تعود معرفتي بـ«سعيد سيف»، عبد الرحمن النعيمي، إلى أوّل نشاط عربي شاركت فيه. ثمّ استمرّت تلك المعرفة لأكثر من ثلاثة عقود متواصلة، فالرجل كان حاضراً دائماً، في كلّ المناسبات أو المؤتمرات أو الاحتفالات التي يحرص منظموها على إضفاء لون تقدّمي عليها. وهو قد ظلّ حاضراً في كلّ تلك المناسبات حتى آخر لحظة من نشاطه في المغرب في 2007 وقد كان أبو خالد يملك صفة تمثيلية في بلده لا جدال فيها، لكونه أميناً عاماً للجبهة الشعبية لتحرير البحرين. ثمّ هو كان، رغم إهماله الدائم للمظهر والزي الخليجيين، ذا همّ واهتمام يجعلانه مواطناً خليجياً بالدرجة الأولى. فلقد كان شديد الاطلاع على أوضاع بلدان الخليج كلها. وشديد الاتصال والتفاعل مع كلّ إرهاصات وقوى وشخصيات التغيير فيها. ولا جدال في أنّ النعيمي قد أدى دوراً جدياً في تحفيز تلك الإرهاصات وفي تشجيع ورعاية قواها.

ولم يكن همّه الوطني وهاجسه الخليجي إلا جزءاً من همّ أوسع على مستوى الوطن وقضايا شعوبه القومية والقطرية. وقد وجّهت سياساته وعلاقاته ونشاطاته في ذلك رؤية تحرّرية شاملة، تجذّرت أكثر في انتمائه الفكري إلى حركة اليسار وإلى الماركسية. لكنّ أبا خالد لم يتخلّ يوماً، في كلّ ثوابته وتحوّلاته، عن أمرين: الفكر النقدي من جهة، وهاجس التفتيش عن المشتركات وإقامة التحالفات والجبهات وصيغ التعاون الممكنة، من جهة أخرى.
وهكذا، حين التقيته أثناء فترة عملي مسؤولاً لمكتب الحزب الشيوعي في دمشق في أعوام 1988 حتى 1990، كان أوّل ما لفتني علاقاته الصافية الرفاقية والودية، مع نظرائه ومواطنيه وشركائه في النفي والاضطهاد، قادة جبهة التحرير الوطني البحرينية، المنظمة الشيوعية «الرسمية» في البحرين، التي كانت تحظى بتأييد شعبي كبير، مكّنها مع حلفائها من أن تحصد أكثرية الأصوات في أوائل انتخابات السبعينيات، التي عادت السلطة فانقلبت على نتائجها وعلى الدستور بوسائل القمع والتشريد والاضطهاد...
لا شكّ أنّ متابعاته المستمرة لكلّ النشاطات والمؤتمرات السياسية والشعبية ذات البعد القومي والتحرّري الفعلي أو الشكلي، قد أكسبته خبرة ثمينة في معرفة الوقائع والأحداث والحقائق المتصلة بهذا النوع. لكنّ الفضل الأكثر في ما امتلكه من رصيد كبير إنّما يعود إلى مثابرته على الاطلاع والمعرفة والتقصّي والبحث، ما جعله يلتفت باهتمام عميق إلى عالم الكتابة والطباعة وإصدار المنشورات وبناء المؤسسات الثقافية الفكرية، رغم تواضع الإمكانات، وطول فترة المطاردة والتشريد القسري عن بلده وعائلته. وكان من الطبيعي أن يخوض النعيمي كلّ أنواع المعارك: من تجربة الكفاح المسلّح في ظفار، إلى التجارب السياسية والانتخابية في مرحلة ما بعد العودة إلى الوطن. وكعادته كان مبادراً وحاضراً من أجل الاستفادة من بعض خطوات الانفتاح التي أقدم عليها النظام، ومن أجل الحفاظ على تلك الخطوات وتطويرها لتصبح جزءاً من نهج يوفّر الحدّ الأدنى من الديموقراطية في البلاد. وهو، لهذا الغرض، وضع اللبنات الأولى لتحالف واسع يضمّ كلّ أطياف المعارضة المدنية والدينية. وقد حرص على أن يكون ذاك التحالف تعبيراً عن قدرة المعارضة على تجاوز تبايناتها لمصلحة مشتركاتها. والمشتركات هي السعي إلى إقامة ملكية دستورية في نظام تعدّدي لا يميّز بين المواطنين على أساس المذهب أو الطائفة أو المعتقد، ويوفّر للبلاد الاستقرار والازدهار والاستقلال...
