لا شك أن الأزمة السورية هي من بين أزمات المنطقة الحالية، الأكثر تعقيداً واستعصاء. يعود جزء من أسباب ذلك التعقيد والاستعصاء إلى تمادي هذه الأزمة، حتى الآن، إلى ما بات يقارب الأربع سنوات ونصف السنة. ويعود جزء آخر إلى امتداد الأزمة ورقعة نيرانها وآثارها إلى كل المناطق والحدود والمدن السورية (فضلاً عن تمددها إلى الخارج). خلال هذه الفترة الطويلة والحافلة بالمآسي والخسائر، قاتل الجيش السوري بكل أسلحته ونخبه بأقصى الطاقة.


وكذلك فعل المعارضون الذي توفر لهم من السلاح والدعم الداخلي والخارجي والدولي، ما مكنهم من امتلاك قدرة نارية وقتالية متعاظمة مكنتهم، بدورها، من إحداث توازن، تحول، مع الوقت، إلى الاستيلاء على مدن ومناطق ومساحات واسعة تفوق المساحات التي ظل يسيطر عليها الحكم السوري الشرعي وإن كانت نسبة السكان في تلك المناطق تقل عن النسبة التي ما زالت تعيش في كنف السلطة الرسمية السورية وتحت سيطرة جيشها وإدارتها. وكانت ذروة التحولات الميدانية، حين تم إنشاء دولة «الخلافة الإسلامية» (داعش) على جزء من أراضي الجمهورية العربية السورية انطلاقاً من مدينة الرقة ومن ثم التوسع، بالعدوان والخيانة والانقسام، في «حدود» هذه الدولة، إلى جزء مساوٍ تقريباً، داخل الأراضي العراقية.
وثمة أيضاً سبب جوهري في تعقيد الأزمة هو السبب السياسي. فمنذ أوائل الاحتجاجات، أضيفت إلى المطالب والأهداف الإصلاحية للقوى الداخلية مطالب وأهداف قوى خارجية (إقليمية ودولية). وما لبثت هذه الأهداف المضافة أن حلت محل الأولى، بل أزاحتها من المشهد كلياً لتصبح الأهداف الخارجية هي محرك الأطراف الخارجية ومعظم القوى الداخلية للصراع، في مقابل أهداف الطرف الرسمي (وداعميه)، المقاتل، من جهته، من أجل البقاء والصمود، ومن أجل الاستمرار في التزاماته الإقليمية والدولية. ولقد بلغت هذه المعادلة ذروة اكتمالها، وبالتالي تعقدها واستعصائها، بانخراط اللاعبين الخارجين بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراع. أضفت مشاركة هؤلاء، دولاً ومجموعات وتيارات متطرفة، من الإقليم المجاور إلى أربع وأبعد أرجاء المعمورة، على الأزمة السورية، طابع الصراع الدولي والإقليمي (والداخلي أصلا) بامتياز. يعود جزء مهم أيضاً من أسباب تعقيد الأزمة السورية واستعصائها وفداحة الموت والدمار والخسائر فيها إلى جنوح طرفيها الأساسيين إلى عدم قبل أنصاف الحلول أو التسويات، وإلى السعي نحو الحسم والانتصار وهزيمة الطرف الآخر. ويمكن القول إن تعاظم المشاركة وضخامة إمكانيات المشاركين في الصراع في سوريا وعليها، قد حالا دون هزيمة هؤلاء ودون انتصارهم، كما جرفا كل القوى الوسطية، وهي عموماً قوى مدنية لم يعد لها، بسبب ذلك أساساً، تأثير أو حتى مجرد وجود، منذ وقت مبكر، وليس في المراحل الأخيرة من الصراع فحسب...
يستحق هذا الأمر الأخير التوقف ملياً بشأنه، خصوصاً في هذه المرحلة التي تستمر فيها الحرب ضارية، وشبه متكافئة، ويستمر فيها استنزاف جميع الأطراف الإقليمية، خصوصاً منها الأكثر انخراطاً في الأزمة. هذا فضلاً، طبعاً، عن تحولات ومتغيرات وتهديدات، باتت تتطلب البحث عن حلول وتسويات، أو على الأقل، عن محاولة احتواء نتائجها التي أخطرها الإرهاب التكفيري الذي أفلت من كل سيطرة وبات يهدد المنطقة والعالم على حدٍ سواء.
