المنظمّات اللاحكوميّة («إن. جي. أو») غزت عالمنا العربي منذ التسعينيات: هي عنوان السيطرة الأميركيّة العالميّة بعد الحرب الباردة. هي كانت جزءاً من تفاهمات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على التأثير في الرأي العام والتغيير السياسي في عالمنا، لا بل في العالم أجمع. كما أن الطبخة كانت جزءاً من تفاهم بين الحزبيْن الحاكميْن في أميركا للتعامل مع المُتغيّرات العالميّة بعد تفتيت الاتحاد السوفياتي.


كانت مبادرة إنشاء منظمّة «وقف الديمقراطيّة» وإنشاء منظمتيْن خاصتيْن بالحزبيْن للتدخل في شؤون دول العالم أجمع لوضع خطة عمل جديدة للتعامل مع نمط جديد في الهيمنة. المبادرة هذه كانت من قبل رونالد ريغان في خطاب شهير ألقاه أمام مجلس العموم البريطاني في 1982، والذي اقترح فيه بناء البنية التحتيّة للديمقراطيّة في الدول النامية، وزاد رصد نفقات تلك المنظمّات بعد اندثار الاتحاد السوفياتي. وبناء البنية التحتيّة للديمقراطيّة تقليد أميركي معروف في تاريخ السياسة الخارجيّة الأميركيّة: فقد كانت منظمّة «سافاك» الإيرانيّة ومخابرات النظام الأردني والمصري من البنى التحتيّة للديمقراطيّة بالمفهوم الأميركي. ولا يختلف دور منظمّات الحكومة الأميركيّة والأوروبية عن دور المنظمّات غير الحكوميّة. اللغة هي واحدة والخطاب هو عينه والمرامي والمقاصد لا تختلف بين هذه وتلك. ودور المنظمّات هذه هو وظيفي أيضاً بالمعنى الحرفي: أي انه يهدف إلى توظيف (وحكماً تدريب وتجنيد) قطاعات كبيرة من الشباب المُتعلّم في الدول النامية: لهذا فإن مدينة رام الله تحتضن عدداً هائلاً من المنظمّات غير الحكوميّة المُموّلة من أميركا أو الاتحاد الأوروبي لأن بيئة فلسطين تحتلّ أولويّة خاصّة عند صهاينة الكونغرس من أجل محاربة ثقافة المقاومة ونشر ثقافة الطاعة والانصياع و... قرع الطناجر الاحتجاجيّة كأعلى وسائل التعبير المُتاح (شهدت رام الله مؤخراً تظاهرة يساريّة صغيرة قامت بقرع الطناجر الاحتجاجيّة ردّاً على ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكيّة. هذه التظاهرة تدلّل على نجاح العوامل الخارجيّة في قولبة الثقافة السياسيّة السائدة في المجتمع الفلسطيني. في الستينيات والسبعينيات، كان هناك أحاديث وجدال لا ينتهي عند صياغة برامج المنظمّات الفلسطينيّة حول جملة واحدة في برنامج كل تنظيم: هل يُقال إن العنف الثوري أو الكفاح المُسلّح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين أم يُقال إنه الطريق الرئيس لتحرير فلسطين؟) لكن الإجماع كان حاداً حول ضرورة الكفاح المُسلّح لتحرير فلسطين. حتى عصام الصرطاوي - الذي سبق محمود مازن في تنازلاته أمام العدوّ الإسرائيلي والذي نبذ الكفاح المُسلح مبكّراً - أنشأ لنفسه في الستينيات تنظيماً صغيراً لتحرير فلسطين بالقوّة المُسلّحة.


