في 1948، كانت سوريا واحدة من دول اللجوء الفلسطيني، إثر خسارة الجزء الأكبر من فلسطين التاريخية، فاستقبلت عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين. وكانت واحدة من المناطق التي شملتها ولاية وكالة الأونروا الأممية، المعنية برعاية اللاجئين الفلسطينيين. وكانت أيضاً واحدة من دول «الطوق» العربي، السباقة إلى منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية شبه كاملة، مساوية بينهم وبين المواطنين السوريين فيها، مع احتفاظهم بهوياتهم الفلسطينية. ولم تكن سوريا في يوم من الأيام بعيدة عن القضية الفلسطينية، ولم يكن شعبها يوماً غريباً عن الهم الفلسطيني. وبالنظر إلى عوامل الجغرافيا السياسية والتاريخ، نكتشف وببساطة الروابط القوية بين دول المنطقة عموماً، وبالذات بين سوريا وفلسطين.

ما سبق يدل على أنّ الفلسطيني في سوريا ليس عاملاً طارئاً أو خارجياً، بل هو عامل داخلي بامتياز، وأنّ المساهمة التي قدمها منذ لجوئه في بناء البلد وتطويره، تعطيه الحق في المساهمة بطريقة أو بأخرى في تقرير مصيره، وهذا بالذات هو المدخل إلى صياغة شكل المساهمة التي يمكن الفلسطيني أن يقدمها في ثورة الحرية والكرامة السورية من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤسس لصياغة برنامج «فلسطيني» للمعارضة السورية، يستدعي الحقوق التي يتمتع بها الفلسطيني في سوريا، ويزيد عليها بتغيير زاوية التعاطي معه، من الأمني إلى الاجتماعي ـــــ السياسي.
يحاول النظام السوري، في استخدامه الورقة الفلسطينية والصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، وصم المعارضين السوريين بالعمالة، باعتباره نظاماً ممانعاً للهيمنة الإسرائيلية ـــــ الأميركية، ولم يتوقف عبر سنوات حكم البعث عن استخدام الورقة الفلسطينية لتعزيز موقعه الإقليمي، بل حتى الدولي، إضافة إلى أوراق أخرى. وبالتالي، فإنّ سحب هذه الورقة الفلسطينية من النظام يعد مهمة محورية من مهمّات المعارضة السورية يكسبها الجمهور الفلسطيني في سوريا والمقدر عدده بأكثر من ستمئة ألف فلسطيني.
لكن هل من الحقيقة أنّ الفلسطيني لا يزال محتفظاً، حتى هذه اللحظة، بالمسافة الواحدة عن النظام وعن الشعب؟ هذا السؤال الإشكالي يدفعنا إلى العودة إلى التصنيفات الفلسطينية السياسية التي لا بد للمعارضة في خطابها الفلسطيني أن تلحظه وتأخذه بالحسبان. فالأدوات الفلسطينية للنظام السوري في المخيمات والتجمعات الفلسطينية هي مجرد حالات هلامية لا وجود جماهيرياً لها، لا في فلسطين ولا خارجها، بينما تتمتع حماس (وهي الحليفة للنظام لا أداة له) بشعبية كبيرة في الداخل الفلسطيني، تفتقدها في الخارج، سواء في سوريا أو لبنان، حيث الوجود القوي لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها فتح. غير أنّ الغالبية الفلسطينية «الصامتة»، غير المنضوية تحت إطار تنظيمي واضح، تعد أقرب شعورياً وعاطفياً إلى ثورة الكرامة والحرية منها إلى النظام السوري، ومرد ذلك ربما إلى الاعتبارات التاريخية التي حكمت علاقة الأسد الأب بالثورة الفلسطينية، وبالضربات المؤلمة التي تلقتها تلك الثورة من النظام السوري، سواء في لبنان أو في سوريا ذاتها.
ذاك الجمهور الفلسطيني هو الذي يقف متعاطفاً مع ثورة الكرامة والحرية، ومسانداً لها في بعض الأعمال التنظيمية واللوجستية، ولا يخفى أنّ بعض المخيمات الملاصقة للمدن تحوّلت إلى «بيوت آمنة» لتنسيقيات الثورة السورية، ولا يخفى مشاركة بعض الفلسطينيين في النشاط المباشر لتلك التنسيقيات، لكن كل ذلك لا يكفي لانخراط الشارع الفلسطيني اللاجئ، تماماً في الثورة على النظام. وتبدو مهمة المعارضة السورية في هذا المجال أسهل من مهمة النظام في استمالته للفلسطينيين، وإن ارتكز في خطابه الإعلامي على المقوّمات التقليدية في الممانعة والصمود، ومقاومة الاحتلال ومشاريعه.
