بعد شهر واحد من وصولي إلى الولايات المتحدة في ٢٠٠١ لبدء دراسة الدكتوراه، أعلن الرئيس السابق جورج بوش الابن الحرب ضد الإرهاب، إثر سقوط برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. بدأت حرب لا نهاية لها، غيّرت جذرياً جغرافية الشرق الأوسط السياسية والحياتية، وقلبت الكثير من المعايير السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة. بعد احتلال العراق ٢٠٠٣، بدأت في إعداد أطروحتي عن موجات هجرة الأطباء العراقيين، وتفكيك النظام الصحي الرعوي في العراق خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالي.

لم أكن غريباً عن الموضوع. فقد كنت طبيباً درس وعمل في العراق إبان الحصار الاقتصادي، وواكب التقويض الصحي والمجتمعي في البلاد، من تدهور حياتي يومي للفرد والعائلة، ونقص في المستلزمات الطبية والأدوية، وهجرة الكوادر، ونخر للمؤسسة الطبية والخدمية. كانت تجربتي كطبيب كافية كي أدرك أنّ الحصار لم يكن حرباً ضد النظام السياسي فحسب، بل هو إعلان للحرب على المجتمع وعلى قدرته على الحياة.
بعد ٢٠٠٣، عايشت الحرب وأشكالها الجديدة في عالمين متناقضين. عايشتها مع اقتلاع أفراد عائلتي من بغداد، فقتل منهم من قتل، وهُجّر من هُجّر، كما عايشتها بتجربتي في الولايات المتحدة حيث مأسسة العنصرية الإدارية والاعتقالات وعمليات التعذيب والسجون الخاصة ضد الأصول العربية والشرق أوسطية أصبحت واجهة من العنف الحياتي وانتهاك الحريات الفردية وحقوق الإنسان في الداخل والخارج. ها نحن اليوم، بعد أكثر من ثماني سنوات على احتلال العراق وسقوط النظام، وعقد قد مضى على أحداث ١١ أيلول في نيويورك، نقف عند مفصل تاريخي يتطلّب منّا إعادة التفكير والتحليل في تركة تلك الحرب (أو الحروب) التي ما انفكت تطحننا كالمجرشة التي لعنها الشاعر العراقي الشعبي الملا عبود الكرخي في بدايات القرن الماضي. تلك الحرب التي تجلّت آثارها وأبعادها المرئية وغير المرئية في المشهد الأميركي وأزماته الاقتصادية أو السياسية المتوالية من عجز في الميزانية أو حراك اجتماعي يميني، أشبه بالحرب الأهلية، يهدف إلى تفكيك دور الدولة (شبه) الرعوي.
كأحد المشاركين في مجموعة تقارير «أكباد الحرب» (www.costsofwar.org) تناولت بعضاً من آثار ٢٠ عاماً من الحرب على النظام الصحي في العراق، والهجرة القسرية الداخلية والخارجية، والتغيّرات الديموغرافية والطائفية في تركيبة المدن العراقية. من خلال عرضي لتلك المتغيّرات، حاولت أن أوضح أنّ تكاليف تلك الحرب لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل تتمحور في الآثار البنيوية على المجتمع العراقي التي خلّفها الحصار الاقتصادي والاحتلال الأميركي، ممتطية أكثر 30 عاماً من حكم دكتاتوري قمعي.
لقد أدت ثماني سنوات ما بعد الاحتلال إلى تدهور عام في جميع قطاعات الحياة العامة والمؤشرات الصحية والاجتماعية. كذلك فإنّ تفشّي العنف السياسي وعمليات التصفية الجماعية والفردية، وانتشار العمليات الانتحارية، وزيادة عمليات الخطف، قابلها أيضاً عنف يومي تجسّد في تحوّل الأخير إلى أحد الأسباب الأولية لوفاة الذكور بين ١٩ و٥٩ سنة. ذلك إضافة إلى الزيادة الملحوظة في العنف الأسري، وتدهور وضع المرأة في المجتمع العراقي، من خلال زيادة في أعداد النساء الأميّات والعاطلات من العمل والمعيلات لأَسر تحت خط العوز والفقر.
