لم تحسم الأمور في ليبيا نهائياً حتى الساعة. الثوار دخلوا طرابلس، لكن لم يسيطروا عليها كلّها، ولا يزال البحث جارياً عن العقيد معمر القذافي، وسط تضارب الأنباء عن مصير عائلته الكبيرة. الفرحة التي عمت العواصم الغربية ليست نهائية؛ إذ لا يبدو مستقبل هذا البلد النفطي مضموناً مع إمكان تحوّل الوضع إلى حرب أهلية دائمة، وخصوصاً بوجود قبائل ومناطق لا تزال تدين بالولاء للنظام الذي يمكن إطلاق تسمية «السابق» عليه.


كيف سيتصرف المجلس الانتقالي في الشهور المقبلة؟ ماذا عن النفط وعقوده التي تلهث وراءها الدول والشركات الغربية كافة؟ وأين موقع الصين من التطوّرات الأخيرة؟ كلّ ذلك ستحسمه الشهور وربما السنون المقبلة، من دون أن يتمكن أحد اليوم من الجزم بشأن مستقبل ليبيا. مجلة «فورين بوليسي» حاولت عبر كتّابها الإجابة عن تلك الأسئلة

■ ■ ■

أهمية العقد المقبل



دانيال سيرفر *
تجتاح ليبيا اليوم موجة مختلطة من الفرح والعنف الباقي الذي يعلن نهاية أي حرب. لكن عوض التركيز على الأحداث التي تحصل في شوارع طرابلس هذه الأيام، يجب على الجميع التركيز على اكتشاف أي سيناريو سيتمظهر في فترة ما بعد الحرب، خلال العقد المقبل تحديداً. ما هو الأفضل الذي يمكن أن نأمله؟ ما أسوأ ما يمكن أن يحصل؟ أين ستكون ليبيا في العقد المقبل؟
هناك العديد من السيناريوات السيئة. يقوم معمر القذافي، حتى اليوم، بما في وسعه لنشر الفوضى والمقاومة، ما يمكن أن يؤدي إلى عمليات ثأر وقتل، أو يمكن أن يتدهور الوضع ليصل إلى حرب أهلية. قد تشجع الفوضى المستمرة أي شخص يشبهه (في الجيش أو حتى من بين الثوار) على الاستيلاء على السلطة وحصرها بشخصه، تحت عذر إعادة القانون والنظام. قد يؤدي حكم شخص واحد إلى استمرار المقاومة، والوصول إلى دوامة من العنف والقمع. قد تؤدي أي محاولة للسيطرة على الحكم إلى تقسيم البلاد. بالفعل، لقد تأسست ليبيا، مثل معظم الدول الأفريقية عبر جمع مقاطعات متباينة في بداية القرن العشرين، ولن تكون الدولة الأولى التي تنفصل، وفقاً لحدود قديمة.
الفوضى، الاستبداد، والتقسيم هي ثلاثة مخاطر، من بين مئات، تواجهها ليبيا. لقد صدّرت الدولة في الماضي عدداً مهماً من المقاتلين الإسلاميين والانتحاريين الذين استهدفوا جنوداً أميركيين في العراق. إذا بقيت ليبيا في حالة الفوضى، فستصبح المناطق الخارجة عن السيطرة الكاملة للحكومة، ملاذاً آمناً للمتطرفين. قد تصل الأسلحة الكثيرة، التي لا تخضع للحراسة في ليبيا، لأسواق السلاح العالمية، ما قد يضع صواريخ تشبه صواريخ ستينغر أو أسلحة كيميائية حتى، في أيدٍ غير صديقة. أسوأ من ذلك، قد يعيد حكام ليبيا الجدد إحياء برنامج ليبيا النووي من عهد القذافي، وإنتاج مواد وخبرات تصبح متوافرة للعالم أجمع. لا تعداد دقيقاً للصواريخ التي هُرِبّت أخيراً إلى داخل البلاد لمساعدة قضية الثوار.
حتى لو تراجعت الفوضى التي ترافق فترات ما بعد الحروب، هناك الكثير من المخاطر التي تلوح في الأفق. يعتمد اقتصاد ليبيا على إنتاج النفط والغاز. يبدو أنّ القذافي أخفى معظم عائدات النفط والغاز في مصارف في الخارج، تاركاً العديد من الليبيين معدمين. تطوّرت القليل من الدول التي تستطيع تمويل نفسها من الموارد الطبيعية في اتجاه ليبرالي وديموقراطي. من الصعب نشر الشفافية ومنطق المحاسبة، ربما كانت النروج وشرق تيمور الدولتين الوحيدتين