ولا تغيب عن ذاكرتي تلك اللحظة يوم اتصل بي الفقيد الكبير من بيروت متسائلاً بودّه المعتاد، ما إذا كان يستطيع تناول فنجان قهوة في مكتبي. رحّبت كالعادة، وما هي إلا دقائق معدودة حتى دخل عليّ برفقة شيخ شاب معمّم، علمت، سريعاً، أنّه الشيخ علي سلمان الأمين العام لجمعية «الوفاق» البحرينية. أدركت فوراً جدية العلاقة التي تربط بين الرجلين، وبين جمعية «وعد» و«الوفاق». أدركت أيضاً حجم الجهود التي بذلها النعيمي شخصياً في هذا الصدد. أما المفاجأة الأكبر فكانت حين أسرّ الشيخ علي للنعيمي ببضع كلمات أدركت بعدها أنّه قد حان وقت الصلاة. أربكني الأمر قليلاً. الشيخ علي سهّل الأمر بالقول: ألا توجد غرفة جانبية هنا؟ قلت: بلى. وهكذا كان!
هموم الوطن لم تُنسِ عبد الرحمن هموم الأمة. وهو كان حاضراً في كلّ المؤسسات ذات الطابع القومي. كذلك شاركنا معاً في محاولة بناء «حركة تحرّرية عربية جديدة». وقد كان النعيمي يعتقد، وكنا معه في ذلك، أنّ طبيعة المهمات المطروحة على المستوى العربي تطرح ضرورة إيجاد صيغ متنوّعة للمتابعة وتستدعي بناء أطر متعدّدة للمبادرة والحركة والصلة...
إنّ المرونة التي كانت تسم سلوكه ومواقفه في سعيه لإقامة علاقات التحالف والتعاون، كانت تختفي كلياً حين يتعلق الأمر بالأساسيات والمبدئيات. هو لذلك، ورغم أنّ دمشق كانت منفاه الإجباري، لم يتردّد في انتقاد مشاركة نظامها في «التحالف الدولي» العسكري الذي تولّى، بقيادة أميركية، إخراج القوات العراقية من الكويت. وهو قبل ذلك كان قد أدان بحزم احتلال القوات العراقية للكويت. ويكون قد أسّس بذلك لموقف ردّدناه من بعده: لا للاحتلال ولا للديكتاتورية. وبسبب موقفه ذاك، اعتقل لأسابيع عدّة في العاصمة السورية، في خطوة مستغربة، وإن لم تكن غريبة على سياسات النظام السوري في تعامله مع القضايا والمتحوّلات والضيوف المنفيين الكثر الذين استقبلهم في دمشق.
لم يستدرك الراحل الكبير ما بذله من عظيم الجهد وما كابده من مرارة المعاناة، في شيء من الراحة والمداراة. فلقد ثابر على النمط نفسه من كثافة العمل والتنقل والمتابعة. وكانت محطة نشاطه الأخيرة في المغرب. وقعت الفاجعة حين أُصيب بجلطة دماغية أدخلته طيلة أربع سنوات، وحتى وفاته قبل أيام، في غيبوبة كاملة.
لا تقتصر الفاجعة، في ما وقع له، على ما أصابه. إنّها فاجعة أن يغيب ذلك المناضل المثابر العنيد عن معركة شعبه الأخيرة من أجل إرساء ديموقراطية حقيقية في البحرين، تطالب بها أكثرية الشعب البحريني ممّن ساهم الراحل الكبير في بلورة برنامجها وشعاراتها وتعاون أطرافها. في تلك المعركة كان «أبو خالد» حاضراً من خلال أكثرية شعبه ومن خلال رفاقه وأصدقائه. لقد ووجهت الحركة السلمية البحرينية المعتدلة والناضجة والمتنوّعة بتهمة الالتحاق بالخارج وبتهمة التطييف. وهما تهمتان تنطبقان على النظام قبل سواه: في واقعه المذهبي من جهة، وفي استنجاده بقوات مجلس التعاون الخليجي من جهة ثانية. أما حركة المعارضة البحرينية فقد أثبتت أنّها أمّ البحرين وأنّها ستنتصر رغم عسكر السعودية وقواعد واشنطن والحلف الأطلسي.
في سجون النظام، يقبع الآن خليفة النعيمي، المناضل إبراهيم شريف. وهو قائد شاب دفعه الراحل الكبير إلى موقع الأمانة العامة لكي لا تتكرّر أخطاء «الثوريين» في الاحتفاظ بالمنصب حتى الموت (!). وإبراهيم شاهد حيّ مع غيره على مدى استعداد شعب البحرين للتضحية ومدى استحقاقه للديموقراطية، ولو تأجّل هذا الأمر قسرياً بالقمع الداخلي وبالاحتلال الخارجي.
يكثّف عبد الرحمن النعيمي (سعيد سيف في المنفى) في سيرته ومسيرته الكثير من قيم النضال النبيل. إنّه يجسّد أيضاً الحاجة إلى التطوّر والتجديد والانفتاح. ولذلك فإنّ عبد الرحمن قد غاب شكلاً ليحضر فعلياً في كلّ ساحات الحرية وميادينها في هذه المرحلة التاريخية من كفاح شعوب العرب طلباً للكرامة وللحياة.

* كاتب وسياسي لبناني