بلا شك، وضع الربيع العربي أسساً جديدة لمستقبل مختلف، فلا عودة إلى ما كانت عليه عقلية الحكم التي مارستها معظم الأنظمة، لكن يبقى السؤال: هل ستنتج تلك الثورات أنظمة ديموقراطية حقيقية، تلبي طموحات الشباب العربي وتؤسس لبلدان وأنظمة متطوّرة؟

لا يخفى على أحد أنّ هناك ظاهرة مخيفة ظهرت في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ احتلال العراق، وتطوّرت تطوراً ملحوظاً بعد بدء الثورات في البلدان العربية، هي ظاهرة العودة إلى العصبيات الطائفية والمذهبية، فما يشهده العراق اليوم هو حرب طائفية حقيقية. كذلك تستعر نار الطائفية في مصر، إلى حدّ دعا بعض مجموعات المجتمع المدني إلى التحذير من أنّ الوضع في مصر وصل إلى مرحلة المواجهات الطائفية، ويستلزم ذلك جهداً مخلصاً لنزع الفتيل قبل فوات الأوان. أما في سوريا، فمما لا شك فيه أنّ جذور الأزمة تعود إلى انقسامات طائفية تاريخية. وفي لبنان، شهدت السنوات الأخيرة خطاباً طائفياً خطيراً، رغم شعارات الوحدة الوطنية والعيش المشترك، فبات كل مواطن لبناني مشدوداً إلى طائفته على نحو غير مسبوق، حتى بات التلطي وراء الطائفة سلوكاً ينتهجه كل فرد، ويمنحه حصانة مميزة في وجه المحاسبة والعقاب.
الخطير في المشهد اليوم هو تقاطع الأوضاع في الدول العربية مع ما كان يرسم من استراتيجيات وخطط للمنطقة، منذ انتهاء الحرب العالمية، وصولاً الى ما سمّي الشرق الأوسط الجديد. ولا ننسى حين وصفت كوندوليزا رايس حرب تموز 2006 بمخاض الشرق الأوسط الجديد.
لا يحبّذ الكثيرون نظريات المؤامرة، إلا أنّ الإمعان في المشهد الحالي يستحضر الكثير من الاستراتيجيات التي رسمتها دول فاعلة ومراكز قوّة، لضمان مصالحها هنا. المفكر الإسرائيلي أوديد ينون، مثلاً، كان قد وضع في 1982 استراتيجية تحت عنوان «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات والتسعينيات» تحوّلت إلى مرتكز تقوم عليه سياسة إسرائيل في المنطقة، وتهدف إلى تقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات طائفية ضعيفة.
يقول ينون في معرض تصويره للمنطقة العربية: «هذا العالم العربي الإسلامي، بمجموعاته الطائفية وانقساماته وأزماته الداخلية التي تعدّ عامل تدمير ذاتي مدهش كما نرى في لبنان، هو غير قادر على التعامل بفعالية مع مشاكله الأساسية، وبالتالي لا يمثّل خطراً على دولة إسرائيل على المدى البعيد، هذا العالم سيكون عاجزاً عن الاستمرار بصيغته الراهنة إذا لم يجرِ تغييرات جذرية تواكب المرحلة المقبلة. إنّ العالم الإسلامي العربي مصنوع كبيت من ورق مؤقت، صممته الدول الغربية بصيغته الراهنة، وقسّم قسراً إلى 19 دولة مؤلفة من جماعات مذهبية وطائفية تحمل العدائية بعضها لبعض، وبالتالي فإنّ كل دولة عربية تواجه فتيل تفكك طائفي إثني اجتماعي». ويتابع: «في مصر، هناك أكثرية سنية حاكمة تواجه أقلية مسيحية، حتى إنّ السادات عبّر في إحدى خطبه عن قلقه من أن تطالب الأقليات المسيحية بدولة مستقلة، شيء يشبه لبنان المسيحي في مصر. سوريا لا تختلف عن لبنان إلا بنظامها العسكري القوي، إلا أنّ الأزمة بين الطائفة العلوية الأقلية الحاكمة والأكثرية السنية تعبّر عن فداحة الأزمة الداخلية. والعراق لا يختلف عن جيرانه بأكثريته الشيعية والأقلية السنية الحاكمة والأقلية الكردية في الشمال. أما دول الخليج، والمملكة العربية السعودية ضمنها، فهي مبنية كبيت ضعيف من الرمال، في الكويت يمثّل الكويتيون ربع السكان، في البحرين الأكثرية شيعية لكنّها محرومة من الحكم».