اللتين تستطيعان ادعاء تحقيق ذلك. تعاني الدول غير الديموقراطية عادة من التنافس على عائدات الموارد الطبيعية. قد يصبح ذاك الصراع منهكاً إذا ترافق السباق بين الأطراف مع انقسامات عرقية، قبلية أو مناطقية. هناك قاعدة لهذا الخوف في ليبيا، ففي حين أنّ معظم الليبيين عرب، بعضهم بربر، كما يسميهم الأميركيون، وسيرغبون في التعبير بشكل أكثر عن هويتهم، مما كان مسموح لهم في الماضي. التباينات القبلية ليست ظاهرة كثيراً في المدن الليبية، لكنّها موجودة في الريف. كان القذافي ماهراً في تأليب القبائل بعضها على بعض، لكنّه لم ينجح كثيراً في تحييد المنطقة المحيطة ببنغازي. قد يصبح الأمر أكثر صعوبة في الفترة التي تلي رحيله، بسبب إنتاج النفط والغاز في الشرق.
ما هو أفضل ما يمكننا أن نأمله لليبيا في السنوات العشر الأخيرة؟
لقد وضع المجلس الانتقالي مسودة دستور تسير بوضوح في اتجاه ليبرالي ديموقراطي، وإن كان الإسلام سيكون دين الدولة ومصدر تشريعاتها. الخطط تدعو إلى إعداد دستور (لم يكن لليبيا دستور في ظلّ القذافي) في غضون ستة أشهر، وانتخابات خلال سنة. أعتقد أنّ الخطط متسرعة بعض الشيء، لكن إن لم تستطع المؤسسات الليبية أن تواكب الدمقرطة، يمكن تأجيل بعض الخطط، كما يحصل عادة بعد الحروب. الأهم ألا تطوّر ليبيا دستوراً يوزع السلطات بين مؤسساتها، وانتخابات تحدد من يحكم الدولة فقط، بل أيضاً أن ترعى ثقافة ديموقراطية تكفل حرية الرأي والتجمع.
سيتطلب الأمر سنة واحدة أو سنتين، لكن يجب ألا يطول لعقد كامل. إذا طوّرت ليبيا ثقافة ديموقراطية، فسيجب على حكومتها أن تتعلم فن الشفافية والمحاسبة الصعب، من أجل عائدات النفط والغاز. لا يمكن أن تسود ديموقراطية حقيقية إذا كانت عائدات النفط والغاز تذهب إلى خزينة الحكومة من دون رقابة من البرلمان ومحاسبة من الشعب، كما يحصل في معظم الدول العربية المنتجة للنفط. كلّ المواطنين، بغض النظر عن القبيلة، العرق، أو المنطقة، سيحتاجون إلى أن يشعروا بأنّهم ينالون حصة في ثروة ليبيا الطبيعية.
حتى لو حصل ذلك، ستظل ليبيا بحاجة إلى جهد مصالحة وطنية كبير. أفاد نظام القذافي عائلة واحدة على حساب بلد بكامله، لكن أعداداً كبيرة من الناس، وخصوصاً في طرابلس وسرت، ساندوا النظام واستفادوا في المقابل. سيتعرض هؤلاء الناس للتمييز بحقهم والكره وربما الثأر منهم، في ليبيا ما بعد القذافي. خلال العقد المقبل، سيكون من الضروري توثيق، ومناقشة ونشر سجلات نظام القذافي كي يتمكن الشعب من تخطي الماضي والتمتع بمستقبل أكثر وعداً.
كيف ستكون الأمور بعد عقد من اليوم؟ أتوقع أن تكون ليبيا في فوضى، لكن أقرب إلى نهاية ديموقراطية عوض النتائج الفوضوية والاستبدادية والتقسيمية. إذا كان المجتمع الدولي والليبيون أنفسهم واضحين بشأن الأهداف التي يسعون إليها (بلد موحّد ويشمل الجميع، يعتمد على حكم القانون، يستطيع حماية وتمويل نفسه عبر استخدام عائدات النفط والغاز لخدمة كلّ مواطنيه)، يمكننا حينها أن نكون أقرب لتحقيق سيناريو أفضل حالة ممكنة.
سيكون هناك نكسات، كما حصل في الأشهر الستة الأخيرة، لكن لا سبب يمنع ليبيا من اللحاق بتونس في الوصول إلى مجتمع أكثر انفتاحاً وسلاماً. مع الكثير من الجهد والعزم، يمكن ليبيا أن تصبح مثالاً للمجتمعات العربية الأخرى كي تستبدل قادتها العنيفين الذين لا يمكن محاسبتهم، بأنظمة حكم أكثر عدالة.

