كثرت، في الفترة الأخيرة، التقارير الغربية التي تتنبأ بـ «سقوط مالي» قريب للحكومة السعودية؛ وهي تعتبر أن الخطر الأساسي الذي يواجه المملكة لن يكون سياسياً، ولن يأتي من ايران أو اليمن أو «القاعدة»، بل سينتج عن سوء ادارة المملكة لمواردها، وعجزها، خلال سنوات قليلة، عن تمويل ميزانيتها التي تتضخم باستمرار.


أكثر هذه التنبؤات، كمقالٍ أخير لأمبروز ايفانس بريتشارد (محرر شؤون الأعمال الدولية في صحيفة «التلغراف»)، تركّز على «فشل» الرّهان الذي عقدته السعودية العام الماضي عبر خفض سعر النفط، واغراق السوق بالانتاج، بغية اخراج منتجي النفط الصخري في اميركا من المنافسة. النتيجة، بعد سنة تقريباً، هي أن انتاج النفط الصخري لم ينخفض، والسوق العالمية ما زالت متخمة؛ بل ان انهيار الأسعار قد سرّع عملية خفض النفقات في الصناعة الوليدة، فصارت كلفة حفر وتجهيز البئر الواحدة أقلّ مما كانت عليه السنة الماضية بأربعين في المئة، وهذا الاتجاه ــــ يقول الخبراء ــــ مستمرّ.
أمّا في مجلة «فوربس»، فقد كتب تيم وورستال أن الخطأ السعودي في التقدير تمثّل في افتراضهم أنّ النفط الصخري يشبه صناعة النفط التقليدية التي اعتادوا التنافس معها، حيث تكون المشاريع ضخمة ومكلفة، وتستغرق ما معدّله سبعة أعوام للبدء بالانتاج؛ ما يعني انّه يكفي ضرب الأسعار وجعل هذه المشاريع غير مجدية لضمان عدم نشوء منافسة لسنوات مقبلة (وهو ما جرى في حالة المشاريع المكلفة للنفط التقليدي التي ابتدأ التخطيط لها، تحت اغراء ارتفاع سعر النفط، قبل سنوات، في المنطقة القطبية وروسيا والمياه العميقة مقابل البرازيل، اذ لم تعد على بساط البحث). أمّا النفط الصخري، يقول وورستال، فله منطقٌ مختلف: انت لا تحتاج لاستثمار حقلٍ ضخمٍ بأكمله، ولا تراهن على عشرين عاماَ في المستقبل، بل يمكن للإستثمار أن يكون على مستوى بئرٍ واحدة، وعائده الأساسي يتحقق خلال سنة ونصف الى سنتين من بدء الانتاج ــــ أي انّه يكفي أن يرتفع سعر النفط مرحلياً حتى تعود حفّارات النفط الصخري الى العمل، ويبدأ الانتاج بالتدفق خلال أسابيع.
هكذا، ساهمت السعودية بإطلاق حقبة جديدة من النفط الرخيص في العالم، لا يتوقّع الكثيرون أن تنتهي في المدى المنظور (خاصة حين تنضج صناعة النفط الصخري، وتنتشر تقنياتها خارج الولايات المتحدة). حتى اذا خفضت الرياض انتاجها اليوم، فهي لن تعيد السوق الى ما كانت عليه منذ سنة، بل سيرتفع انتاج النفط الصخري في اميركا، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، ليملأ الثغرة. وبسعر برميلٍ يقلّ عن الخمسين دولاراً، فإنّ عجز الميزانية السعودية سيحرق، خلال سنوات قليلة، كامل احتياطها المالي ويدفعها الى أزمة حقيقية. هذه التوقعات تؤكدها السحوبات الكبيرة من احتياط المصرف المركزي، الذي انخفض بقيمة 60 مليار دولار منذ بداية السنة، الى 660 مليار دولار، واعتزام الحكومة طرح سندات دينٍ عام، للمرة الأولى منذ 2007. الموازنة السعودية، اذا استمرّ المستوى الحالي للأسعار، ستعاني من عجزٍ يفوق الـ 140 مليار دولار سنوياً (أي ما يوازي، للمقارنة، كامل موازنة عام 2009)، والانفاق ــــ وشراء الأسلحة والحروب الخارجية والفساد ــــ يزداد بلا تباطوء.
السردية المتفائلة عن صناعة النفط الصخري وصموده في وجه حرب الأسعار قد يكون فيها بعض المبالغة أو، أقله، الاستعجال في الحكم. الصحافة الغربية «منحازة»، لأسباب سياسية وتجارية، للنفط الصخري وبدائل النفط، وهي تزفّ نبأ «انتصاره» على حرب السعوديين ضده منذ بدايتها. هناك عوامل أخرى يجب أن تؤخذ بالحسبان، منها أنّ الكثير من عمليات الحفر التي جرت في حقول النفط الصخري هذه السنة جاءت بعقودٍ أبرمت قبل انهيار الأسعار، وليس لأنّ الآبار مربحة (بمعنى أن شركات النفط قد التزمت مع شركات الخدمات حفر عددٍ معين من الآبار، وهي ستدفع كلفتها سواء أنجزتها أم لم تنجزها). أو أنّ عقود «التحوّط» قد حمت مستخرجي النفط الصخري من الآثار المالية لانخفاض الأسعار، فهم ما زالوا يبيعون قسماً مهماً من انتاجهم بأسعار السنة الماضية؛ وهذه العقود عالية السعر على وشك أن تنتهي، وستشعر الصناعة، ساعتها، بالتأثير الكامل للنفط الرخيص. هذا اضافة الى أنّ دورة حياة بئر النفط الصخرية هي، كما أسلفنا، قصيرة، والوقت قد اقترب حين تظهر نتائج قلة الاستثمار ويبدأ مجمل الانتاج بالانخفاض.
الا أنّ الجزئية التي تتعلق بالسعودية، وسيرها في طريقٍ مسدود، لا ترتبط بالنفط الصخري وحده أو مستوى سعر البرميل، ولن تغيرها ــــ على المدى البعيد ــــ طفرةٌ جديدة في السوق. 100 دولارٍ للبرميل قد تؤجل ظهور المشكلة، ولكنها لن تحلها. حتى عام 2003، حين كان دخل الفرد في السعودية ينخفض باضطراد منذ أكثر من عقد، مع زيادة السكان وجمود سعر النفط، كانت دراسات المؤسسات الدولية والخبراء تجمع على ضرورة الاصلاح الهيكلي وعدم استمرارية النظام القائم، ثم قفز سعر البرميل وتناسى الجميع نصائحهم. مشكلة السعودية، باختصار، هي انّه ــــ في عالمنا غير المثالي ــــ انت قد تتمكن من التعايش مع اقتصادٍ ريعيٍ توزيعي، أو مع الاعتماد على مصدرٍ واحد أوحدٍ للدخل، أو أن تبني مجتمعاً يتجنب العمل المنتج بأي ثمن، أو أن تنجب الكثير من الأولاد، ولكن لا يمكنك أن تفعل كلّ هذه الأمور في آن.