طرفة متداولة في الأردن منذ عقود تقول: ألقت استخبارات جلالة مليك البلاد الحسين، القبض على مواطن كان يلقي في مكان عام تهما: جواسيس، خونة، مجرمون، قتلة، لصوص، عملاء، صهاينة، وما إلى ذلك من النعوت. فلما احتج المعتقل بدعوى أنه لم يربط التهم بجلالة الملك ونظامه، أجابه ضابط الاستخبارات: «ولو، مخمّنا حمير! واضح إنك بتقصد سيدنا وحكومتنا»! وهكذا كانت بعض التعليقات، القليلة، التي وصلتني إلى عنواني الرقمي، على مقالي السابق عن مراكز بحثية وأكاديميين عاملين فيها. فالبعض أساء الفهم، إذ ظن أن المقصود مراكز محددة، بينما توهم آخرون أن المقصود هذا أو ذاك من الأشخاص، لكن من دون التوافق بينهم على اسم محدد، مع أني ضد شخصنة أي قضية، وما أقصده بنقدي هو المنهاج.


عندما نلقي نظرة على مراكز بحثية، عبر عدسة زاوية موسعة نرى أن الأمر لا يختلف في دول غربية وغير غربية. فإذا أخذنا ألمانيا مثلاً، نجد أن لكل من الأحزاب الممثلة في مجلس النواب صندوقها البحثي الخاص بها، والمخصص للدراسات الإنسانية. أي إن الهدف تقديم دراسات أكاديمية، رزان المظهر، تسوغ سياسات هذا الحزب أو ذاك، وليس نشر أبحاث علمية محايدة سياسياً. والأمر ذاته ينطبق على معهد الاستشراق الألماني ومقره في هامبورغ؛ انظر إلى صاحب اليد العليا تعرف هدف أي معهد؛ نصف ميزانية المعهد ترد من وزارة الخارجية الألمانية، أي إن الأبحاث المنشورة عليها خدمة سياسات البلاد الخارجية وعدم تضاربها معها. تجربتي الشخصية مع المعهد عندما طلب مني في مطلع التسعينيات كتابة مقالة عن اتفاقية غزة اريحا أولاً، فكتبت أن توقيع الاتفاق يؤكد ما كان يروى في الماضي عن مجرم الحرب إسحق رابين عندما «استُدعي» إلى واشنطن، سفيراً لكيان العدو الصهيوني فيها، بسبب كونه عميلا رسميا منظما في وكالة الاستخبارات المركزية، التي كانت تعده لتأدية دور تسووي مع زبائنها في المنطقة. اعترض المسؤول بذريعة عدم امتلاكي إثباتا موثقا [كذا!] على كون المقبور عميل السي آي إيه، مع أن كلامي كان في سياق سياسي لا مرافعة أمام محكمة.
وثمة إجماع بين المراقبين العالِمين بخفايا الأمور أن بعض أعضاء مجلس دول الأعراب الخليجية يقدمون منحا مالية لهذا أو ذاك من مراكز البحث الغربية كي تأخذ مصالحهم في الاعتبار عندما تنشر تقاريرها... وهل ننسى منح «لندن سكول أُف إيكُنُمكس» العريقة سيف الإسلام القذافي شهادتي الماجستير والدكتوراه بتدخل من بلير المدعوم بدفعة مالية ضخمة لدار نشر لنشر كتاب له! تلك الشهادة لم ترفع من شأن حاملها، لكنها حطت من منزلة مانحها التي تساوت مع ما تسميه هي جمهوريات الموز!
من ناحية أخرى، على مراكز الأبحاث هذه، إن كانت تستحق صفة كهذه، أن تثبت صحة تحليلاتها. فهل توقع أي منها ما حصل في الدول الشيوعية! لكن المثير في الأمر أنه رغم الاحتجاجات الموسعة في الصحافة الوطنية على تلك الإخفاقات البينة، لا أحد من العاملين فيها فقد مركزه بسببها.
فقد لوحظ غضب شعبي على النظام في ألمانيا الشرقية في أثناء عقد أسبوع الكنيسة السنوي الذي حضره عام 1989 آلاف الشبيبة اللادينيين، وعلى عكس ما كان يحصل في الماضي حيث كانت المشاركة تقتصر على المؤمنين من أتباع الكنيسة.
لم تكن ثمة من حاجة إلى مراكز ولا إلى بحاثة ليعلم كل من كان لصيقاً بالشارع أن الانفجار آتٍ لا محالة، لكن بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية فيها.
وللحديث بقية.