ويحدد ينون أهداف الاستراتيجية كالآتي: العمل على تقسيم مصر إلى مناطق محددة جغرافياً، وتقسيم سوريا والعراق إلى مناطق طائفية ومذهبية مثل لبنان، وذلك من الأهداف الرئيسية لإسرائيل على الجبهة الشرقية.
يحلّل الكاتب آلان شوييه، مدير الاستخبارات الفرنسي السابق، في كتابه «في قلب الاستخبارات الخاصة: التهديد الإسلامي ـــــ أرضية خاطئة وأخطار حقيقية»، واقع الثورات العربية، ويقول إنّ المشكلة هي في «انتقال الدول إلى الديموقراطية بعدما فرضنا عليها أنظمة ديكتاتورية لأكثر من خمسين عاماً»، فالديموقراطية هي عملية ذاتية، تتكوّن داخل مجتمع ولا تفرض من الخارج أو عبر السلاح. ويذكّر بمخطط الشرق الأوسط الجديد انطلاقاً من كيسنجر الذي رسم تصوراً للمنطقة، والمفكر أوديد ينون الذي رأى أنّ المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل ولأميركا في المنطقة هي بتفكيكها إلى دويلات ومجموعات طائفية. ويبرر ذلك وجود إسرائيل في الدرجة الأولى كدولة إثنية، ويجعلها محاطة بدويلات ضعيفة لا تمثّل تهديداً على المدى البعيد.
إنّ تصوير المنطقة على أسس طائفية، يتجلى في نمط التفكير المعتمد، الذي تروج له إسرائيل يومياً. وفي دراسة للكاتب افريم هايفي نشرها «مركز أورشليم للشؤون الاجتماعية»، جاء أنّ هناك مشكلة هوية حقيقية في البلدان العربية، حيث يغلب الانتماء الطائفي أو القبلي الانتماء إلى الوطن أو الجماعة ككل. وبالتالي، يمثّل ذلك أزمة لتلك البلدان على المدى البعيد. وفي معرض تحليلها للصراع الإسرائيلي مع إيران، رأت الدراسة أنّ الاستراتيجية الأفضل للتغلب على الجمهورية الإسلامية ليست الوسائل العسكرية، بل خلق مجموعة من البلدان الفاعلة في المنطقة ترى في إيران الشيعية تهديداً مباشراً لها.
وتروّج دراسة نشرها «الموقع الإسرائيلي للعلوم والتكنولوجيا» أنّ البلدان العربية الإسلامية تضطهد المسيحيين، وتركّز على النزوح المسيحي، مشبّهة إياه بالنزوح الذي يتعرض وتعرض له اليهود. وتقول الدراسة: «لا يقتصر التعصب الإسلامي العربي ضد غير المسلمين على اليهود فقط. فطوال قرون، قام العرب باضطهاد منهجي للمسيحيين واليهود على حد سواء. تضاءلت الطوائف المسيحية في البلدان العربية إلى أعداد ضئيلة مع الهجرة الجماعية للمسيحيين من المنطقة».
إنّ إسقاط الطابع الإسلامي على دول المنطقة هو استراتيجية إسرائيلية متقدمة، تبرر من خلالها وجودها كدولية إثنية، وكذلك، كدولة ديموقراطية وحيدة، حليفة للغرب. ويقول شوييه في هذا السياق إنّ خلق دويلات طائفية وإثنية حول إسرائيل، يخدم الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية على المدى الطويل. مثلاً، خلق دويلات: مارونستان، دروزستان، علاويستان... تكون عاجزة وضعيفة وتمثّل دولاً عازلة بين إسرائيل وما سمّاه المحيط السني. اللافت أنّ أيّ مواطن عربي يدرك تلك المخططات جيداً، لكن نرى في المقابل انحداراً غريباً إلى الطائفية والمذهبية.
يرى شوييه «أنّ الثورات العربية الأخيرة صنعها شباب متحمس، مع وسائل تقنية متطورة وديموقراطية. تلك الفئة من الشباب غير المنظم حزبياً ستتلاشى على الصعيد السياسي، ليحل محلّها أشخاص أكثر جدية، ضالعون بالعمل السياسي». ينطلق شوييه من تلك الفكرة ليجزم بأنّه «لا يوجد حالياً إلا الإخوان المسلمون للقيام بذلك الدور، وخاصة أنّ الأحزاب العلمانية الأخرى فشلت في اكتساب شعبية على المستوى السياسي». ويتابع: «إنّ الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين ينظرون إلى الإخوان المسلمين اليوم على أنّهم يمثلون الإسلام المعتدل في المنطقة». ورأى «أنّ الولايات المتحدة تؤدي دوراً رئيسياً في الأحداث في المنطقة، فهي لا تملك المال، وبالتالي لم تعد قادرة على مد الجيوش العربية بالدعم، تحديداً الجيش المصري، ولذلك يجب أن تخلق أنظمة جديدة تستطيع أن تضبط الشعوب العربية من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى الدفع لها مقابل ذلك. لكن ما يلزمها هو سلطة مدنية سياسية تكون رافعة للجيش من دون أن تسيطر عليه».
