«تتحمّص» النسوة، تلمع الأجساد والدهون والزوائد تحت قرص الشمس، والعيون مفتوحة لا تملّ، تبحث عن خطأ أو عيب أو ترهّل. لا مكان هنا للخارج عن القالب: صدر عارم، قدّ ممشوق، أفخاذ ومؤخرات مشدودة، بطن مبلوع وعضلات، جسد خال من الشعر يتهادى تحت نور الشمس. لا مجال هنا للخطأ: الهدف هو «الآخر»، كسب اهتمامه وجذبه، وكسب غيرتها اعتماداً على المفاهيم المقبولة للجمال و«الأنوثة». ارتياد البحر هو واحدة من مناسبات عدّة، تخضع فيها النساء للتمحيص (الذي يقارب التفعيص على مستوى تدخّل الآخر في شكلهنّ وأجسادهن). الأعراس، والأعياد هي أمثلة أخرى، كأنّها محطّات ضرورية في سيرورة المجتمع ـــــ المرأة، لتوجيه تلك الأخيرة أو لإعادة وضعها على سكة الصورة النمطية لجسدها ولنفسها.


وضع المرأة في قالب هو بالتأكيد أفضل طريقة للسيطرة عليها، ويكون في أخطر أشكاله عندما يصبح جزءاً من نظرتها إلى نفسها: عندما يصبح القالب داخلياً، وتصنّف نفسها كامرأة أو لا، بحسب ما يصنّفها النظامان الرأسمالي والبطريركي.
المرأة في قالب: النظامان الرأسمالي والبطريركي
لا يخفى علينا ما يُطرح الآن من تعريفات لماهية المرأة. فنرى عبارة «هكذا تكونين امرأة أو لا تكونين» في الإعلانات والكلام اليومي، وعبر نظرة المجتمع والدّين وفي المؤسّسات العامة، إذ إنّ المرأة لا تعرف القيادة، وهي وإن كانت تحمل شهادات عليا، لا تفهم في السياسة مثلاً، وإن فعلت فهي تكون «متل الرجال أو أخت الرجال»، كأنّ معرفة الرجال بتلك الأمور بديهية وعادية، وتأتي معهم «خلقة»، كما أنّ المرأة «الحقيقية» هي التي تهتمّ بأظافرها وتضع مساحيق تجميل ويكون شعرها طويلاً ناعماً أو تعمل على تنعيمه، وهي تهتمّ ببشرتها وتلاحق أسرار الموضة وتسعى إلى أن يكون مقاس خصرها 45 سم، ومؤخّرتها كبيرة وساقاها خاليتين من الشعر، وحاجباها منتوفين، وهي تعرف كل الشائعات عن الفنانين والفنانات، وتستمع إلى أغاني إليسّا.
لا أقول إنّ من تفعل ذلك ليست امرأة، لكنّني أقول إنّها ليست الشكل الوحيد للمرأة. فالمشكلة ليست في أن تختار المرأة أن تكون بهذا الشكل أو ذاك، بل في أن يخضع قرارها لتأثيرات خارجية من النظام الرأسمالي، من النظام الذكوري ومن حاجاتهما للسيطرة وقمع المرأة وتحجيمها.
فلنبدأ مع علاقة رأس المال بالنظرة السائدة للمرأة، كما يفعل بكل أشكال الاختلاف والتنوّع، يسعى النظام الرأسمالي إلى تسطيح الحاجات وتوحيدها. يحتاج المسوّق والمنتج إلى التقليل من الاختلاف في حاجات المستهلكة. فشكل الثياب ولونها ونوع العطر ولون البشرة وغيرها، كلّها بحاجة إلى أن تُوحّد، فتُقلّل من مصاريف الإنتاج. من حسابات الشركات المتعدّدة الجنسيات إذاً، تُنتَجُ مقاييس الجمال التي تجعلنا نساءً أو لا تجعلنا. فلا تظُني أنّ حُبّك للون «الروج» أو سخريتك من الفتاة التي ترتدي تنورة طويلة مزركشة يأتي من نظرتك الخاصة إلى الجمال أو رؤيتك الواضحة لمن تسمّينها امرأة، بل هو نتاج مباشر لموازين وضعتها تلك الشركات الكبرى، وعملت على تسويقها عبر الإعلانات والأفلام والفنون والمشاهير.