* أستاذ في جامعة «جونز هوبكينز» وباحث في «معهد الشرق الأوسط»

■ ■ ■

الأطلسي ومشاكله



كيرت فولكر *
لا يمكن المرء سوى الابتهاج بما يبدو أنّه إطاحة معمر القذافي من الحكم، على يد شعبه المقموع لفترة طويلة. كذلك يجب تهنئة قوات حلف شمالي الأطلسي الخاصة وقواته الجوية، وخصوصاً من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، التي ساعدت على الوصول إلى تلك النتيجة...
لكن رغم تلك النتيجة الجدية، سيكون من الخطأ اعتبار ذلك نجاحاً للناتو. بالفعل، الأصح القول إنّه نجاح رغم المشاكل المتجذرة التي لم يتطرق إليها أحد داخل الحلف.
هناك أولاً مشكلة تعريف المهمة. حدد الحلف مهمته في ليبيا بأنّها حماية المدنيين والغوث الإنساني. لكن حتى أكثر المراقبين تساهلاً لاحظوا أنّه لم يكن هناك إمكانية لحماية المدنيين، ما بقي القذافي في السلطة. ورغم أنّ الحلف ضرب بضع منشآت مركزية في قلب طرابلس، وقتل بعض أعضاء عائلة القذافي، استبعد الناتو بوضوح «تغيير النظام». لذلك، لشهور عدّة، كان هناك نقص في جديّة الهدف العسكري، بنحو يثير القلق.
تغيّر الأمر أخيراً مع إرسال بريطانيا وفرنسا وإيطاليا (مع مساندة أميركية) لمستشارين من القوات الخاصة إلى الثوار، وتوفيرها معدات ووسائل اتصال وتعاون استخباري وتنسيق الهجمات الجوية للأطلسي معهم. لكن تلك الجهود المهمة حصلت رغم التسمية الرسمية للمهمة، لا بسببها. وما دامت تلك الجهود فاعلة، غضت بعض الأطراف الحساسة في الحلف النظر.
لماذا إذاً اعتمد الناتو نصف مهمة في المقام الأول؟ لأنّه لا يستطيع اتخاذ قرارات إلا بالإجماع، وكانت كل من تركيا وألمانيا، من بين دول أخرى، متحفظتين على مهمة أكثر تورطاً لهما. هناك مشكلة لدى الحلفاء الأوروبيين تتعلق بممارسة القوة العسكرية. كتب روبرت كاغان كثيراً عن تلك المثالية ما بعد الحداثوية في كتابه «عن الجنة والقوة». يقول كاغان إنّ المؤسسات العسكرية الأوروبية تحب كثيراً أموراً مثل «حماية المدنيين» و«حفظ السلام»، و«إيصال المساعدات الإنسانية»، و«توفير الاستقرار». لكن ماذا عن استخدام القوة العسكرية من أجل هدفها الرئيسي: هزيمة عدو عبر القوة الكاسحة؟ ذلك أمر غير مقبول بالنسبة إلى العديد من الحلفاء الأوروبيين. لكن من دون هذا الخيار ماذا يعني حلف عسكري؟
