بعد عشرين سنة من الإقامة الدائمة في الغرب، يصيب المرء ـــــ لا محالة ـــــ بعض من «لوثة الحضارة». مع تراكم السنين، تجد نفسكَ تنساق، من دون أن تنتبه، إلى اعتناق «ديانة» من نوع جديد، تجعل من حقوق الإنسان «دوغما» مقدّسة، وتضع الكرامة الإنسانية فوق أي اعتبارات أو قيم أخرى.

من نافل القول، إذاً، التذكير بأنّني أُعارض حكم الإعدام، وأستهجن اقتياد رجل مريض، جاوز الثمانين، لمحاكمته على كرسي طبي متنقل. لكنّني أعترفُ بأنّني فرحتُ، وأحسستُ بنشوة، لم يشُبها أيّ تأنيب للضمير، يوم رأيتُ حبل المشنقة يلتفُّ حول رقبة طاغية بغداد، صدام حسين. واستعدتُ الشعور السَّادي ذاته، في الأسابيع الماضية، وأنا أشاهد فرعون مصر (الأخير؟) طريحاً في قفص الاتهام. في كلتا الحالتين، جلستُ مزهوّاً في حديقة بيتي، وأشعلتُ سيجاراً فخماً، للاحتفاء باللحظة التاريخية.
لم تكن نشوتي نابعة من أيّ ضغينة أو رغبة في التشفي. لكنّني أغفلتُ (أو تناسيتُ إلى حين) صفاء رؤية الطاغية العراقي في لحظاته الأخيرة، وهو يُقاد إلى المشنقة، حين أدرك أنّ جلاّديه الحقيقين ليسوا أولئك الذين كانوا يحيطونه بصيحاتهم المسعورة، مستمتعين بتصوير مشهد إعدامه على هواتفهم النقالة. فأطلق صيحته الأخيرة في وجوه من كانوا يحرِّكون تلك الدمى من وراء ستارة: تحيا فلسطين حرّة مستقلة!
وفي المحاكمة المصرية، تغاضيتُ عن الكرامة المدوس للرئيس المخلوع، وهو ملقى في قفص المحكمة على سريره الطبي، وقد تزاحمت من حوله فلول المحامين، بين من يطلبون القصاص العادل، ومن ينشدون الشهرة الرخيصة من خلال المزايدات الشعبوية، مقترحين نقل «الرجل المريض» إلى مستشفى سجن طرة أو أخذ بصماته على الملأ!
في كلتا الواقعتين، قرّرتُ أن ألقي بكل التحفظات الأخلاقية جانباً. لم يكن ذلك بدافع التماهي مع مشاعر الجماهير الشعبية. بالعكس، أُغفلت تماماً مشاعر 354 مليون مواطن عربي (وفق آخر تقديرات جامعة الدول العربية)، ممن أحسّ أغلبهم بالفرحة والنشوة، بلا شك. وارتكز اهتمامي فقط في ناد ضيق كان أعضاؤه 18 شخصاً يوم شنق صدام، وأصبحوا 16 غداة افتتاح محاكمة مبارك. وهم اليوم 15. عسى الله أن يُيسِّر علينا، فينخفض العدد مجدّداً قبل أن تصل الكلمات الى القارئ! أتحدّثُ، بالطبع، عن نادي الطغاة الجاثمين على صدور شعوبهم من المحيط إلى الخليج.
خمسون عاماً، ونحن نعاني الفقر والنقر، كما نقول في لهجاتنا المغاربية، أو الهمّ والغمّ، إذا أردنا تقريب الفكرة للقارئ المشرقي، وطغاتنا ينامون قريري العيون وراء أسوار قصورهم الفخمة. وها قد دار الزمن، وجاءت اللحظة التاريخية التي ستنكِّد عليهم كما نكَّدوا علينا.