عمل منظمات حقوق الإنسان تعرّض لأكبر نكسة عندما أُنشئت «هيومن رايتس ووتش»



ولا يزعج الحكومة الأميركيّة أو الاتحاد الأوروبي إلا محاولات التضييق في موسكو أو في مصر على عمل المنظمّات الغربيّة (الحكوميّة وغير الحكوميّة) لأنها باتت ذراع أساس في عمل حكومات الغرب في بلادنا. دكاكين ومؤسّسات ومراكز أبحاث وأوقاف لم نسمع بها من قبل. لكل شأن حياتي منظّمة أو أكثر، وهناك منظمّات تقوم بإعادة رسم حياتنا ومجتمعنا: مؤسّسة «راند» تقوم بإعادة صوغ المنهج الدراسي في قطر، وشركة «بوز ألن» اعادت تنظيم الأوقاف الإسلاميّة في لبنان، وعمليّات الانتخاب الشكليّة أو الأقل شكليّة لا تكتمل من دون حضور مندوبين عن «مؤسّسة كارتر» - وكارتر هذا مسؤول عن تدعيم الديكتاتوريّة المصريّة والإيرانيّة في عهد الشاه، وهو الذي أعاد رسم الخريطة السياسيّة للعالم العربي عبر فصل مصر عن الصراع العربي ــ الإسرائيلي. لا تسمح أميركا لأي دولة تتلقّى دعماً وتمويلاً منها بأن تحدّ من عمل هذه الجمعيّات والمنظمّات (وقد اعترفت منظمّة «فريدوم هاوس» اليمنيّة أنها ومنظمّة تغير ديمقراطي أميركي حكوميّة خالفتا القوانين المصريّة في عمل المنظمّات الأجنبيّة). أما الجيوش العربيّة والمؤسّسات العسكريّة والاستخبارتيّة فهي أيضاً تخضع لعمل وإشراف منظمّات حكوميّة وغير حكوميّة غربيّة: يكفي ان يظهر السفير الغربي في صورة تقديم المساعدات والذخائر كي تتلقّى الدولة الغربيّة المعنيّة شهادة بحريّة الحركة والتدخّل في الدولة المُتلقيّة للمعونة. هم يأسرونا بمعوناتهم ويقتلونا بإنسانيّتهم.
أما منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة، فتلك قصّة أخرى. كان طرح موضوع «حقوق الإنسان» بعد الحرب العالميّة نتاجاً لسياسة أميركا في الحرب الباردة. هو لم يكن يعني لها إلا شعاراً لمحاربة الشيوعيّة حول العالم ولتقويض دعائمها الأخلاقيّة ولتغيير الأنظمة بتسويغ يناقض الشرعيّة الأخلاقيّة للأنظمة الشيوعيّة. وأرادت الحكومة الأميركيّة من صياغة شرعة حقوق الإنسان (بمشاركة صوريّة من الفاشي اللبناني، شارل مالك، الذي كان عرّاب الميليشيات اليمنيّة في الحرب في ما كان يُسمّى بـ«جبهة الحريّة والإنسان» والتي سبقت تأسيس «الجبهة اللبنانيّة») أن تضع لبنات إيديولوجيّة يمينيّة لمحاربة التقدّم والشيوعيّة حول العالم. وأرادت الحكومة الأميركيّة عبر مالك ان تقحم المفهوم الديني المسيحي في الصياغة (وكان مالك يستقي بعضاً من بنود الإعلان من وثيقة الاإستقلال الأميركي - يُراجع كتاب «عالم يُجدّد: إلينور روزفلت والإعلان العالمي لحقوق الإنسان» لماري آن غليندن، ص. 98). والغرض من الصياغة كان إعلاء شأن الفرد المُجرّد (وليس الإنسان الحقيقي) بوجه مفهوم الجماعة والطبقة (حتى ان المندوب البريطاني العمّالي ثار على وجهة سير الفريق الأميركي اليميني — والذي انتمى مالك إليه، حكماً وطالب بحد معيّن من احترام حقوق الجماعة). لم يكن في الوثيقة ذكر للحقوق الاقتصاديّة او للعدالة الاجتماعيّة أو للصراع الطبقي. هذه مفاهيم لا تعني شيئاً للعقيدة الرأسماليّة والجموح الإمبريالي الأميركي.