ثانياً، هناك مشكلة القيادة. كان الضياع الحاصل بشأن المهمة رسالة مشوشة بشأن قيادة التحالف الأطلسي. بعد تأديتها دوراً مهماً في أول موجة من الهجمات الجوية، انسحبت الولايات المتحدة من المهمة بشكل مفاجئ...
الانسحاب كان لتقديرات سياسية داخلية، ومنها تعب عام من حربين حاليتين، وغضب «حزب الشاي» من جنوح واشنطن خارج السيطرة، وضغوط كبيرة في الميزانية... لكن شكل ذلك رسائل مشوشة في واشنطن؛ لأنّ الولايات المتحدة استمرت في إرسال مجنديها إلى الحرب، عبر توفير الدعم اللوجستي لعمليات الناتو. لماذا تعريض حياة الأميركيين للخطر إذا كانت الولايات المتحدة لا تبحث عن نتيجة استراتيجية، وإذا كان يفترض بالأوروبيين القيام بالعمل، لا الأميركيين؟
... من الصعب إقناع الشعب الأميركي بالسبب وراء استمرار واشنطن في الحرب، ولماذا يجب عليها أن تربح، وخصوصاً إذا كانت الإدارة ترفض الاعتراف بأنّ الدولة متورطة في أعمال حربية.
ثالثاً، لدينا مشكلة التنفيذ. بعد سنوات من تفريغ الدول الأوروبية لميزانياتها الدفاعية (رغم العلميات المكلفة في أفغانستان)، ظهر أنّ معظم الحلفاء الأوروبيين يفتقرون اليوم إلى القدرات للقيام بمهمة بسيطة مثل فرض منطقة حظر تجوال من دون الولايات المتحدة...
كذلك، حجبت الولايات المتحدة بعض المقدرات عن المهمة، مثل طائرات أ ــ 10 المضادة للدبابات، وفي الأيام الأولى الطائرات من دون طيار، فيما كان وجودها سيؤثر كثيراً.
لكنّ قرار ترك القتال على الأرض لليبيين أنفسهم كان حكيماً، عوض إرسال جنود غربيين. لقد وقف الليبيون ضد المستبد، وكانوا مستعدين للقتال من أجل بلدهم. وسرعان ما سيتمكنون من القول إنّ النجاح ملكهم وحدهم فقط.
لكن الناتو تأخر كثيراً قبل فرض منطقة حظر طيران، وبحلول ذلك الوقت كان القذافي في طريقه لإبادة بنغازي، وغيّر تكتيكاته كلياً. كذلك، تأخر أعضاء الحلف كثيراً قبل منح الثوار معلومات استخبارية ووسائل اتصالات وفرقاً استشارية ومعدات ومساندة جوية تكتيكية. كان يمكن القيام بذلك في غضون أسابيع من بدء القتال. في النهاية، بعض الحلفاء قاموا بذلك، تحت الطاولة، ممثلين أنفسهم، عوض أن يكونوا ممثلين للأطلسي. نجح الأمر، لكن بثمن أكبر في الأرواح والثروات مما كان يجب أن يكون.