الشارع الفلسطيني في سوريا واعٍ تماماً لإعلامية خطاب النظام منذ زمن بعيد، وهو يعي أيضاً أنّ الشعارات التي رفعها النظام، في مراحل مختلفة، بقيت شعارات لم تجد تطبيقها على الأرض، وأنّ النظام السوري، منذ أمد طويل، يحاول فرض وصاية كليّة على حلفائه لتحويلهم إلى أوراق في لعبته، دون أن يكون لهم حق الاعتراض على قواعد اللعبة في الأساس ـــــ فهم الراحل ياسر عرفات تلك الصيغة فكان ما كان بينه وبين الأسد الأب. ولا يزال الشارع الفلسطيني في سوريا يذكر مراحل مرّة في تاريخ العلاقة الفلسطينية ـــــ السورية، منذ مرحلة أيلول الأسود في الأردن، ودور الأسد الأب في سحب الدبابات السورية التي دخلت أساساً للدفاع عن الفلسطينيين، إلى مرحلة الدخول السوري إلى لبنان، والمعارك الطاحنة بين الطرفين، إلى معارك طرابلس التي تسترت بغطاء حرب أهلية فلسطينية، إلى حرب المخيمات التي شنتها حركة أمل على المخيمات الفلسطينية في لبنان. ليس صعباً على تلك الذاكرة الفلسطينية التي تختزن هذا التاريخ أن تستجمع ذاتها لتكون في صف الثورة السورية ضد النظام. بيد أنّ المسألة ليست بهذه «الأوتوماتيكية»، فالمعارضة السورية لم تلتفت إلا سلباً إلى الموضوع الفلسطيني في سوريا، ولم تُعدّ لخطاب موجه نحو هذه الجماهير بالأساس، فضلاً عن الرسائل السلبية المتتالية الموجهة من جانب رموز محسوبة على المعارضة. ومن هنا فإنّ على خطاب المعارضة الفلسطيني أن يتوزع على عدة مستويات أساسية: اجتماعية وسياسية، يمكنها أن تضمنه تطمينات بالحفاظ على المكتسبات الاجتماعية التي حصل عليها الفلسطيني منذ زمن يتجاوز زمن البعث في الحكم، بل من الممكن أن تعد المعارضة بتوسيع تلك المكتسبات قياساً إلى وعودها بتوسيع مكتسبات الشارع السوري ذاته، وتحديداً في مجالات الحريات المدنية العامة التي يعاني من نقصها الفلسطيني كما السوري. و لا يمكن عدّ المسألة من قبيل الرشوة الاجتماعية، طالما أنّ السقف فيها يكون محدداً بالحفاظ على المؤسسات التاريخية التي تقوم بالدور الاجتماعي في المخيمات، كالأونروا مثلاً، وتحفظ الهوية الفلسطينية من الذوبان.
يبدو من الضروري، سياسياً، بالنسبة إلى الجمهور الفلسطيني أن تتعامل المعارضة مع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية سياسية جرى تغييبها في سوريا، وأن تكون هي المرجعية الأساس للشأن الفلسطيني اللاجئ، وفي العلاقة السورية الفلسطينية من طرفها الثاني. كذلك من الضروري أن تركز المعارضة على أنّ الوجود الفلسطيني المؤقت هو وجود مرحب به، بما يتجاوز واقع القمع والاعتقالات الواسعة الذي تعرضت له المخيمات الفلسطينية بعيد 1983. وربما من المفيد أن تلجأ المعارضة السورية إلى مخاطبة المنظمة رسمياً، حتى في الوقت الحاضر، في مسائل تخص الحراك السياسي الفلسطيني في سوريا، وتصب في ترتيب وتنظيم الحالة الفلسطينية هناك. يمكنها الطلب من السلطة الوطنية الفلسطينية اتخاذ خطوات معيّنة، من شأنها أن تكون رسائل حاسمة إلى النظام، ومطمئنة للشارع وللحراك الثوري السوري من نمط ضرورة المطالبة بعزل الأدوات الفلسطينية للنظام السوري ومحاسبتها فلسطينياً، بدءاً من الصاعقة والقيادة العامة، وصولاً إلى حركة فلسطين حرة، الناشئة حديثاً، كما يمكن الطلب أن تتخذ منظمة التحرير قراراً بشأن جيش التحرير الفلسطيني في سوريا الذي يتبع لها رسمياً، يضمن عدم الزج بهذا الجيش وباسم فلسطين في عمليات القمع الدموي التي يتعرض لها المواطن السوري.
شكلياً، تبدو المعارضة قادرة على القيام بكل المكوّنات المقترحة لخطابها الفلسطيني، بما يضمن إشراك الشعب الفلسطيني اللاجئ في سوريا في الحالة السورية المناوئة للنظام، لكن هل تستطيع المعارضة، عملياً، أن تتجاوز تبايناتها السياسية والاجتماعية والعرقية والطائفية، لتخرج برؤية موحدة في هذا الموضوع كما في المواضيع الأخرى؟ سؤال ربما يكون بحاجة إلى إجابة سريعة.

* كاتب فلسطيني مقيم في باريس