تتبلور تلك المقاييس ليس استناداً إلى مقاييس الجمال في منطقتنا أو بحسب مفهومنا الخاص للجمال (نحن نساء العالم الثالث ورجاله)، بل تأتي بحسب أذواق النساء الأجنبيات، من لون البشرة والشعر إلى شكل الجسم، وصولاً إلى نظام الحياة. إلى جانب الهوس الدائم عندنا في إزالة الشعر من الجسم، ونحن متوسّطيّات شعرنا غامق وكثيف، تظهر في الهند مثلاً موجة تبييض البشرة. أذكر كيف شاهدت في جنوب الهند نساءً يبكين، وهنّ يتكلّمن عن مشاكلهنّ بسبب العنوسة أو هرب أزواجهنّ منهنّ أو شتم حمواتهنّ لهنّ لأنّ بشرتهنّ داكنة. لقد عمل الاستعمار طويلاً على تقوية النظرة الدونية إلى داكنات وداكني البشرة، ووضعهنّ في أسفل السلّم الاجتماعي، ثمّ أدخل الآلاف من المنتجات إلى الأسواق لتفتيح البشرة وتبييضها. لن أنسى شكل العيون الكبيرة، ولا اللون البنيّ كالقهوة، للفتيات في جنوب الهند. لون كلون الأرض، لا نراه إلّا إن أزلنا عنّا الحاجة إلى أن يكون الجمال أبيض ناصعاً. لا أسعى هنا إلى جعلهنّ «إكزوتيك»، معاذ الله، فكلّنا كأخوات نعاني من النظرتين الاستشراقيّتين: رفض ما نحن عليه من تنوّع واختلاف عن الأجنبيّ، أو ـــــ وهو الأصعب على الفهم ـــــ جعلنا «إكزوتيك» كالحيوانات المعروضة في حديقة الحيوانات، بل قصدت أنّ فيهنّ وفينا جمالاً نصبح غير قادرات وقادرين على رؤيته حينما يُجبِرنا النظام الرأسمالي على الاستهلاك، لنشبه عارضات الأزياء الشقراوات أو ممثّلات السينما. ولا ننسى إلى من تتوجّه كلّ طاقات التسويق والإغراء في عالمنا. هي المرأة البورجوازية التي تمتلك القدرة على الاستهلاك، القدرة على مجاراة متطلّبات الجمال المختلفة والمتجدّدة دوماً بتجدّد حاجة الشركات الكبرى إلى طرح منتجات جديدة. هكذا تهمّش أكثر فأكثر المرأة العاملة التي تنتمي إلى الطبقة الكادحة، ولا تستطيع أن تؤمّن لنفسها متطلّبات الأنوثة، وتصبح بذلك فوق فقرها واضطهاد المجتمع لها، أقلّ من امرأة. وبالتالي، تثبّت تلك الأفضليّة تقدّماً آخر للمرأة البورجوازية: هي لا تملك فقط أدوات الإنتاج، بل هي أيضاً المرأة الوحيدة. وليست آلاف منتجات التجميل الرخيصة المزيّفة الموجودة في السوق سوى دليل على محاولة المرأة التي تنتمي إلى الطبقة المعدمة، تقليد النساء البورجوازيات والرضوخ لمطالب النظام الرأسمالي بأن تكون هذا النوع المحدّد من النساء. وهناك الكثير من الدراسات عن تأثير موازين الجمال تلك على المرأة في سوق العمل. فإذا لم تتّبعي الإرشادات والتعاليم لتكوني جميلة بهذا الشكل، وتنتمي إلى تلك الطبقة المعيّنة، فإنّ معدّلات قبولك في سوق العمل ستكون متدنيّة جداً.
يدخل النظام الرأسمالي إذاً في تقرير ما يجعلنا جميلات، مغريات، نساء. وهو إذ ينتج أرضاً خصبة للاستهلاك، يتدخّل في صميم ماهية المرأة وصورتها ونظرتها إلى نفسها.