رابعاً، هناك مشكلة التضامن. إنّ مفهوم الحلف يدور حول التشارك في أهداف استراتيجية واحدة، والاستعداد للقتال معاً من أجل الخير العام. مثال على ذلك هو البند الخامس من ميثاق الناتو المتعلق بالدفاع المشترك. ذاك التضامن تعرض للضرر كثيراً من قبل بسبب الحرب في أفغانستان، حين وضع بعض الحلفاء شروطاً على استخدام قوتهم العسكرية (رغم موافقتهم على مهمة الناتو)، ومن ضمنها اشتراط وجود قواتهم في المناطق غير القتالية، حتى حين تعلق الأمر بإيصال مواد طبية. يمكن فهم ذلك لأنّ على كل حكومة مواجهة سياساتها المحلية، لكنّ الموضوع مدمر للحلف كمنظومة. ورغم ذلك، عملت الولايات المتحدة بجهد ونجحت في إقناع الجميع بأنّ أفغانستان هي مهمة للأطلسي، ويجب على كل عضو في الحلف المساهمة بطريقة أو بأخرى. وذلك ما حصل بالفعل.
لكن إذا كان التضامن بدأ شجاراً في أفغانستان، فهو انتهى عملياً في ليبيا. لم يشارك بعض الحلفاء في أي عمل في ليبيا في بعض الأحيان، بسبب افتقارهم إلى قدرات مهمة، وهو أمر معيب بحد ذاته. اختار البعض الآخر تحديد مشاركتهم بصفر، أو بمهمات بسيطة.
حتى إنّ الولايات المتحدة نفسها أصبحت دولة حذرة، وضعت حدوداً على الأدوار التي كان يجب أن تؤديها والقدرات المحددة التي كان يجب أن تسهم عبرها بمهمة الناتو في ليبيا. مما لا شك فيه، سيدّعي المدافعون عن الولايات المتحدة العكس. سيقولون إنّ الولايات المتحدة تقود الجهود في أفغانستان، ولديها مسؤوليات أخرى، ومستعدة لتقديم مساندة قتالية حساسة وفريدة في ليبيا. لكن سياسياً، قدمت الولايات المتحدة مثالاً حياً على كيفية القبول بالمحاذير، وذلك كارثة للأطلسي كمنظومة.
لم نقل كلّ ما سبق من أجل اعتبار أنّ الناتو خسر المعركة، لكن إذا كنا نظن أنّ ليبيا هي قصة نجاح الحلف، فلن نتمكن من ايجاد حلول لكل المشكلات الكبيرة التي لا تزال تضرب التحالف الأطلسي.
وبكل تأكيد، نحن لا نزال نحتاج إلى الناتو، ففي عالم تكبر فيه التهديدات الأيديولوجية، والعسكرية والاقتصادية والسياسية والفوضوية البحتة، تحتاج أميركا وأوروبا (دعامتي القيم الديموقراطية في العالم) إلى العمل معاً على نحو أوثق من ذي قبل.
لإعادة الناتو إلى مكانته كالحلف العسكري الأهم في العالم، وهو ما كان عليه في السابق وما يجب أن يكون عليه، علينا أن نجري تقويماً للمشكلات التي فضحتها عملية ليبيا، وأن نعمل جاهدين لتخطيها قبل أن تتأتى الحاجة لاستخدام قدرات التحالف مجدداً.