لكن الدفاع عن حقوق الإنسان أصبح شأناً خاصّاً غير حكوميّاً بإنشاء منظمّة العفو الدوليّة عام 1961. والمنظمّة أُنشأت بغرض الدفاع عن حقوق الأفراد بصرف النظر عن حقوق الجماعة أو العدالة الاجتماعيّة أو حق الإنسان في العمل والتأمين الطبّي. كان المفهوم الأميركي الرجعي لحقوق الإنسان هو السائد. وحملت المنظمّة قضيّة مَن تسمّيهم «سجناء الرأي» (أو «سجناء الضمير» بلغات أجنبيّة)، أي هؤلاء الذين يُسجنون ويُعذّبون ويُضطّهدون لا لشيء إلا لعقيدة أو فكرة أو دين يعتنقونه. ولا شكّ ان المنظمّة ساهمت في تسليط الضوء على قضايا قمع وظلم مُحدّدة (فرديّة) لكنها كانت وتبقى خاضعة لحسابات ومعايير الرجل الأبيض وقضاياه. إن المناضل المُسلّح أقلّ حظوة في أجندة منظمّة العفو الدوليّة، مثلاً، كما أن سجناء الرأي في الاتحاد السوفياتي حظيوا بما لم يحظ بهم السجناء في الدول المُتحالفة مع أميركا، أو في أميركا نفسها. كما أن ترتيب أولويّة سجناء الرأي كانت تخضع دوماً لحساسيّات سياسيّة للدول الغربيّة.
لكن عمل منظمّات حقوق الإنسان تعرّض لأكبر نكسة عندما أُنشأت منظمّة «هيومن رايتس ووتش» الأميركيّة وبميزانيّة ضخمة، والتي تتحدّر من منظمّة «هلسنكي ووتش» والتي تأسّست في عام 1978 فقط لرصد خروق الاتحاد السوفياتي لاتفاقيّات هلسنكي، ثم تتطوّرت المنظمّت وصارت لها فروع خاصّة بكل منطقة من العالم: أميركا، آسيا، وأفريقيا، وأخيراً في عام 1989 منظمة خاصّة برصد حقوق الإنسان في الشرق الأوسط. ولم يكن التأخير في إنشاء الفرع الخاص بالشرق الأوسط عفويّاً أو عابراً، بل نتيجة طبيعيّة لتملّص المنظمات الغربيّة من التصدّي لموضوع حقوق الإنسان في الشرق الأوسط برمّته وذلك تحاشياً لإحراج دولة العدوّ الإسرائيلي وتحاشياً أيضاً لإحراج طغاة العالم العربي الذي تحرص الصهيونيّة العالميّة على تلميع صورهم (باستثناء واحد أو اثنيْن، كالعادة، إذا لم يكونوا يتمتّعون بحسن العلاقة العلنيّة أو السريّة مع دولة العدوّ). وقد أثّرت منظمّة «هيومن رايتس ووتش» في على عمل كل منظمّات حقوق الإنسان حول العالم وذلك بحرصها الشديد على عدم إزعاج دولة العدوّ وجيشه الإرهابي.

يمكن رصد سمات
محدّدة أضرّت بقضيّة حقوق الإنسان في
عالمنا العربي


وقد سرّبت لي قبل سنوات عاملة في المقرّ الرئيس للمنظمّة في نيويورك مراسلات من مدير المنظمّة وفيه يبرز خوف وذعر شديد من ردود فعل ما أسماه المدير يومها بـ«الممولّين الموالين لإسرائيل». ويسارع صهاينة أميركا إلى الانخراط في كل المنظمّات المعنيّة بحقوق الإنسان في الغرب وذلك بغية التأثير في عملها وفي تغطيتها، كما ان التمويل يكون جزءاً من الخطّة للتأثير في أجندتها. وتأثير الممولّين الصهاينة لا يمكن التقليل من شأنه لأن هذا التمويل هو الذي غيّر طريقة التعاطي مع موضوع خروق الإنسان من قبل دولة العدوّ. ويمكن رصد سمات محدّدة أضرّت بقضيّة حقوق الإنسان في عالمنا العربي عبر السنوات الماضية، وهي ترجمة لخضوع المنظمّات اللاحكوميّة تلك إلى أجندة السياسة الخارجيّة الأميركيّة التي لا تحاول حتى ان تبدو غير منحازة في نظرتها إلى الشرق الأوسط (توقّف الخطاب السياسي الجمهوري الأميركي في مواسم الانتخابات عن المطالبة بـ«سياسة محايدة» في الشرق الأوسط في السبعينيات من القرن الماضي وأصبحت الانتخابات مجرّد مناسبة للمنافسة في المجاهرة بتأييد الليكود ومَن هم على يمينه). ومن معالم هذه السمات من التأثير:
أولاً، لم يعد الحديث عن خروق حقوق الإنسان من قبل العدوّ الإسرائيلي مسموح في «غير سياقه» أو في فراغ تاريخي. والسياق الذي أصرّت عليه المنظمّات الصهيونيّة لسنوات هو ما يُسمّى بالمصطلحات الصهيونيّة الغربيّة بـ«الموازاة»، أو «الموازنة»، أي أن أيّ تطرّق لخرق أو خروق لحقوق الإنسان من قبل دولة العدوّ يجب ان يقترن فوراً، في التقرير نفسه، بنقد لخرق ما لحقوق الإنسان من قبل الشعب المُحتلّ ومقاومته. وعليه، لم تعد تقارير منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة ذات جدوى، ليس فقط لأنها (خصوصاً منظمّة «هيومن رايتس ووتش») غالباً ما تعتمد على آراء عسكريّين أميركيّين متقاعدين، بل لأنها تقلّل من وطأة أي تقرير عن مجازر وجرائم حرب إسرائيليّة عبر الموازاة مع تقرير عن ان قصف «حماس» لم يكن مركّزاً أو مُوجّهاً ضد أهداف عسكريّة (لا نعرف كيف تتوصّل المنظمات إلى هذه النتيجة) أو أن «حماس» أو «حزب الله» قاما بإلقاء القبض على عملاء للاحتلال، وعملاء الاحتلال الإسرائيلي يحتلّون دوماً موقع الصدارة في تقارير منظمّات حقوق الإنسان وفي تغطية الإعلام الغربي التي تحرص على حياة عملاء الاحتلال أكثر من حياة أي فرد من أفراد الشعب الواقع تحت الاحتلال والقصف. كادت منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة ان تنتحب وتتشح بالسواد عندما ألقت حركة «حماس» القبض على عملاء للعدوّ ممّن كانوا يوجّهون قصف العدوّ أثناء عدوان غزّة الأخير. وهكذا تصبح تقارير منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة عن مجازر إسرائيليّة تقارير تبرئة للقاتل وإدانة للمُحتلّ - الضحيّة.
ثانياً، هناك تراتبية في أهميّة الأفراد بناء على عقائدهم وعلى أهوائهم. أذكر مرّة انني دعيتُ لمناقشة تقرير مفصّل لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» في سان فرنسيسكو عن حقوق المثليّين وحادثة «كوين بوت». وأسهب التقرير الذي كتبه الخبير في المنظمّة في شؤون المثليّة، سكوت لونغ، في وصف حالة المُتهمين وكيف انه كان يتلقّى اتصالات هاتفيّة من أفراد المجموعة وكانوا يوافونه بمجريات التحقيق وحالة السجن أوّلاً بأوّل. من حسن حظ هؤلاء الأفراد ان كان لهم اتصالاً مباشراً مع مسؤول في المنظمة، يرفع قضاياهم وينقل وجهة نظرهم ويقوم بالضغط العام من أجل حثّ الحكومة المصريّة على التراجع عن مقاضاتهم واضطهادهم. وقلتُ له: هل هناك بين الآلاف من مساجين الإخوان في سجون حسني مبارك (يومها) من يملكون رقم هاتفك كي ينقلوا لك وجهة نظرهم وأحوالهم؟ لم يجبني لأن الجواب كان واضحاً. لن أدخل هنا في مناقشة أطروحة الرفيق جوزيف مسعد في كتابه «اشتهاء العرب» حول «المثليّة العالميّة» لكن من الضروري مناقشة وقع التبنّي السياسي لمنظمّات غربيّة لقضايا معيّنة وفق عناوين معيّنة وبمعايير معيّنة، وحول إذا كان التبنّي يدخل في صالح الضحايا الذين واللواتي تنطق منظمّات غربيّة باسمهم اسمهنّ ومن دون علمهم. كما أن الأفراد اليمينيّين الرجعيّين يحظون بتغطية ومناصرة لا يحظى بها الأفراد اليساريّون التقدميّون. قبل بضع سنوات منحت منظمّة «هيومن رايتس ووتش» جائزة للحريّات لمحامٍ لبناني يميني (وهو كان من مؤيّدي بشير الجميّل في حينه). اتصلتُ يومها بمديرة الشرق الأوسط في المنظمّة وسألتها عن سبب الاختيار، وعن الهويّة السياسيّة للممنوح. نفت علمها بهواه السياسي إلّا أنها قالت لي إنها لاحظت أنه لا يشير إلى الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 بـ«الاجتياح». لن يفوز شربل نحّاس بجائزة حقوق إنسان من أي منظمّة حقوق إنسان غربيّة. هذا بديهي.