يأتي ثانياً في هذه الصورة النمطية للمرأة تحديد ماهية المرأة عل نحو واحد فقط. كأنّ هناك مسؤولاً (أو مسؤولة، فالذكورية ليست حصرية على الرجال) في الدولة، يجلس وراء مكتب كبير من الجلد الأسود ـــــ وهو الوحيد الذي لا يرتشي على فكرة ـــــ نمرّ عليه كل يوم فيقول: امرأة، لست امرأة، امرأة، امرأة، لست امرأة... فالخانة عنده ضيّقة صغيرة محدودة، وهو يتحكّم بسهولة وصرامة في من تدخلها ومن ترمى خارجها، فتصبح دون أن تعي خارج المقبول وخارج النظام. وانظرن معي كم هو عادل أن يحصل هذا. فمن له الحق في أن يقول للمرأة ـــــ أو للرجل «أنت لست امرأة ـــــ أو رجلاً»، أن يقول لها وله إنّها وإنّه غير ما يحسّان به. فأين المشكلة في أن تقول وتحسّ بأنّها امرأة بشعرها القصير المجعّد أو بشرتها الداكنة أو ثيابها «اللي مش عالموضة»، أو كلامها في السياسة أو أظافرها غير الملوّنة؟ أنا أقول لكن ولكم أين المشكلة. المشكلة في كسرها، ببساطة شعرها وكلامها ويديها، للقالب، وإظهار أكذوبة النظام البطريركي وإمكان الخروج منه، تماماً كما في فيلم «مايتركس»: الخروج من النظام والنظر إليه من الخارج ورؤية هشاشته. فتقف المرأة على تلّة عالية والهواء يلعب بشعرها ويطيّر ثيابها الرقيقة، فيظهر شكل ردفيها العريضين والمنحنيات، كما لم يسمح لها النظام البطريركي يوماً بأن تفعل. يقف جسدها حرّاً فوق أنقاض ما نراه من الداخل قوياً متعجرفاً، فترسل ضحكتها بقهقهة الغانية، وتكسر بها الحدود. يرفضها لأنّه يهابها ويهاب قدرتها على الاستيقاظ من الكذبة والخروج من القطيع، فتكون أمّاً متى أرادت، أو تكون عاملة أو تكون عاطلة من العمل، وتكون نحيلة أو ممتلئة أو تكون فاسقة أو تكون صنماً: تختار ما تريده بحسب حاجتها.
ثالثاً، ما يريده الرجل والمرأة، العاملان ضمن النظامين الرأسمالي والبطريركي، هو السيطرة على المرأة. فمن يضعها ضمن خانة واحدة، فتصبح إمّا امرأة أو لا، يستطع عندها أن يتحكّم في ما تفعله، والأهم في ما تنتجه من معرفة. فتلك التي «لا تندرج تحت خانة المرأة» لا يمكن أن تعمل «من أجل المرأة»، وبناءً عليه فإنّ ما ذكرناه سابقاً عن خروجها من القطيع ورؤيتها للنظام من خارجه، واكتشاف الكذبة، ومن ثم محاولة نقلها إلى الداخل لخلق الثورة، تصبح كلها مستحيلة. فتلك التي لا ترتدي كعباً عالياً مثلاً، لا يمكن أن تكون امرأة، ويكون غياب تلك الأنوثة المفترضة عائقاً أمام تواصلها مع النساء الأخريات، ونقل أفكارها عن القمع والذكورية في مجتمعاتنا. وهي من جهة أخرى، باتّباعها مقاييس هذين النظامين، تقع تحت سيطرتهما، ليس بالمظاهر والشكل الخارجي فقط، بل أيضاً بأسلوب العيش والأهداف التي يرسمها النظام البطريركي لها ولمجتمعها. تكون عندها وبكلّ سهولة، من اختيارها لدراستها وانتقائها لعملها وتأسيس أسرة وتربية أولادها، تكون في كلّ تلك الخيارات تابعة لمقاييس النظامين، من اتّباعها لدين معيّن ورؤيتها أنّ الزواج والعائلة أمران بديهيّان لنهاية سعيدة. الله موجود وهو مذكّر، وحوّاء افترت علينا، والأنبياء كلّهم ذكور، والمرأة تابعة للرجل في مجتمعاتنا: كلّ هذه أمور عادية لا تستدعي السؤال والتفكير، وعندما يقول لها زوجها «اصمتي، ما بتعرفي»، تصمت وتقنع نفسها بأنّها حقّاً لا تعرف.