* سفير أميركا الأسبق لدى حلف شمالي الأطلسي

■ ■ ■

ماذا عن الذهب الأسود؟



ستيف ليفاين *
يترك ما يبدو أنّه نجاح للانتفاضة الليبية كتاب تعليمات رثاً لحكام الدول النفطية في الشرق الأوسط، ويجبر قادة الغرب، وخصوصاً الصين، على التفكير بطريقة تعامل جديدة مع وكلائهم في قلب العالم الاقتصادي. بعد أن علموا منذ بداية الربيع العربي أنّ استمالة المعارضين لا يضمن استمرارهم، يعرف مستبدو المنطقة الآن مما حصل في ليبيا أنّه لا يمكنهم الاستنتاج أنّ أعمال العنف تطيح المعارضين أيضاً، وأنّه يجب عليهم أن يجدوا تركيبة جديدة ليبقوا في أماكنهم. أما في ما يتعلق بالصين، غير المبالية سياسياً، فلا يمكنها الاستمرار باستراتيجية اللا ـــــ أدرية لأمنها الطاقوي، فعليها هي أيضاً أن تعيد حساباتها، وتأخذ موقفاً سياسياً لم تعتده من قبل، عوض أن تقف في جانب الطرفين المتصارعين.
أشعل حرق بائع الخضار التونسي محمد البوعزيزي لنفسه آمال ملايين المقموعين في المنطقة، ما أدى إلى تنحي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر. لكن كانت الثورة الليبية في شباط الماضي هي التي أدت إلى إثارة هاجس حقول النفط المشتعلة في الدول التي لها أهميتها في الاقتصاد العالمي، أي ممالك وإمارات السعودية، والكويت، وقطر، الغارقة في النفط، فارتفع سعر النفط.
الأمر الأهم بنظر الحكام، أنّهم كانوا يبدون في مأمن، لكنّهم لم يكونوا متأكدين من ذلك، وأكبرهم على الإطلاق، آل سعود، دفعوا 129 مليار دولار لشعبهم عبر علاوات عدّة، ثمن الاحتفاظ بالحكم. فعل جيرانهم الأمر نفسه. خلال العقود المقبلة، وما دام هؤلاء الحكام في الحكم، سيلاحقهم دوماً طيف البوعزيزي.
لا يزال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في السعودية، التي تهتم بشفائه بعد إصابته في انفجار منذ شهرين، لكن هل من مصلحة الملك عبد الله أن يسمح له بالعودة إلى بلاده؟ على الأرجح لا، فأحداث طرابلس ربما كانت نهاية آمال صالح.
أما بالنسبة إلى القوى الخارجية، فاستبق قادة الغرب الأحداث في طرابلس وطالبوا باستقالة بشار الأسد. الفرحة في طرابلس توحي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروربي أنّ قصف الناتو كان العمل الأفضل، وأنّه يجب عليهم أن يستمروا في مقاربتهم تلك أو سيخسرون الشارع العربي.
أكبر عملية إعادة للحسابات قد تكون تحصل في بكين. في آذار الماضي، قالت الصين إنّ على العالم أن يبقى خارج الربيع العربي. هذا الصيف، غيّرت موقفها. التغيير الكبير هذا يعود بسبب رئيسي إلى محاولتها مجاراة الجامعة العربية. لكن هدف الصين الأهم هو تحقيق وصولها إلى المواد الخام التي تحتاج إليها صناعاتها. حتى حلول الربيع العربي، كانت الصين على علاقة جدية بالمستبدين العرب كلّهم، ما مكّنها من الحصول على النفط والمعادن. لم يعد الموضوع مضموناً، فقد لا تكون حركات المعارضة الناجحة صديقة لمشتري الموارد المعدنية غير المسيسين، ما قد يشجع بكين على أن تعبر عن مواقف أكثر وضوحاً تجاه من تريد أن يساعدوها.
بعد وصولهم إلى طرابلس، قال الثوار الليبيين إنّ الصين، روسيا وكذلك البرازيل، قد تصبح بلا عقود نفطية مع الدولة الجديدة، بسبب فشلها في توضيح موقف مناهض للقذافي، وفق ما نقلته وكالة رويترز. وفي هذا الوقت، تجد شركات النفط الغربية نفسها في وضع جيد.
