يدرك الليبيون جيداً أنّهم يقفون اليوم أمام تحديّات صعبة، وقد تكون خطيرة، إذا لم يحسنوا قيادة السفينة في الإبحار نحو ما يتوافق مع أهداف الثورة. أهداف تحقق شروط الحريات العامة والشخصية، وتنفذ آليات العمل الديموقراطي في مناخات من الاستقلال وحفظ السيادة الوطنية والحفاظ على مسلّمات قومية أساسية تتعلق ببقاء فلسطين القضية المركزية. لقد كلف القضاءُ على نظام استبدادي مترهّل الشعبَ الكثير من الوقت والجهد، وتحمّل أعباء المساعدات الخارجية، بل قل إنّه كلّفهم أكثر تبعات التدخل الأطلسي الذي لا يعطي من أجل سواد عيون الليبيين أو غيرهم، بل من أجل تحقيق مصالحه ومصالح دوله. ربما كانت الظروف القاهرة التي تولدت بفعل آلة القمع والقتل المُنظّمة التي مورست على مدى عقود في كلّ أنحاء الجماهيرية الليبية، قد أسهمت في وضع المعارضة الليبية ـــــ على تعدد مشاربها ـــــ أمام موقف حرج: إمّا الإستعانة بالآخر صاحب الأهداف الخطيرة، أو الرجوع إلى ما قبل 15 شباط 2011، وبالتالي تفويت الفرصة على ذلك الشعب المظلوم بنعمة الالتحاق بربيع الثورات العربيّة. لذلك، كانت قيادات المعارضة التي انتظمت في تشكيل سياسي سمته «المجلس الوطني الانتقالي الليبي» وجعلت مقره في بنغازي، حذرة في اختيار آليات التغيير، بما يتلاءم مع مفهوم الثورة للحرية والاستقلال والسيادة، وعدم رهن البلد للاستعمار الذي بات يتجسد بصور مختلفة.بالطبع، النموذج العراقي كان حاضراً بقوّة. بل كان بمثابة إنذار تنبيه من مرحلة لاحقة تسود فيها الفتن القبائلية والنزاعات السياسية وهيمنة فائقة للمشروع الغربي في استغلال ونهب خيرات الهضبة الأفريقية. هنا برزت المفاضلة: التخلص من حكم سياسي مستبد، وتحقيق مجتمع مدني قائم على قيم العدالة الاجتماعية يسير وفق آليات الديموقراطية الحقيقية، ويعطي للشعب دوره في ممارسة العمل السياسي ومحاكمة المقصّرين من المسؤولين؛ أو البقاء في ظل حكم مؤتمرات شعبية شكلية، لا تقرر سوى ما يراه الزعيم المخلوع معمر القذافي، الذي طالما وُصف بالجنون. حكم لم يعط الليبيين تعليماً نموذجياً ولا طبابة متطورة ولا ديموقراطية حقيقية أو حريات عامة. بالطبع، كانت الثورة مُدركة لحجم التحديات، وخطورة «اللعب مع القط» الأميركي. لكنّها كانت مُدركة أيضاً أنّ ما يعطيه «الأخ القائد» للغرب لن يكون أقل مما ستعطيه هي، وأنّ الأموال التي يبذخ بها «ملك ملوك أفريقيا» من جيوب شعبه في القارة السمراء، لإرضاء ساديته في مراقبة التناحر الدموي بين القبائل الأفريقية، لن تكون أقل مما سيدفعه القادة الواعدون من تكاليف عملية الناتو «الحامي الموحد»، وما ستمنحه للدول التي دعمت الثورة سياسياً ومالياً وببعض السلاح، من امتيازات في استثمار طاقات ليبيا الطبيعية. أمام ما شهدته عدسات آلات التصوير وما عرضته شاشات التلفزة من عمليات قتل مُنظّم وعشوائي للشعب الليبي من الجو والبحر والبر، كان لا بد من إجراء تلك المُفاضلة، بدلاً من اللجوء الى تخوين المجلس الوطني واتهامه بتسليم ليبيا على طبق من فضة للغرب، وتقديمها كقاعدة عسكرية متقدمة لحلف الأطلسي في شمال أفريقيا، تحت عنوان «محاربة الإرهاب الإسلامي» المُتمركز في مالي والنيجر والصحراء الكبرى.