من جهة أخرى، إنّ هذا التقويم الظالم لماهية المرأة لا يمكن أن يختصرها وأن يصبح المثال الأوحد لتعريفها، لأنّ المرأة بكينونتها مخلوق متعدّد متنوّع ملوّن، يستطيع الرقص خارج السرب. هي كالمدينة، تفاجئ بما تُظهر وما تخبّئ، لها ألف وجه وألف رائحة وألف لون. كالمدينة إذاً، تفاجئ وتدور وتتغيّر وتكون بما تشير عليها أهواؤها ورعونتها. وهو لا يريدها هكذا، يخاف المجهول والمفاجأة ـــــ فهي أشياء لا يمكن السيطرة عليها، ويصعب على الرجل استيعابها إذا ما أراد فهمها وتحليلها ضمن الأدوات المتاحة عبر النظام البطريركي المهيمن. تماماً كما أخرجت حواء آدم من الجنّة المفترضة، وبحسب الأسطورة بأن أغوته فجعلته يأكل من شجرة المعرفة وأصبح بعدها يعي معنى الجسد والجنسانية والشهوانية، لا تزال المرأة تُسجن خارج جسدها وخارج أحلامها لأنّها تملك الأدوات والمعرفة للثورة على السلطة.

عدوّ المرأة

من المستحيل اختصار المرأة في قالب أو خانة أو وفق قوانين نهائية. فهي وإن وضعنا لها قوانين، ستكسرها حتماً لترينا أنّ هنالك «ممكناً» خارجها. وهي تذوي وتزول كينونتها إذا ما خضعت لأي من النظامين اللذين ـــــ كمن اكتشفا أصل الثورة وسبب خروج الإنسان عن قوانينهما ــــــ يسدّدان إليها الضربة تلو الأخرى لتحجيمها وجعلها تابعة طيّعة. وهي كانت منذ البدء أصل الرفض للممنوع وغير المقبول.
من المفترض أن تجعلنا أسطورة «الخطيئة الأولى» نرتعد من الغضب وندين فعلتها. هي، ليست حوّاء فقط، بل المرأة، كل النساء، أخرجته وأخرجتنا جميعاً، نساءً ورجالاً من الجنّة. فلننظر إلى القصّة مرّة أخرى: أية جنّة هي تلك التي لا معرفة فيها ولا جسد بلحم ودم ومشاعر؟ أيّ ذنب اقترفته هي ـــــ ونحن معها ـــــ بأن قادته إلى المعرفة وجعلته يراها هي ويرى نفسه ويفهمها؟ رأى شعرها والعينين وتدويرة الخدود والفم واللسان، وخطّ رقبتها ينزل إلى الأكتاف. رأى النهدين والبطن المدوّر والأرداف العريضة الجاهزة للخلق، ورأى المدخل إليها، هي المرأة الأولى، التي وإن خُلِقت من ضلعه، فهي قادته إلى الشجرة والتفاحة والمعرفة والوعي والرؤية. جعلته يرى، وجعلت من نفسها أوّل ما يراه. تلك هي حوّاء، وتلك هي ما نحن عليه في الجوهر، المرأة التي تقود إلى الضوء وتُرجم ممّن لم ير بعد، لكنّها بحركتها تلك ـــــ بوضع يده في يدها وأخذه إلى المعرفة ـــــ تعرّف حركة الكون كلّه، وفيه حاجتنا وتوقنا الدائم الحارق الذي يتآكلنا من الداخل، إلى المعرفة. هي المتعدّدة الأشكال المتغيّرة دائماً، وهي التي تختصر في نفسها كلّ مرّة أساطير حوّاء والنساء كلّهنّ.

* كاتبة لبنانية