ماذا عن التأثير الاقتصادي على ليبيا؟ يجب أن نتوقع انخفاضاً أكبر في أسعار النفط والمحروقات، وهي أصلاً في انخفاض كبير منذ فترة، بسبب التشاؤم الاقتصادي العام. قبل ذلك، كانت أسعار النفط العالمية، وخصوصاً البرنت الخام المتداول أوروبياً ترتفع. كان الأمر يتعلق بعامل نفسي؛ إذ ظن التجار أنّ الربيع العربي سيصل إلى السعودية، وبالتالي أضافوا هامش خطر يراوح بين 10 و15 دولاراً على برميل النفط الواحد. لكن كان هناك أيضاً عامل مادي، نتيجة فقدان 1.2 مليون برميل ليبي من الصادرات، هي من النفط الأخف حول العالم.
إذاً، يجب على النفط الليبي العودة إلى الأسواق بسرعة لخفض الأسعار. متى يمكننا توقع ذلك؟
وفق استطلاع أجرته وكالة رويترز مع 20 محللاً اقتصادياً، توقع هؤلاء مرور سنة على الاقل، وربما أربع سنوات، قبل أن يعود تصدير النفط في ليبيا إلى أرقامه القصوى. لكن يجب أن نبقي في البال أنّه حتى الليبيون لا يعرفون الوضع العام لحقولهم النفطية والبنى التحتية اليوم، بعد كلّ القتال الذي دار أخيراً.
يقدر فيل فلين من «بي إف جي بيست» أنّ خمسين أو سبعين في المئة من إنتاج ليبيا ما قبل الثورة سيعود إلى سابق عهده في غضون ثلاثة أشهر. يُعَدّ فلين من الجانب المتفائل. يعتمد الأمر على مدى الأمان الذي تشعر به الشركات الغربية حيال العودة إلى حقولها ومنشآتها، وإعادة تدفق النفط إلى سابق عهده. لكن روبن وست، مدير شركة «بي إف سي للطاقة» في واشنطن، قال لي إنّه يرى بعض اللهفة لدى جزء من الشركات للعودة إلى العمل.
من جهته، يتوقع بيتر بيوتل من «كاميرون هانوفر»، وهي شركة استشارية لصناديق التحوط، انهيار في أسعار المحروقات حالما يعود النفط الليبي إلى الأسواق، لأنّه أكثر إنتاجاً للمحروقات من النفط الثقيل. وقال لي بيوتل إنّ أسعار النفط قد تنخفض في الأيام المقبلة إلى 74 دولاراً. في المقابل، يتوقع دومينيك شنايدر، رئيس وحدة أبحاث السلع في مركز إدارة الثروات في «يو بي إس»، انخفاض سعر البرميل إلى 68 دولاراً.
لكن أماريتا سين من «باركليز كابيتال» تقول إنّ الخام الليبي لن يعود إلى مستوى ما قبل الانتفاضة، كما النفط العراقي الذي لم يعد حتى الآن إلى مستويات ما قبل 2003، رغم مرور وقت طويل على إطاحة صدام حسين. وتضيف قائلة إنّه في ليبيا لا يعرف المرء إذا كان البلد سيحظى بالأمن الضروري لضح كميات كبيرة.
لكن العوامل المؤثرة على عودة النفط إلى سابق عهده تبدو أكثر تعقيداً يوماً عن يوم. من العوامل الركود في الاقتصاد العالمي، كما يقول فرانك فراسترو، مدير قسم الطاقة والأمن الوطني في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية». وقال لي فراسترو إنّه «قبل شهور كان لعودة النفط الليبي إلى الأسواق تأثير مهدئ، وخصوصاً في أوروبا، حيث يستخدم 80 في المئة من النفط، لكن اليوم هناك خوف من استمرار التراجع الاقتصادي، ما يعني أسعاراً أكثر انخفاضاً، وحاجة أقل للنفط بنحو ملح». أما آيمي مايرز جافي من جامعة رايس فتقول: «في النهاية، الانتفاضة الليبية كانت عامل خطر وليست علّة بحد ذاتها، ولا يزال الخطر موجوداً. إذا فكرت ملياً بالموضوع، فسيكون درس ليبيا أنّ الشعوب الأخرى ستشعر بالشجاعة للبقاء في الشوارع (أو النزول إليها)، ما يعني المزيد من المخاطر على توفير النفط».

* كاتب متخصص في قضايا الطاقة والنفط

تم تعديل المقال عن نسخته الاصلية بتاريخ 26/8/2011