ليلة شنق صدام، تصوّرتُهم، خلف فلول الحرس والخدم، يتحسّسون رقابهم، متسائلين: دور من الآتي؟ وحين ارتكزت عدسات الكاميرات على «المريض المصري»، طريحاً على سريره الطبي في قفص المحكمة، تخيّلتُهم يقلِّبون بأيدٍ مرتجفة صفحات تقاريرهم الطبية، يستجدون السماء أن تفتك بهم أمراضهم المتعددة والمزمنة، قبل أن تطالهم الجماهير الغاضبة!
أعتقدُ جازماً أنّ الوقع النفسي لمشاهد المشنقة العراقية، والمحاكمة المصرية، كان له تأثير في نفوس (وعقول؟) ما بقي من الطغاة العرب، أقسى وأعمق من أي انتفاضات سلمية أو مسلحة. لنأخذ، مثلاً، عميد هؤلاء الطغاة، العقيد القذافي. ما إن رأى حبل المشنقة يلتف على رقبة صدام حسين، حتى بدأ سلسلة تنازلاته للغرب: تخلّى عن برامج التسليح السرية، وتاب عن دعم «الإرهاب الدولي»، وهرول للتحالف مع أميركا البوشية في حربها على «محور الشر»... لكن كل تلك التنازلات، وما رافقها من تعويضات ورشاوى وحوافز اقتصادية بالمليارات، لشراء ودّ «الدول العظمى»، لم تكف لحماية جزّار طرابلس من مصيره المحتوم.
وتلك فاجعة أخرى، لا يُستهان بوقعها في نفوس الطغاة العرب. فانقلاب الغرب على القذافي، والطريقة المخزية التي خذلت بها «الدول العظمى» نظامين أدّيا، على مدى ربع قرن، دور كلاب الحراسة للمصالح الغربية في المنطقة العربية (مبارك مشرقاً، وبن علي مغرباً)، أسقطا واحدة من النظريات الأكثر تجذّراً في عقلية الطاغية العربي: مغازلة الغرب للاستقواء على شعبه!
أضف إلى ذلك، أنّ تجميد الأرصدة، وملاحقة الأصول المالية «المشبوهة»، فتحت أعين الطغاة العرب، ومن حولهم من حاشيات منتفعة، على حقيقة أخرى لا تقل مرارة: كل الخدمات الجليلة التي قدّموها للغرب لن توفّر لهم، بعد التنحي، ملاذاً آمناً يكفل لهم الاستمتاع بالمليارات المنهوبة من أموال شعوبهم.
لا شك في أنّ ذلك النكران الغربي سيكون مفعوله في دعم الإصلاح العربي أقوى من أي خطاب عن الديموقراطية والحكم الرشيد. إذا لم يعد بإمكان الطاغية العربي أن يحتمي بمظلة الغرب في مواجهة شعبه، ولا أن يأتمن البنوك الغربية على أمواله وأموال حاشيته وذريته، فما نفع الطغيان إذاً؟
الاستبداد مهنة محفوفة بالمخاطر، والطاغية محاصر على الداوم بالقلاقل الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية والسياسية، والنزاعات القبلية والعشائرية والطائفية. فضلاً عن الانقلابات العسكرية، والانتفاضات المدنية، وشتى صنوف المؤامرات التي يحوكها أعداء الداخل والخارج. ونحن اليوم في عصر العولمة المباركة، التي علمتنا أن نُخضِع كلّ شيء لمقياس المكسب والخسارة. فإذا لم يعد للاستبداد مردود يفوق حجم كل تلك المجازفات التي تحفّ به، فعلى الطغاة السلام!
ما نفع التسلط والقمع والسجون؟ وما جدوى تفوّق النخب الحاكمة العربية على كافة الأمم الأخرى في رياضات كمّ الأفواه، واقتلاع أظفار (وأنياب) المعارضين، إن لم يعد الحُكّام يأمنون سوء العاقبة؟ أم هل يتوقع الغرب أن تستمر أنظمة الاستبداد العربية في خوض غمار تلك الرياضات الشاقة، فقط بدافع «الروح الأولمبية»، مصداقاً لمقولة البارون دي كوبرتان الشهيرة: المهمّ المشاركة!
