تمخّض الجبلُ فولد فأراً، وتمخض «الحوارُ الوطني» الجزائري، فولد إصلاحاتٍ سياسيةً سطحيةً، تهب النظامَ حياة جديدة، وتسمح له بالاستمرار في حلل أكثر بريقاً من حلله الرّثة. ولم يكن ذلك المخاضُ التعيس صعبَ التوقع، فكثيرٌ من أحزاب المعارضة قاطعت المشاوراتِ التي قادها رئيسُ مجلس الأمة (الشيوخ)، عبد القادر بن صالح، ورأينا خلالها «شخصيات وطنية» (كاللواء خالد نزار) تبدي رأيَها في «التغيير»، رغم مسؤوليتها عن مآسي الجزائر المتتالية، من نظام الحزب الواحد الذي همّش طاقاتِها قرابةَ 30 سنة بعد الاستقلال، إلى الإصلاحاتِ الليبرالية التي كادت تقضي على اقتصادها، مروراً بعشرية التسعينيات الدامية.

وتبدو «إصلاحاتُ» بوتفليقة التي صدّق عليها مجلس الوزراء في 12 أيلول/ سبتمبر ترقيعاً فاضحاً لبيت النظام المتهالك. لننظر إلى مشروع القوانين الانتخابية الذي يقدم على أنّه قفزةٌ أسطورية في سماء الديموقراطية. صحيح أنّ بعض أحكامه «من شأنها أن تضفي المزيد من النزاهة على العملية الانتخابية»، كما تقول وكالة الأنباء الجزائرية (صناديق شفافة للتصويت، استبدال التوقيع ببصمة الإصبع، تعزيز حضور ممثلي المرشحين في مكاتب الاقتراع، الخ) وأنّه يمنع أعضاءَ البرلمان من الجمع بين صفة النائب وأيّةِ عهدة كانت (مجالس منتخبة أخرى، المجلس الدستوري، الخ) أو وظيفةٍ عمومية أو أنشطةٍ مهنية. كلّ هذا صحيح، لكنّ التعديل لم يطُل أشياءَ مهمة كثيرة أهمُّها نمطُ الاقتراع الذي يشجّع التصويتَ على الأشخاص بدل البرامج في الانتخابات النيابية (عكس نظام النسبية المطلقة الذي يتيح لكل حزب إعداد قائمة وطنية بمجموع مرشحيه)، وحرمانُ القوائم التي لم تحصل على نسبة أصوات معيّنة (7 بالمئة في الانتخابات المحلية و5 بالمئة في البرلمانية) من الفوز بمقاعدَ وربطُ حقّ الترشيح بالحصول على نسبة أصوات محددة في انتخابات سابقة (قوائم الأحزاب) أو بجمعِ نسبة من توقيعات الناخبين (القوائم المستقلة).
سمة القصور نفسها تميّز مشروعَ قانون الإعلام الجديد، ونذكر من التعديلات التي أقرّها إلغاءَ العقوبات الحارمة من الحريّة التي كانت تعاقَب بها بعضُ الجنح الصحافية، وفتحَ المجال السمعي البصري للاستثمار الخاص، وإحداثَ سلطة ضبط لوسائل الإعلام السمعية البصرية، وأخرى للصحافة المكتوبة، ستحوَّل إليها مهمة ترخيص الصحف والمجلات (التي هي حالياً من اختصاص العدالة «رسمياً»، ومن اختصاص الأجهزة الأمنية «واقعياً»). يُطرح السؤال: لماذا يشارك رئيسُ الجمهورية البرلمانَ حقَّ تعيين نصف أعضاء سلطة ضبط الصحافة المكتوبة (النصف الثاني يعين «بناءً على اختيار الإعلاميين»، ما لا يعني بالضرورة أنّه سينتخب)؟ ماذا عن تكوين هيئة ضبط القطاع السمعي البصري وكيف سيعين أعضاؤُها؟ لماذا تُركت الإجابة عن هذين السؤالين لقانون «سيأتي لاحقاً»، سيفاجئ الصحافيين بما لا يحبون؟ ما شروطُ الترخيص للقنوات الإذاعية والتلفزيونية والصحف؟ هل ستتحكم فيه إلى الأبد «المصالح العليا للوطن» و«ثوابت الأمة»، وغيرُها من الاختراعات الهادفة إلى احتكار المجالين السياسي والإعلامي؟
مسّت نفحةٌ من ريح التغيير المجالين الانتخابي والإعلامي، لكنّها لم تمسّ المجال الحزبي. مشروعُ قانون الأحزاب الجديد لا يغيرّ شيئاً في واقع تحكّم الإدارةِ في تسيير الحياة الحزبية منذ صدور قانون 5 تموز/ يوليو 1989، فكلُّ ما جاء به هو فرضُ اعتبار وجود الأحزاب حقيقةً واقعةً إذا لم تعترض عليه وزارة الداخلية كتابياً خلال أجل معين. يقدم الخطابُ الحكومي حقَّ الطعن في قرار رفض اعتماد الأحزاب كطفرةٍ ديموقراطية باهرة، والحقيقةُ أنّه مضمون في القانون الساري المفعول منذ 1997. أضف إلى ذلك، ألّا شيء يؤكد لنا حياد القضاء وهو ينظر طعونَ التشكيلات غير المرخص لها، وخصوصاً أنّ إصلاحَ العدالة لا يدخل، على ما يبدو، في حيّز الاهتمامات البوتفليقية.
بالنظر إلى تلك النقائص وغيرُها كثير، يُخشى أن يكون تعديلُ قانون الأحزاب بالصورة التي تريدها الحكومة مأتم آخر أمل في تأطير العمل الحزبي بقانون محرّر من قيود الإدارة وأغلال «احترام الثوابت» و«القيم الوطنية»، وغيرها من التعابير الغائمة التي هي سيف معلق فوق رأس المعارضة.
منطقُ «إصلاحات» بوتفليقة الجديدة هو إذاً منطق «إصلاحاتِه» السابقة ذاته (من يذكر لجانَ إصلاح «العدالة» و«التعليم»، إلخ، التي دشّن بها عهدَه؟)، هو منطقُ الترقيعِ تحت ضغط الأحداث (الداخلية والإقليمية) وتهيئةِ الميدان للانقضاض «قانوناً» على الحريات المتاحة النادرة، ما إن تتغيّر موازينُ القوى مع الشارع. يمكن تلخيصُها من دون مبالغة في ما يأتي: قوانين انتخابية لا ترفع القيودَ عن حرية الترشيح ولا يستفيد من ضماناتها سوى من نجح في تجاوز الموانع المقامة على طريق إنشاء الأحزاب، وقانونُ أحزاب لا يضمن للتشكيلات غير المعتمدة سوى حقِّ شكوى وزارة الداخلية إلى قضاء لا استقلالية له، وقانون إعلام يعطي السلطة التنفيذية حق التدخل في تكوين سلطات ضبط الحقل الإعلامي.
تلك «الإصلاحات»، على رأي البروباغندا الرسمية، دليلٌ قاطع على إنصات الحكومة إلى صوت الشارع، لكن سوءَ حظها شاء أن يتزامن إعلانُ تصديق مجلس الوزراء عليها بإعلان الحكم على رمزين من رموز التحركات الاجتماعية، عضوي لجنة الدفاع عن حقوق العاطلين، عادل علجية وحمزة زيوان، بالسجن النافذ ثلاث سنوات بتهمة «التخريب».

* صحافي جزائري