ثالثاً، تعمد منظمات حقوق الإنسان الغربيّة إلى فرض شروط مستحيلة على حركات التحرّر خصوصاً تلك الحركات التي تقاوم احتلال إسرائيل وأميركا في البلاد العربيّة. ووفق معايير منظمّات حقوق الإنسان، لا تستقيم مقاومة، ولا تُشرّع، من دون حيازة صواريخ كروز الدقيقة أو طائرات إف. 16 لضمان التصويب الدقيق. أما السلاح الذي بحوزة المقاومة يكون أضعف وأقلّ دقّة من سلاح العدوّ فهو مناسبة للنيل من حريّة المقاومة تلك. لكن المعيار هذا كاذب لأن العدوّ الذي يتمتّع بسلاح متقدّم ومتطوّر ودقيق التصويب يضرب به خبط عشواء ومن دون أي حرص على حياة المدنيّين والمدنيّات.
رابعاً، نشر ثقافة غربيّة صهيونيّة في الخطاب والمعايير. وعليه، يصبح موضوع الحريّات ورفع شعاره فرصة لقمع الحريّات باسمها. الحريّات هي مناسبة من أجل إتاحة المجال لأدعياء الاستعمار والاحتلال الأجنبي كي يعبّروا ويحرّضوا ويجنّدوا ويخرّبوا ويبثّوا فكر الاستسلام والخضوع. إن صوت منظمّات حقوق الإنسان في أميركا لا يرتفع للدفاع عن أعضاء لحزب الله أو «حماس» أو حتى أصحاب شركات كيبل محليّة صغيرة ممن يحمّلون محطة «المنار» على باقة المحطات المُوزّعة، باسم حريّة التعبير. إن مفهوم الغرب لحريّة التعبير هو التعبير عن حق مناصرة أعداء العرب. لا تناصر منظمة «هيومن رايتس ووتش» حقوق من يُزجّ بهم في السجون العربيّة لأنهم يناصرون قضيّة كفاح شعب فلسطين. اين كانت منظمّات حقوق الإنسان عندما تعرّض «سامي شهاب» للسجن فقط لأنه كان يدعم كفاح الشعب الفلسطيني في غزة؟ هل يصبح أحمد سعدات رمزاً لسجناء الرأي الذين تتحدّث منظمة العفو الدوليّة عنهم؟ قطعاً، لا، لكن سعد الدين إبراهيم بات عنوان تقارير منظمّات حقوق الإنسان عندما قضى فترة في السجن في عهد مبارك، بعد ان كان مستشاراً له ولزوجته.
خامساً، مركزيّة الغرب ومعاييره تطغى على كل نشاطات وتغطيات منظمّات حقوق الإنسان. فالإنسان الغربي المُعتقل في دولة نامية هو أهم من أي إنسان آخر معتقل في أي مكان في العالم، إلا في الدول الغربيّة نفسها. والأعراق تفعل فعلها: فالعرق الأبيض أهم في المناصرة من أعراق أخرى دونيّة. ومركزيّة الغرب هي تحدّد من هو السجين الذي يستحق التعاطف ومن هو السجين الذي يستحق التجاهل المطبق.
