، كان الانطباع في الشارع أنّ حكومة مبارك بعيدة جداً عن تأمين الاستقرار، وتروّج للفوضى. في الحقيقة، كان الوضع مشابهاً لفكرة «المجتمع الكبير». انسحبت النخبة إلى معاقلها المحمية، تاركة الشعب يتأقلم مع المشاكل الاجتماعية ـــــ الاقتصادية التي حاول مواجهتها بأفضل ما لديه. وحين تفشل الرأسمالية في زيادة الثروة، يزداد في المقابل الفساد والخروج عن القانون.
لنراقب الوضع الفوضوي الشهير لزحمة القاهرة. نظراً إلى عدم الاستثمار في النقل العام والنقص الحاد في الوظائف، سُمح لعدد سائقي سيارات الأجرة بالتزايد على نحو كبير. الزحمة المجنونة التي نتجت من ذلك جعلت إشارات السير بدون أهمية، في وضع يفعل الجميع فيه ما يريدون، ما حوّل التنقل اليومي أمراً شاقاً بحد ذاته وخطراً أحياناً، كما أثبتت حوادث السير.
في 2010، قال لي خالد الخميسي، صاحب رواية تاكسي، إنّ الشعب المصري لن يمانع وجود الدكتاتورية لو كانت تعمل فعلاً، أي لو كانت القيادة الحازمة تترافق مع حوكمة فعالة وكفوءة. في بعض المواقف، كانت حكومة مبارك مجردة من النية لتحكم بتلك الطريقة، وكما كان يمكن ملاحظته، فإنّ الحكومات الضعيفة على نحو فوضوي في ما يتعلق بالحوكمة، هي من تعتمد على العنف والخطوات القاسية باعتبارها «سياستها»، في غياب أي سياسة أخرى.
لم تكن التظاهرات في القاهرة فوضى من أجل الفوضى، لكنّها كانت احتجاجات على فوضى مقاربة مبارك اللامسؤولة للعمل الحكومي: ومنها ترك المصريين لينظموا عدم اهتمام الحكومة وعدم كفاءتها، حتى لو اضطرهم ذلك إلى اللجوء إلى ابتكارات غير قانونية. الثورة المصرية «فوضوية» في المعنى السياسي، بمعنى أنّها حركة جذرية شعبية لا تهدف إلى السلطة...
سهّل التدوين وموقع فايسبوك على الشباب المصري أن يفهم أنّه إذا وجب عليه أن يقوم بأموره، يمكنه فعل ذلك بطريقة بناءة. يجب فهم روح ذلك الأمر كحالة ديموقراطية يحققها الناس، عوضاً عن رأسمالية يحققونها.
على عكس متظاهري القاهرة، فإنّ مشاغبي لندن لا يعدون يواجهون لامسؤولية الحكومة، بل يثيرون الفوضى. هم لا يطرحون أسئلة عن الديموقراطية والعدالة، لكن أفعالهم تبقى رغم ذلك توحي بنقمة ما على «المجتمع الكبير». نظراً إلى أنّ رسالة هذا المجتمع هي عن مساعدة المرء لنفسه (تماماً كما الدعوات المشابهة في القرن التاسع عشر)، فإنّ تصرف المشاغبين الشبان كان فعلاً لمساعدة أنفسهم حرفياً. كان الأمر سيكون مضحكاً فعلاً، بطريقة ما، لو لم يكن مدمراً على هذا النحو. هؤلاء الأطفال، يساعدون أنفسهم، ويمارسون نوعاً من التقليد لرأسمالية اخترعوها هم. كما لو أنّهم اخترعوا طريقتهم الخاصة ليصبحوا أغنياء على نحو انتهازي، بعدما رأوا كيف ساعد الأغنياء أنفسهم، وكيف أخرج المصرفيون أنفسهم من ورطتهم على حساب الفقراء، وكيف زوّر السياسيون نفقاتهم... إلخ. على عكس الحالة المصرية، لا ثقة في ديموقراطية عملية إنصاف المظلومين.
الحديث عن المجتمع الكبير، وكل ما رافقه، كان متقدماً لدرجة يمكن القول معها إنّه كان طريقة لمحاولة إخفاء حقيقة أنّ الحكومة لا تملك السياسات الضرورية للتعويض عن نتائج الاقتطاعات الكبيرة في الإنفاق. في الوقت الذي صوّر فيه المجتمع الكبير كمروّج للمسؤولية الاجتماعية (إعطاء الإذن للشعب بتنظيم الفوضى الاقتصادية التي هو فيها وحده) دون «سيطرة من الدولة» (أو مسؤوليتها)، ما يحصل هو زيادة في قلة مسؤولية الحكومة وزيادة السيطرة الاجتماعية: الديون بين أشياء أخرى.
إذاً، السؤال هو: هل السخرية لدى الشباب المشاغبين تظهر «انسياب» سخرية الحكومة؟
ما يبدو واضحاً في حالة لندن هو النقص في القدرة على مواجهة الفروق بين ديموقراطية يحققها الناس ورأسمالية يحققونها. ولا ينطبق ذلك على المشاغبين الشباب فقط. طوّر كاميرون فكرة المجتمع الكبير فقط من أجل إعادة الثقة العامة بالسياسات، لكن من دون تقدير أنّها لن تعمل إذا لم يكن هناك إمكان للتمييز بين دفع الرأسمالية إلى الاستقلال الذاتي ودفع الديموقراطية إليه. هل يمكن أن يكون ذلك هو النقطة التي تركت الحكومة غير مستعدة للربيع العربي وعمليات الشغب؟
ننتظر لنرى ما ستكون عليه السياسات المعتمدة رداً على الشغب قبل الألعاب الأولمبية. في آذار 2010، ساعدت على تنظيم مسرحية موسيقية في القاهرة. تتحدث المسرحية عن المستقبل، وتحديداً الألعاب الأولمبية في 2012. تصف المسرحية مدينة لندن حيث يعيش الناس في ظلّ قمع أمني للحريات المدنية حصل بسب عدم القدرة على التمييز بين التهديدات الأمنية الحقيقية، وثورة الشباب على الفشل الاقتصادي في المجتمع. في النقاشات بعد الحفلة، قال بعض الحضور المصريين: نحن نرى أنفسنا في تلك المسرحية، الوضع مشابه لما يحصل في مصر.

* عن موقع «كاونتربنش»