يمكن القول، في هذا السياق، إن كلاً من الحكم في سوريا وخصومه قد «تعاونا» على إضعاف القوى الوسطية المدنية إلى الحد الأقصى الممكن. الحكم السوري لم يتسع، أصلاً، لأي شراكة أو فرص اختلاف. هو استخدم ولا يزال المنع والقمع ضد الاحتجاجات والاعتراضات حتى لو كانت ذات طابع داخلي: محدود وسلمي ومدني. ولقد حرص منذ اندلاع الاحتجاجات على نسبتها جميعها إلى قوى متطرفة وخارجية وإرهابية كجزء من تكتيكيه بتصوير اندلاعها واستمرارها فعلاً خارجياً محضاً، ولتبرير استخدام أقصى الشدة ضدها باعتبار ذلك عملاً دفاعياً ضد إرهاب وتدخل خارجيين. وسارعت الجهات الإقليمية (المتدخلة في الأزمة السورية ليس من أجل الإصلاح بل من أجل إسقاط السلطة السورية وسياساتها وتحالفاتها الدولية والإقليمية) إلى عسكرة الاحتجاجات. وهي، تباعاً، دعمت القوى والجماعات الأكثر تطرفاً تحت شعار «إسقاط النظام» من دون أي حسابات أو تفكير في النتائج والبدائل. نجم عن ذلك إفراط وقصووية ساهما أيضاً في تعاظم الخسائر والدمار وفي ضرب فرص التسويات وحتى فرص إجراء مجرد حوار خصوصاً بعد الفشل الذريع الذي أصاب مؤتمر جنيف 2 قبل أكثر من سنة ونصف السنة. لكن الأخطر من كل ذلك كان محاولة زج قوى إرهابية في الصراع على أمل حسمه لمصلحة أعداء السلطة والدولة السورية. وقد وجد بعض هؤلاء من المتطرفين التكفيريين الإرهابيين، الفرصة، سانحة لإطلاق مشروع خلافتهم «الإسلامية» التي خرجت على كل سيطرة و«مونة» وتعاون، حتى من أقرب الداعمين، ما لم تكن هي صاحبة مصلحة في ذلك.
بكلام آخر، وفي مناخ ما بعد إقرار اتفاق إيران مع الدول الست حول برنامجها النووي وما فتحه من آفاق، ومع تصاعد المخاطر والاستنزاف وسعي القوى الإقليمية الأكثر تورطاً، إلى التفتيش عن مخارج نجاة، تفتقر الأزمة السورية، في صفوف المعارضات وباسمها، إلى محاور داخلي يمكن أن يشكل شريكاً لممثلي الحكم في التفاوض حول التسويات والحلول ومن ثم المساهمة فيها. ليس هذا فقط، بل أن القوة الداخلية الأكثر تأثيراً أو استحواذاً على الأرض والميدان وأسباب القوة، هي القوى الإرهابية التكفيرية التي ترفض كل التسويات، فضلاً عن أن التسوية لا تجوز معها من الأساس.
لهذه الأسباب مجتمعة: أي بسبب فداحة الخسائر والأخطار التي تطاول الجميع استنزافاً واستهدافاً وتهديداً، لا بد من عمل دولي منسق للتخلي عن الأهداف القصوى لمصلحة التسويات الوسطية والحوار المؤدي إليها. إن الإصرار مثلاً على إسقاط النظام السوري ورموزه هو، أن تعدي التكتيك التفاوضي، يشكل إمعاناً في تغذية الأزمة وبالتالي القتل والدمار والتطرف. وهو أمر سيعقد ويؤجل التوصل إلى حلول وتسويات لكل أزمات المنطقة بكل ما يرافق ذلك من أضرار وكوارث لن يكون أحد بمنأى عنها.
إن التسوية في سوريا تشترط، في امتداد التخلي عن أوهام تحقيق الانتصار الكامل، الجنوح نحو تشكيل حلف حقيقي لمواجهة الإرهاب ودولته ومواقعه في سوريا والعراق واليمن وليبيا... وهو حلف لم يتشكل بعد، رغم إعلان قيامه قبل حوالى سنة من هذا التاريخ! فبعض الدول ومنها تركيا، ما زال يعرقل ويناور ويواصل نفس السياسات والأهداف السابقة. وفي هذا السياق تقع خطة حكومة الرئيس التركي لإقامة «منطقة آمنة» غير منسقة ضمن جهد دولي: أي لا تشكل جزءاً حقيقياً من الحرب على الإرهاب، بل هي جزء من حرب الرئيس أردوغان التي توجهها مصالحه الانتخابية الداخلية أو سياسته السلطانية الإقليمية حيال الأوضاع في سوريا ومصر والمنطقة عموماً.
ليست سوريا وحدها في مأزق: سوريا الدولة والسلطة والشعب والدور (ومعها العرب أجمعين). الآخرون، من خصومها، هم في مأزق أيضاً، بسبب عجزهم عن الانتصار في الحرب وافتقارهم إلى البدائل في المفاوضات. ذلك وجه من التعقيد يستدعي من السلطة السورية، من جهتها، تغييراً ومبادرات لم يبدأا حتى هذه الساعة (ماذا، مثلاً، لو أقدمت على إجراء بسيط من نوع إطلاق سراح بعض المعتقلين ممن لم يحملوا السلاح يوماً ورفضوا دائماً العسكرة والتدخل الخارجي؟!).
* كاتب وسياسي لبناني