بالطبع، لا يمكن غض النظر عن احتمال وجود قيادات في جسم المعارضة الليبية قد تكون تتعاون مع الاستخبارات الأميركية والغربية، ومنها من يسعى إلى تطبيق النموذج الأميركي في الاستهلاك والاقتصاد الريعي على تلك البقعة التي لم تعرف منذ أربعين عاماً سوى نظام فوضوي شخصاني، غير واضح الملامح. كذلك لا يمكن المرور مرور الكرام على الدور الفرنسي الذي تعاطى مع قضية تحرير ليبيا بشغف مُفرط، رغم أنّ الرئيس نيكولا ساركوزي، كان من أشد حلفاء القذافي، حين كان ذاك الأخير يحقق مصالح شركاته. والأمر نفسه ينطبق على إيطاليا سيلفيو برلسكوني، وبريطانيا طوني بلير، ومن أتى بعده. والأخطر من كلّ ذلك، أنّ صحيفة «ذا تايمز» البريطانية نشرت بنوداً من خطة المعارضة لما بعد القذافي، بينما يُفترض أن تكون تلك الخطة من أسرار الأمن القومي. فما بالك بإشراك الفيلسوف الصهيوني، برنار هنري ـــــ ليفي والصقر الأميركي جو بايدن، في رسم العديد من خطط للمعارضة.
بالتأكيد، حملت الثورة الكثير من الأخطاء التي تؤكد عدم وجود انسجام كاف بين أركانها المتعددة. وبقطع النظر عن تنوّع الساحة السياسية للثورة، ما بين ليبراليين وإسلاميين ويساريين وقوميين ووطنيين ومستقلين وشباب «فايسبوك»، هناك أشخاص وأطراف في قيادة المعارضة، لا بد أنّهم دخلوا لتحقيق مآرب أخرى، قد تصبح، إذا ما نجحوا في تسلّم دفة السفينة، وبالاً على الشعب الليبي.
بالتأكيد، أمام كلّ معضلة، فتّش عن أميركا، وإزاء كل مصيبة ابحث عن البيت الأبيض. فلو راقبنا الأحداث عن كثب لوجدنا أنّ الإدارة الأميركية في البداية كانت مترددة في الخوض بالشأن الليبي، لأنّها كانت مُقتنعة بأنّ «إمام المسلمين» القذافي، يلبي حاجاتها الاقتصادية ويحقق لها الكثير من الأهداف السياسية، من دون اضطرارها إلى خوض حرب جديدة، تكلّفها أثماناً باهظة في المال والأرواح، هي في غنى عن دفعها ما دامت تغرق في وحول العراق وأفغانستان، وتتخبط بأزماتها الداخلية.
لذلك، كانت تصريحات المسؤولين الأميركيين تحذّر من هوية الآتين إلى السلطة من المجهول، فهي لا تعرف مع من تتعامل وعلى أي أساس سيختار الليبيون ممثليهم. كان ذلك قبل موافقتها على القرار 1973 في مجلس الأمن الذي صدر في 17 آذار الماضي، فبدت حينها أنّها تلقت إشارات دولية، ومن داخل المعارضة، بأنّ ما يجري في ليبيا سيكون لمصلحتها، وخصوصاً أنّ شعاراتها في دعم التحوّلات الديموقراطية لا يمكن أن تصمد إن بقيت بمنأى عن التدخل في ليبيا أو أي بلد عربي آخر يعاني من الديكتاتوريات والأنظمة الوراثية. على هذا الأساس، دخلت بقوّة، وباتت في وقت لاحق تشتكي من أنّ جل الاعتماد في تنفيذ الضربات العسكرية لحلف الأطلسي على ليبيا يقع على عاتقها من دون غيرها من الحلفاء المشاركين.
ذروة التدخل الأميركي بدت يوم الهجوم على طرابلس في 20 آب الحالي، فقد سبق ذلك الهجوم لقاء بين مساعد وزيرة الخارجية الأميركية، جيفري فيلتمان، وقادة المعارضة في بنغازي. لقاء بدا كأنّه بمثابة الضوء الأخضر لحسم الأزمة الليبية، تمهيداً للتفرغ للملف السوري وغيره من القضايا العالقة. ختم ذاك الاجتماع سلسلة اتصالات ومحادثات سرية مع الحلقة القريبة من القذافي لتسوية النزاع مع معارضيه. لذلك كان انشقاق الرجل الثاني السابق في النظام، عبد السلام جلود، قبل ساعات من سقوط طرابلس، وربما كان مقتل القائد العسكري عبد الفتاح يونس، قبل أقل من شهر، تمهيداً لإعداد طاقم سياسي جديد لليبيا يتماهى مع المصالح الغربية. بيد أنّ تداعيات الأحداث التي شهدتها الهضبة الأفريقية منذ شباط، قد تحمل الكثير من المفاجآت لمصلحة الشعب الليبي، إذا ما عرف كيف يُحدّد لعبة تقاسم المصالح مع الدول الكبرى، من دون الوقوع في فخاخها. حتى لا نكون أسرى لغة التخوين، ينبغي إعطاء الشعب الليبي فرصة لإثبات مدى تمسكه بالثوابت الوطنية والقوميّة وبقيم السيادة والاستقلال؛ فالتحديات أمامه لا تزال صعبة، والأمر منوط بوعي القيادة المقبلة لطبيعة العلاقات مع الآخر، وفق سياسة نديّة تبادلية للمصالح لا تقوم على الارتهان للأقوى.

* من أسرة «الأخبار»