تعرف العلاقاتُ الجزائرية الليبية توتّراً كبيراً بسبب رفض الجزائر الاعترافَ بالمجلس الوطني الانتقالي «ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الليبي»، واستقبالِها أبناءَ معمر القذافي، هنيبعل ومحمد وعائشة، في 29 آب/ أغسطس 2011، مبرّرة ذلك بـ«دواع إنسانية بحتة».

وكان من تجليات تلك الأزمة اتهامُ بعض أعضاء المجلس الجزائرَ مجدّداً بأنّها ساندت القذافي بالمال والسلاح، وأنّ مرتزقةً جزائريين شاركوا في المعارك في صفوف قواته. وهي اتهاماتٌ إن امتنع حلف شمالي الأطلسي (الناتو) عن كيلِها للنظام الجزائري، فلأنّه يعوّل عليه لتحجيم التهديدات المسلحة في جنوب الصحراء، وخصوصاً بعد انهيار الجيش الليبي ونهب ترسانة أسلحته، بما فيها الثقيلة منها (بما فيها الثقيلة منها، كما أكّد ذلك في 6 أيلول/ سبتمبر، المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب جيل دي كيرفوش).
ويطرح الجدلُ الجاري بين السلطات الجزائرية والمجلس الانتقالي الليبي العديدَ من الأسئلة عن حقيقة «الصداقة الليبية ـــ الجزائرية» في زمن القذافي، ومدى تناسق تصورات قادة ليبيا الجدد لمستقبل العلاقات بين البلدين وسياسة الكيل بمكيالين التي يمارسونها في تعاملهم مع رموز «النظام القديم»، مثَلهم في ذلك مثَل حليفهم الناتو.
صحيحٌ، كما قال المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا ليومية الفرنسية «لو فيغارو» (30 آب/ أغسطس 2011) إنّ القذافي وبوتفليقة ينتميان «إلى الجيل السياسي نفسه»، أي أنّ كليهما تربّى في حضن عقيدة جيوسياسية ترفض الوجودَ العسكري الأجنبي المباشر في شمال أفريقيا، وأنّ الجزائر، من هذا المنطلق، ترى الدعم الفرنسي للمجلس الانتقالي دليلاً على سقوط اتفاق ضمني مع فرنسا مُؤدّاه امتناعها عن كل تحرك مسلح على حدودها.
كل ذلك صحيحٌ، لكنّ المشاكل السياسية بين الجزائر وليبيا القذافي (عكس ما توحي به بعض التحاليل التي تصورهما «قوتين حليفتين») لم تكن قليلة، ما يضفي بعض الصدقية على تأويل موقف النظام الجزائري من الوضع الليبي كتعبير عن خوفه من تحوّل ذاك البلد إلى محمية للناتو وقاعدة لتحركاته، في شمال أفريقيا وساحل الصحراء.
ومن المشاكل التي كانت عالقة بين النظام الجزائري وليبيا القذافي رفضها المصادقة على رسم الحدود بين البلدين (عكس بلدان الجوار الأخرى) وما يمثله مشروع «النهر الصناعي العظيم» من تهديد لموارد المياه الجوفية الجزائرية، ووقوفُ القوّة المالية للدبلوماسية القذّافية عائقاً أمام استرجاع «سياسة الجزائر الأفريقية» بعض بريقها الغابر، وتدخّلُ الاستخبارات الليبية في النزاعات بين المتمردين الطوارق والحكومتين النيجيرية والمالية، بما لا يتلاءم وسعي الخارجية الجزائرية للقيام بدور الوسيط فيه بغرض تأمين حدودها والحفاظ على دورها السياسي المتضائل في المنطقة. ذلك دون أن ننسى وضعَ المساجين الجزائريين الكارثي في السجون الليبية (وهو ما كان حديث الصحف الجزائرية دون انقطاع طيلة شهور سبقت اندلاع الصراع المسلح في ليبيا).