أقول كلّ ذلك، ثم أقف مثل قس بن ساعدة، مستعيراً ابتكاره البلاغي: أما بعد! إذا طرحنا جانباً الاعتبارات الرمزية الآنفة الذكر، فإنّ من يتابع محاكمات مبارك وأبنائه في مصر، وبن علي وأصهاره في تونس، لا يمكن إلا أن يتساءل: أين الثورة من مثل تلك المحاكمات؟
الجماهير الشعبية الثائرة تنادي بالقصاص من عقود القمع والفساد ومصادرة الإرادة الشعبية، بينما يُحاكم مبارك بتهمة الاشتراك في القتل المتعمد للمتظاهرين، وبن علي بتهمة حيازة المخدِّرات! إذا سارت الأمور على المنوال ذاته، فستكون التهمة الرئيسية الموجهة إلى القذافي ـــــ إذا أُلقي عليه القبض، وقُدِّم للمحاكمة ـــــ تناول حبوب الهلوسة!
درجت الثورات على طيّ صفحات الماضي، من خلال محاكم ثورية كثيراً ما تتلخص في نصب المشانق في الساحات العمومية لتصفية رموز الأنظمة السابقة. ولا شك في أنّ إقامة محاكمات مدنية ومنصفة للطغاة العرب المخلوعين، تمثّل نقلة حضارية تسجَّل لثوراتنا. لكنّني أحاول جاهداً أن أفهم لماذا تُقدَّم رموز الأنظمة السابقة في مصر وتونس، أمام محاكم جنائية تتعامل معهم كأنّهم مجرد مجرمين (عاديين) من متهمي الحق العام! ما يفسر تلك التهم المضحكة الموجهة إليهم. تُرى، لو اعترض حسني مبارك على قتل المتظاهرين، ورفض إرسال البلطجية إلى ميدان التحرير، فهل يكفي ذلك لإبراء ساحته، وتركه ينعم بسنوات التقاعد في منتجع شرم الشيخ، بعد أن أفنى عمراً في خدمة مصر، كما قال في خطبته الأخيرة، قبل التنحي؟ ماذا عن ثلاثين سنة من الاستبداد والقمع داخلياً، ومن الانبطاح والتبعية العمياء خارجياً؟
ولو كان زين العابدين بن علي زاهداً في متاع الدنيا ومُتعها المحرّمة، فهل يكفي ذلك لتبرئته من جُرم اختزال الإرث البورقيبي في الهراوة الأمنية، وجعل العصرنة مرادفاً للولاء الأعمى للغرب، والعلمانية مطية لقمع الجماهير «المتخلفة» التي يتنازعها الحنين إلى ظلامية القرون الوسطى؟
أخشى أن تكون محاكمات مصر وتونس عاجزة عن إثارة مثل تلك الإشكاليات، بكل بساطة، لأنّ من يشرفون اليوم على محاكمة الطغاة المخلوعين كانوا على مدى عقود جزءاً لا يتجزأ من النظام القائم.
كل يوم يمر من عمر المراحل الانتقالية الموالية للثورات العربية يجعلني استحضر مقولة المفكر اليساري الإيطالي أنطونيو غرامشي، التي تنبأ فيها بالفاشية، فلفت إلى أنّ جميع الثورات تواجه بعد قيامها فترات أزمة، تواكب المراحل الانتقالية التي تفصل بين انهيار الأنظمة القديمة ونشأة منظومات بديلة. وحذَّر من أنّ تلك «العتمة» الموالية للثورة، التي تنشأ في خضم احتضار القديم وتأخر ولادة الجديد، قد تتمخض عن وحش كاسر!
لا أريد أن أصبَّ الماء في طاحونة أنظمة الاستبداد العربية، التي لا أزال عند رأيي بأنّ مآلها إلى مزبلة التاريخ، لا محالة. لكنّني أخشى أن نصحو ذات يوم، لنفاجَأ بأنّنا استبدلنا طغاة بطغاة. وأخطر أشكال الطغيان ـــــ بالإذن من غرامشي مجدداً ـــــ تلك التي تزعم أنّها تستند إلى الشرعية الشعبية!
* كاتب وصحفي جزائري مقيم في باريس