سادساً، العمل في الثقافات المحليّة من أجل قمع الحركات التحرريّة والاستقلاليّة من أجل فرض أجندة الدول الغربيّة. باسم الإنسانيّة، يصبح الإنسان ممنوعاً من توخّي الإنسانيّة. منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة قرّرت مثلاً أن حركة الشعب الفلسطيني يجب ان تكون سلميّة (قرع الطناجر للاحتجاج فقط) وأن رمي الحجارة يوازي جرائم حرب العدوّ الإسرائيلي، ويخدش حساسيّة الرجل الأبيض ومشاعره. وتقييد حركة التحرّر الوطنيّة وشلّ عملها يصبح من صلب عمل تلك المنظمات، ومن عمل المنظمّات المحليّة التي تستبطن الخطاب نفسه والمعايير نفسها، وتتلقّى التمويل الأوروبي والأميركي لهذا السبب. وفرض معايير تقييد وشل حركة المقاومة العربيّة يفضح نوايا الحكومات والمنظمّات الغربيّة: لم يُسبق ان فُرضت قيود «أخلاقيّة» على أي حركة مقاومة كما يُفرض على حركة الشعب الفلسطيني. فمقاومة الشعب الفلسطيني باتت هي المتهمة، وبات العدوّ المُحتلّ هو الضحيّة. وكل ذلك باسم الإنسانيّة - الإنسانيّة نفسها التي حكمت المشروع الاستعماري الغربي. لا تستطيع الدول الغربيّة فرض سيطرتها على العالم النامي بالوسائل العسكريّة وحدها. والاحتلال في القرن الواحد والعشرين يحتاج إلى وسائل سيطرة وتسويغ جديدة. إن منظمات حقوق الإنسان الغربيّة وجماعة الـ«إن. جي. أو» التي تنتشر بسرعة وكثافة انتشار المنظمّات العسكريّة في لبنان في سنوات الحرب ليست إلّا الوجه الآخر للاستعمار الغربي الحديث. وما يميّز منظمّات حقوق الإنسان أن لها وهجاً وسحراً يغزو أحياناً عقول وقلوب الشعوب المُستعمرة وشبابها الليبراليّين، فتظنّ وهي تهتف بشعارات حقوق الإنسان أنها تهتف لنفسها فيما هي تهتف لمُستَعمريها ومُحتلّيها. جورج بوش (الأب) كان يلوّح بتقارير منظمّة العفو الدوليّة عن العراق في صيف 1990 وهو يبني القوّة العسكريّة العرمرميّة لغزو المنطقة العربيّة وتثبيت العرش الكويتي.
إن صناعة ثقافة «حقوق الإنسان» لم تكن لها علاقة بحقوق الإنسان. كان الرجل الأبيض يستفيض في وثائق وبيانات وإعلانات عن في حقوق الإنسان والمساواة في أميركا فيما كان السود في حالة عبوديّة. وارتفاع منسوب خطاب حقوق الإنسان في بلادنا مرتبط بزيادة نشاط الحروب والاستعمار من دول الغرب. ولماذا لا ترتفع أصوات حكومات الغرب ومنظمّات حقوق الإنسان فيها عن حقوق الإنسان العربي إلا عندما يزداد خرق حقوق الإنسان من قبل تلك الحكومات نفسها، ومن قبل من تدعم من الطغاة العرب. هي تبيع السلاح بالمليارات إلى طغاة الخليج وتعظ باليد الأخرى حول ضرورة احترام حقوق الإنسان من قبل الحكومات التي لا تشتري سلاحها. لعلّنا نحتاج إلى تعريف جديد لحقوق الإنسان وإلى منظمّة عربيّة لا تترجم بالكامل خطاب منظمّات حقوق الإنسان الغربيّة، بل ترصد الغرض الخبيث لمنظمّات حقوق الإنسان الغربيّة. قد يؤدّي ذلك إلى مزيد من الحريّة، والقليل من قرع الطناجر الاحتجاجية.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)