إنّ ارتفاع نسبة وفيات الأطفال في العراق ما بين ١٩٩٠ و٢٠٠٥ بأكثر من ١٥٠ مرة تمثل أسوأ تدهور للمؤشر الصحي في أي بلد في العالم. ولا ننسى في هذا المجال تحوّل مؤسسات وزارة الصحة العراقية بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٦ إلى «مراكز للقتل» والخطف والتصفيات الطائفية، ولم يحاسب المسؤولون عنها، حتى يومنا هذا.
بالتالي، أدّى انتشار الفساد وهدر الأموال من قبل الإدارة المدنية الأميركية في العراق، خلال سنيّ الاحتلال والفساد العارم في المؤسسات الحكومية العراقية، إلى وضع العراق في قمة قائمة الفساد عالمياً بعد دولتي ميانمار وأفغانستان. وتحوّلت ثقافة الفساد إلى مركب سام، ينخر ويعيش بطفيلية على مؤسسات الدولة ومشاريعها، الوهمية منها والفعلية.
إنّ ذاك النوع من العنف البنيوي هو أشد شراسة وديمومة وخطراً على النسيج الاجتماعي واليومي، وتحوّلاته المستقبلية. وإضافة إلى تلك الآثار المباشرة وغير المباشرة، فتهجير قرابة ٨ ملايين شخص من العراق وأفغانستان وباكستان، يحوي في طياته تركة المعاناة الاجتماعية والبعد الثقافي والجغرافي المرتبط بذلك الحراك البشري الهائل.
إنّ أكباد تلك الحرب هي تركة يصعب تخيّل أركانها الكاملة وبُعدها المستقبلي. كما أوضح التقرير، هي تركة ستتراكم في العقود المقبلة، ولن تصل إلى ذروتها حتى منتصف القرن الحالي. ومع استمرار الحرب ضد الإرهاب، فإنّ التكاليف الإضافية التي سينفقها البنتاغون من الميزانية الأميركية لن تقل عن ٤٥٠ مليار دولار، مع حلول ٢٠٢٠. وبينما يتخبّط المجتمع الأميركي في أزماته السياسية والاقتصادية، أصبح واضحاً أنّ تركة الحرب في الولايات المتحدة ستتجسد ببعديها البشري والاقتصادي، في أعداد الإصابات والإعاقات الجسدية والنفسية عند المحاربين العائدين من جبهات القتال.
ما يجرى في العراق هو حرب ضد المجتمع، وإن غاب الاقتتال بمعناه التقليدي. هو حرب لاحتكار سيادة العنف السياسي والعنف اليومي، في بلاد أصبح العنف فيها غاية السلطة ووسيلتها. لقد تحوّل عنف الحزب الواحد إلى رعب دائم وحالة حياتية مزرية، تعيد إنتاجها الأحزاب السياسية (الحاكمة وغير الحاكمة ) ودول الاحتلال والجوار، من خلال المماراسات الأمنية والسياسية، والإهمال المتعمّد لأساسيات الحياة، من ماء وكهرباء وخدمات. ما يحصل في العراق منذ ٢٠٠٣، ليس فقط تفكيكاً للدولة ومؤسساتها، بل هو تفكيك عضوي للعلاقات الاجتماعية، وتهشيم لعلاقة المواطن بالدولة، وتغيير جذري في كينونة المجتمع العراقي. ما يجري في العراق هو حرب ضد الحياة بمعناها العضوي والاجتماعي.
عشر سنوات مضت على أحداث أيلول. وبينما نستذكر العقد الدامي، نقف عند الأطلال التي نحن من صلبها، لنعي ولو لزمن بسيط واقع الصدمة وعوارضها. فها هي الحرب ضد الإرهاب قد أصبحت قوانين تسنّ وتبريراً ليس لسلطة الغرب فحسب، بل لعنف الأنظمة العربية في قمع شعوبها الثائرة أيضاً. وبينما نثور شباباً على تاريخ وواقع القمع والاضطهاد في عالمنا العربي، نرى آثار السنين العشر المنصرمة جزءاً لا يتجزأ من تجربة قاسية وتركة ثقيلة يدفع ثمنها باهظاً بحياة الشعوب وكرامتها.

* طبيب وأنثروبولوجي عراقي، أستاذ في كلية الصحة العامة في الجامعة الأميركية في بيروت