يطرح المراقبون أسئلة من نوع: هل تخطط الولايات المتحدة فعلياً لخلق أنظمة شبيهة بالنموذج التركي، أي التزاوج بين سلطة الجيش وحزب إسلامي؟ إنّ الخطورة في ذلك تكمن في أنّ الولايات المتحدة لا تتطلع بالفعل إلى أنظمة ديموقراطية علمانية ليبرالية. جلّ ما تريده واشنطن هو خلق أنظمة تستطيع أن تسيطر على شعوبها بأقل كلفة ممكنة. فحدود الديموقراطية المطلوبة تكمن في ضمان مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. الديموقراطية في تركيا يختصرها رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان بقوله الشهير إنّ الديموقراطية مثل الباص، نترجل منها عند الوصول».
يقول المفكر والكاتب الأميركي، نوام تشومسكي، إنّ الولايات المتحدة وحلفاءها سيحاولون القيام ما في وسعهم لمنع الديموقراطية الأصيلة في العالم العربي. السبب بسيط جداً، فالأغلبية الساحقة من السكان في الدول العربية تتطلع إلى الولايات المتحدة باعتبارها التهديد الرئيسي لمصالحها، وتتصرف واشنطن على هذا الأساس: ما دام هناك ديكتاتور مطيع، فاتركه يفعل ما يشاء. وينطبق ذلك على الدول النفطية تحديداً. أما في وضع مصر وتونس مثلاً، فاللعبة هي كالآتي: لديك ديكتاتور تحبه، لكنّه يواجه المشاكل، ادعمه إلى أقصى حدود، وإذا لم يعد بالإمكان دعمه، فتخلّ عنه وأرسله إلى مكان آخر، أطلق شعارات رنانة حول الديموقراطية وحقوق الإنسان والربيع الآتي، ثم أعدّ النظام القديم، لكن بأسماء جديدة. هذا ما فعلته الولايات المتحدة سابقاً في هاييتي، وتايوان، وكوريا الجنوبية...
نعم، تحتاج الشعوب العربية إلى فرصة للتغيير، ولكن يجب ألا تتحوّل تلك الحاجة إلى مطيّة تستغلها أجندة خارجية لتطبيق «سايكس بيكو» جديد. فالعلمانية تُعَدّ حلاً جذرياً لخلق أنظمة ديموقراطية حقيقية تكون ضامنة للتعدد الديني والحقوق. إلا أنّ الأحزاب العلمانية فشلت في تأسيس أرضية صلبة لأفكارها وتطلعاتها، ويعود ذلك إلى عوامل عدّة متراكمة. ولكن التحوّلات الجارية في المنطقة اليوم، والتحدّيات التي تواجه الشعوب العربية قد تساهم في إخراج تلك الأحزاب من أزمتها وطرح مشاريعها بديلاً من التقوقع الطائفي والتعصّب المدمّر.
يمكن لبنان أن يؤدي دوراً مهماً في هذا الاتجاه. هو البلد الذي اندحر على أبوابه مخطط الشرق الأوسط الجديد، وتخطى كل محاولات التقسيم، ولا يزال مستمراً في تقديم أمثولة حول تمازج الحضارات والطوائف في مواجهة مقولات صراع الحضارات. لذلك، يجب على القوى الحيّة في لبنان أن تسارع إلى تقديم نموذج فريد ومغاير لما يرسم للمنطقة، وتطوير ذاك النموذج عبر اعتماد العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وتحديث المجتمع المدني بدءاً بالتعليم إلى اعتماد إدارة شفافة بعيدة عن المحاصصات الطائفية تكون الكفاءة الركن الأساسي فيها.
لبنان بلد الحريات بامتياز، ولكنّه بلد «الديموقراطية» الطائفية بامتياز كذلك، لكن لا تخلق الديموقراطية الطائفية مجتمعاً مدنياً متطوراً، تكون فيه مرجعية الفرد دولته فقط، لا زعيم الطائفة.

* وزير السياحة اللبناني