كلّ تلك المشاكل كانت عالقةً بين الحكومة الجزائرية وليبيا القذافي، عندما سطا الناتو على الثورة الليبية الوليدة واختزلَها في شكل واحد من أشكالها هو التمرد العسكري. من ذاك المنظور، ليس مستبعداً أنّ النظامَ الجزائري، لولا ذاك السطو وشريطة أن يكون «التغيير» في ليبيا إعادة إنتاج للسلطة القائمة لا نتاج حركة شعبية راديكالية، لكان يفضل انتهاءَ حكم العقيد الأخرق لما يعنيه من تراجع لدبلوماسية البترو ـــ دولارات، وتوضيح للوضع على حدود البلاد الجنوبية (تسليح وتمويل حركات التمرد في النيجر ومالي).
مسألةٌ ثانية يثيرها التوترُ الجزائري الليبي الراهن هي تذبذبُ مواقف القيادة السياسية الجديدة في ليبيا من مستقبل العلاقات مع الجزائر. فوصف محمود شامان، عضو المجلس الانتقالي، استقبالَ عائلة القذافي على التراب الجزائري بالـ«العمل العدواني» لا يتوافق وإجراءَ مصطفى عبد الجليل (رئيس الهيئة ذاتها) ومحمود جبريل (مسؤول خارجيتها) محادثات مع وزير الخارجية الجزائري، مراد مدلسي. محادثات كانت انطلاقاً لمسار التطبيع بين البلدين، ودليلاً على أنّ بعض القادة الليبيين لا يرون طائلاً من قطع الأواصر مع دولة تقاسم بلدهم حدوداً بطول ألف كيلومتر، وتحديات سياسيةً كثيرةً، أهمها «تسيير» حركات التمرد في مالي والنيجر ومكافحة القاعدة.
وهنا لا بد من ملاحظة أنّ النظامَ الجزائري، رغم ثقته الظاهرية بنفسه، خائفٌ من تعمّق عزلته الإقليمية إذا ما ناصب النظام الليبي الجديد العداءَ، فلا مقارنة بين موقفه من المجلس الانتقالي وموقف كوبا مثلاً منه. نظام كاسترو اعتبر تلك الهيئة صنيعةَ الناتو وسحب ممثليه من طرابلس، فيما لم تستبعد السلطات الجزائرية الاعترافَ بها «إذا اتضح أنّها تمثل كل المناطق الليبية» ولم تمتنع عن حضور «قمة أصدقاء ليبيا» التي نظمها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في باريس أول أيلول/ سبتمبر الماضي.
المسألة الثالثة التي يثيرها الجدلُ حول استقبال الجزائر عائشة القذافي وأخويها هنيبعل ومحمد هي كيلُ المجلس الانتقالي الليبي بمكيالين في تعامله مع رموز الحكم القذافي. لماذا لا يطالب مصر بتسليم أحمد قذاف الدم، أحد أقرب المقربين من «ملك ملوك أفريقيا» المخلوع؟ لأنّه بانشقاقه عنه سرّع وتيرة تفكيك نظامه، ما وجبت مجازاته عليه بالتغافل عن جرائمه في حق الليبيين (فضلاً عن أنّ الحكم العسكري المصري صديقٌ للناتو، لا يجب إحراجُه). السؤال نفسه يطرح عن صمت الناتو والإعلام الأوروبي والأميركي «الموضوعي» عن إقامة أحد أقطاب «النظام الجماهيري» المنشقين، عبد السلام جلود، في إيطاليا، واستقبال رئيس الاستخبارات الخارجية القذافية السابق، موسى كوسة، في بريطانيا إثر هروبه من طرابلس في 28 آذار/ مارس 2011.
لا شك في أنّ محاكمة الشعب الليبي لأبناء «قائد الثورة» الذين بدّدوا أموالَه وعاملوه معاملة العبيد، جزءٌ من عملية التغيير، وأنّ حكومة بوتفليقة بإيوائها لهم أبدت ازدراءها لليبيين، لكن تصفية الحسابات مع الماضي الدكتاتوري تتطلب أيضاً محاكمةَ قدامى رفاق «القائد» ممن يمرحون في القاهرة وروما ولندن (وطرابلس وبنغازي) تحت حماية الناتو، صديق ليبيا الجديد.

* صحافي جزائري